يقول كاتب هذه السطور : ممن اغتر بكلام ابن الجوزى الذى ذكره الحافظ ابن حجر الامام العلامة حافظ عصره العراقى فعد هذا الحديث من الاحاديث التسعة التى زعم انها موضوعة فى ( مسند الامام احمد ) لكن تعصب للمسند الحافظ ابن حجر حمية للسنة وذبا عن ذلك المصنف العظيم الذى تلقته الامة بالقبول والتكريم وجعله تمام السنة احمد بن حنبل حجة يرجع اليه ويعول عند الاختلاف عليه ، قال ابن حجر فى تعقب الحافظ العراقى : ( قول ابن الجوزى انه باطل وانه موضوع دعوى لم يستدل عليها الا بمخالفة الحديث الذى فى الصحيحين وهذا اقدام على رد الاحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ولا ينبغى الاقدام على الحكم بالوضع الا عند عدم امكان الجمع ولا يلزم من تعذر الجمع فى الحال ان لا يمكن بعد ذلك اذ فوق كل ذى علم عليم وطريق الورع فى مثل هذا ان لا يحكم على الحديث بالبطلان بل يتوقف فيه الى ان يظهر لغيره ما لم يظهر له وهذا الحديث من مثل هذا الباب هو حديث مشهور له طرق متعددة كل طريق منها على انفراد ما لا تقصر عن رتبه الحسن ومجموعاتها ، مما يقطع بصحتة على طريقة كثير من
أهل الحديث )
واطال الحافظ فى الرد على المراهن وبيان ان تعليلات ابن الجوزى لا تؤثر فى صحة هذا الحديث لما له من الطرق الحسان والصحاح ثم قال كيف يدعى الوضع على الاحاديث الصحيحة بمجرد هذا التوهم ولو فتح هذا الباب لرد الاحاديث لادعى فى كثير من الاحاديث الصحيحة البطلان ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون ) وقال فى موضع اخر ( فهذه الطرق المتظاهرة من روايات الثقات تدل على ان الحديث صحيح دلالة قوية ) و قال : ( وهذه نهاية نظر الحديث ) وممن سبق الحافظ ابن حجر الى الجزم بثبوت هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم البرار فى ( مسنده ) والحاكم فى ( مستدركه ) والحافظ ضياء الدين القدسى هى ( الاحاديث المختارة مما ليس فى الصحيحين ) والكلابادى فى ( معانى الاخبار ) والطحاوى فى ( مشكل الابار ) واعتمد على كلام العسقلانى السيوطى فى كتبه الثلاثة ( التعقبات على الموضوعات ) و ( اللآلى ) و ( شد الابواب فى سيد الأبواب ) والكتانى هى ( تعلم المتنابر ) والفتنى فى ( تذكرة الموضوعات ) وعبد الحى اللكنوى فى
( التعليق المجد على موطا الامام محمد ) والشوكانى فى ( الفوائد المجموعة فى الاحاديث الموضوعة ) الا أن الشوكانى تعقب الحافظ فى قوله : (( لا ينبغى الاقدام على الحكم بالوضع الا عند عدم امكان الجمع )) قال الشوكانى : (( هذا غير صحيح فانه اذا تعذر الجمع لا يحل لاحد أن يحكم بالوضع على المرجوح . بل غاية ما يلزم تقديم الراحج عليه وذلك لا يستلزم كونه موضوعا بلا خلاف )) فظهر بهذا صحة الحديث وبطلان قول محمود الملاح فيه صفحه ٧٥ من كتابه (( تاريخنا القومى )) . . (( وعن هذا الباب ، أى باب الاحاديث التى يرى انها موضوعة - رغم صحتها - عن ابن عباس ان النبى صلى الله عليه وسلم سد ابواب المسجد غير باب على ص ١٩ وازاء هذا حديث مشهور أحفظه جيدا كل خوخة تسد الا خوخة أبى بكر )) ولو كانت الاحاديث ترد بالدعاوى لتأتى لكل مبطل أن يحكم على ماشاء منها بالبطلان ولكن يأبى الله ذلك ويأباه المؤمنون .
وأما دفع التعارض بين هذا الحديث وحديث سد الخوخ الا خوخة أبى بكر فللعلماء فيه مسلكان : أحدهما ما ذكره الحافظ ابن كثير فى ( البداية والنهاية ) حيث قال : (( وهذا - أى حديث سد الابواب الا باب على - لا ينافى ما بيت فى صحيح البخارى من امره عليه السلام فى مرض الموت بسد الابواب الشارعة إلى المسجد الا باب أبى بكر الصديق لأن نفى هذا فى حق على كان فى حال حياته لاحتياج فاطمة الى المرور من بيتها الى بيت ابيها فجعل
هذا رفقا بها وأما بعد وفاته فزالت هذه العلة فاحتيج الى فتح باب الصديق لأجل خروجه الى المسجد ليصلى بالناس اذ كان الخليفة عليهم بعد موته عليه السلام وفيه اشاره الى خلافته )) وهذا جمع معقول فى غاية الحسن . . الثانى - ما ذكره أبو بكر الكلاباذى فى معانى الاخبار والطحاوى فى ( مشكل الاتار ) واشار اليه البزار فى مسنده وتلقاه الحافظ ابن حجر فى ( القول المسدود ) وفى ( فتح البارى ) بالقبول وهو ان باب أبى بكر كان من جملة أبواب تطلع الى المسجد خوخات وأبواب البيوت خارجه من المسجد فأمر صلى الله عليه وسلم بسد كل الخوخ فلم يبق مطلع منها الى المسجد وتركت خوخة أبى بكر فقط وأما باب على فلأنه داخل المسجد يخرج منه ويدخل فيه كما قال ابن عمر للذى ساله حين اشار الى بيت على هذا بيت على الى الى جنبه - أى بيت النبى صلى الله عليه وسلم - وكان بيت النبى صلى الله عليه وسلم فى المسجد . . وخلاصة هذا الجواب ان تخصيص باب على فى هذا الحديث انما هو لكونه الى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره ولذلك لم يؤمر بسده وما يؤيد هذا الجمع ما أخرجه اسماعيل القاضى فى ( احكام القرآن ) من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأذن لاحد أن يمر فى المسجد وهو جنب الا لعلى بن أبى طالب لأن بيته كان فى المسجد , وقد استدل الخطابى وابن بطال وغيرهما بحديث ابى بكر على استحقاق ابى بكر للخلافة قالوا لأن حديث أبى بكر كان
فى آخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم فى الوقت الذى أمرهم فيه ان لا يؤمهم الا ابو بكر والى ذلك يشير الحافظ ابن حبان بقوله بعد أن أخرج هذا الحديث ( فيه دليل على ان الخلافة له بعد النبى صلى الله عليه وسلم ) .
