أخذت الغرابة تستحوذ على كيانى كلما تأملت هذه الجملة المحاطة باعتبار مربع وآخر مستطيل على صفحات احدى المجلات المصرية السيارة . .
وكنت من خلال هذا أكاد لا أتبين حقيقة قصد رئيس التحرير احسان عبد القدوس ، وهل هو يعنى ما تعنيه الجملة ؟ . . أم أنه يردد ما قد قيل سابقا ؟ ثم هل هو يريد بهذا أو ذاك رسوخ المعنى فى الاذهان ثم الاستسلام ؟ . . أم أنه يقول ذلك لمجرد السرد ؟ هكذا وثمة اسئلة كثيرة راحت تتردد فى خاطرى محاولة استنتاج الحقيقة ، وحيث لا حقيقة وجدتنى أقول :
ان الانسانية انما تعنى فى مكنونها سواء كانت فردية أو اجتماعية : الحب والاخاء ، والصداقة ، وحمل التبعة ، والكرامة ، وروح التضحية فى أى زمان ومكان . .
أما اللانسانية فهى كما هو مفهوم لدى الجميع تحمل فى طياتها الظلم ، والقسوة ، والعنف والبؤس والحرمان والكراهة اللامتمركزة ، والتحطيم ، لمجرد الشهوة الخ . .
والمعنى أن الخير هو حتما انسانى أو يجب أن يكون كذلك . . والشر طبعا يجب نبذه لأننا لو اعتنقناه أو أو أشركناه فى حقيقتنا لخرجنا من اطارنا الذهبى ولتخبطنا كما تخبط
كثير من القدماء فى الاوحال القذرة لسبب خلطهم بين الخير والشير فى حقيقتهم حتى انهم غدوا يعتقدون أن كل شىء يصدر من انسان ما هو خارج عن ارادته لانه من طبيعته ولا أعنى بهذا أنهم كانوا يتغاضون عن الشر والاشرار ، لا . . بل كانوا يفرضون العقوبات عليهم دون أن يتوخوا الدوافع التى كانت تدفعهم الى ارتكاب الشر ، وأمثلة هذا التدهور لا تزال موجودة حتى زماننا هذا فى بعض بقاع الارض ، والواقع أن الوعى الحديث بمفهومه الاساسى الواقعى قد عرف حقيقة التناقض فى النظرية الجامعة بين الخير والشر ( لافلاطون ) أو ( أرسطو ) حيث يقول : « ان الخير لا يمكن أن يتحقق الا فى الحياة النظرية ، والحياة النظرية هى حياة التأمل والنظر الخالصين »
لهذا كله أبين الطريق القويم خوفا من التدهور حتى التطور فى الصعيد اللانسانى ذلك أن أكثر أفراد العالم المتمدين بدأوا يفرقون بين حقيقة الخير والشر لدى انفسهم ولذا نكاد نرى اندحار الجريمة فى بعض اماكنهم . . والانسانى حسب مفهوم الوعى الحديث هو كل ما هو ايجابى وغير الانسانى هو السلبى ، ونحن عندما نتعمق حقيقة هذا القول ( مفكرين ) نجد أن هذا هو الواقع أو يجب أن
يكون كذلك على الاقل ، والا فان المستقبل ستكتنفه عتمة كئيبة هى نفس العتمة التى تدحرج فيها قدماء الانسانية من قبل .
وثمة أشياء أخرى تمركز هذا القول : هى أن البشر عندما يولدون يولد خيرهم ثم يبدأون فى أخذ طريقهم الى الخير والشر متأثرين فى ذلك بالبيئة والتربية ، وطرق التنشئة ثم حالة المجتمع بنوعيها . .
ومن هؤلاء من يكتفى بما هو فيه ويستمر فى الطريق الذى وجه اليه ومنهم من يطلب الحقيقة فيجتهد ويبحث وينقب حتى يهتدى بتفكيره الى حقيقة يرى هى الاصح والاصلح فيسير اليها أو عليها ، ونعود الآن فنقول أن الخير والشر كانا ولا يزالان يقسمان البشرية الى قسمين : انسانى وغير انسانى ، ذلك عندما تكون البشرية لا تفقه ولا تعى وعندما تكون العوامل الطبيعة تفرض وتحتم عليهم عدم المعرفة . . . وصحيح أننا لا نلوم الذين هم على شاكلة هذه الحالة فى الزمن الغابر . . لان وجودهم كان لازما لسير التاريخ التطورى . .
ولكننا نلوم وبعنف امثالهم فى زمننا الحاضر خصوصا بعد أن علمنا أن هذين العنصرين ليسا متناظرين ومتساويين ولأننا نحن بشر هذا القرن يجب أن نغير مجرى التاريخ وأن نجعله انسانى النزعة بكل ما أمكن . .
والآن ان مثل هذه الدعوة التى تقول : « أنا الخير والشر معا لأنى انسان » كانت فى الماضى من الغموض بحيث كانت صعبة التحليل أو لكى لا نظلم نقول : ( هكذا دلنا التاريخ ) أما الآن فلا شك سهل ومتيسر ، ومع هذا نحن لا ننكر عدم وجود سذج وانما نقر وبكثرة لدرجة انهم أى أصحاب العقول الساذجة لا يحاولون التفكير مطلقا بل يريدون التمركز على الافكار . . ومن هنا نكاد نجزم بان الكثيرين سيسيرون متتبعين السيد ( احسان ) أو ما كتبه اذا كان هذا الصحيح . . مندمجين فى الخير قائلين ( نحن أناس ) ومندمجين فى الشر قائلين ( نحن اناس ) .