يقول كاتب هذه السطور بهذا الذى ذكرناه عن أئمة الحديث المحققين ثبت أن حديث على صحيح سندا وانه لا معارضة بين متنه وبين متن حديث ابى بكر بل كل ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى فضل على ليس فيه أدنى اشارة الى تقديم على على من كان قبله من الخلفاء ولابن القيم فى كتابه ( بدائع الفوائد ) كلام نفيس فى حكمة صرف الخلافة عن على وأهل البيت نسرده للقراء فيما يلى : (( قال الامام ابن القيم فى ( بدائع الفوائد ) : السر والله أعلم فى خروج الخلافة عن أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم الى أبى بكر وعمر وعثمان ان عليا لو تولى الخلافة بعد موته لاوشك ان يقول المبطلون انه ملك ورث ملكه اهل بيته فصان الله منصب رسالته ونبوته عن هذه الشبهة وتأمل قول هرقل لابى سفيان هل كان فى آبائه من ملك قال لا فقال له لو كان فى آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه فصان الله منصبه العلى من شبهة الملك فى آبائه وأهل بيته وهذا والله اعلم هو السر فى كونه لم يورث هو والانبياء قطعا لهذه الشبهة لئلا يظن المبطل ان الانبياء طلبوا جمع الدنيا لأولادهم وورثتهم كما يفعله الانسان من زهده فى نفسه وتوريثه ماله لولده وذريته فصانهم الله عن ذلك ومنعهم
من توريث ورثتهم شيئا من المال لئلا تتطرق التهمة الى حجج الله ورسله فلا يبقى فى نبوتهم ورسالتهم شبهة أصلا )) . ثم قال ابن القيم : (( ولا يقال فقد وليها على وأهل بيته لأن الأمر لما سبق انها ليست بملك موروث وانما هى خلافة نبوة تستحق بالسبق والتقدم كان على فى وقته هو سابق الامة وأفضلها ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه ولا خير منه فلم يحصل المبطل بذلك شبهة والحمد لله )) انتهى كلام ابن القيم على ان مسائل الخلافة لا نرى للملاح التعرض لها ما دام لم يترك دعاية الى عدم اساسها الا بثها فى هذه المؤلفات وقد صرح فى ( نظرة ثانية فى مقدمة ابن خلدون ) برأيه فى الخلافة وعبارته فى صفحة ٢٦ : (( ورأيى فى هذا العصر انه اذا كان ولا بد من منصب خلافة فلتؤلف لجنة عليا من كبار المصلحين توجه أمور المسلمين على العموم توجيها اجتماعيا ثقافيا وتسدى النصائح الى الحكام السياسيين منهم فى توحيد مجرى السياسة على أن لا تكون مصادمة لجوهريات الاسلام . هذا رأيه فى الخلافة كما أنه لا يرى للخليفة السمع والطاعة بل يحبذ الخروج على الأئمة مصادمة للنصوص بثنائه على الخوارج حتى صار يقول فى كتابه ( الآراء الصريحة ) ص ١٥ : (( لا أعرف أحدا من الصحابة وأبناء الصحابة تابع الخوارج وكان خليفا بمتابعتهم من كان على رأى أبى ذر من طلاب مفهوم العصمة )) يريد بهذا أن يجعل أبا ذر الذى هو من أصدق الناس لهجة والخوارج المارقين فى واد واحد ويأبى الله ذلك والمؤمنون وستكون لنا ان
هذه الثقافة تصطبغ بها هذه الفئة فى ضوء الفلسفة التعبيرية .
والتي تنير الغرائز وتستجذب الميول الوحشية وتصور الهواجس الشيطانية والافكار الماردة . . كل هذه الميادين توجه غارة شعواء على الوجود الانسانى فتقسمه وعلى كيانه الروحى فتفصف به وتهوى به فى مكان سحيق .
هذا هو طابع الثقافة الغربية التى
كثر سماسرتها وتنوعت أبواقها بمختلف الاساليب الملتوية المموهة باسم الانسانية .
وكيف يرحم الانسانية من هو عدو لنفسه منقاد لتيار شهواته غير مقيد بسلطة يخشى مراقبتها ؟ . .
ان كل ثقافة عارية من الصيغة الدينية فهى لا تلتئم مع المقاصد الانسانية النبيلة ومثلها العليا .

