الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

نقد, هل هؤلاء شعراء حقا

Share

تنشيطا للحركة الادبية فى بلادنا وبين ادبائنا منحنا هذا الباب لمن يريد ان يدخله . على شريطة الحفاظ على ادب النفس وادب الدرس معا . وان لا يتجاوز الناقد حصيد الموضوعات المنقودة في هدوء واتزان واعتدال بيان واهداف ، وعلى قاعدة . مناظرك نظيرك ،

الشعر عقل وعاطفة وخيال .

الشاعر ذو شخصية ادبية .

الشعراء انواع ثلاثة .

الشاعر ناظم وليس الناظم شاعرا

رسالة الى شوقي . .

قال لي صديقى حين كنا نجلس الى ظل وارف بجانب عين ثجاجة ، تنساب مياهها الرقراقة الى جدول يتدفق - في هبوط وصعود - نحو بستان وادع لطيف يطل على

ضفاف الصحراء ، وكأنه يتحدث اليها عن جمال الطبيعة حديث العاشق المدنف الكئيب :

- ألا تكتب مقالا يوضح للادباء ماهو زيف وما هو حق فى ) أدبنا القطيفى ( ؟ !

قلت وانا مستغرب أشد الاستغراب : - ما معنى هذا الكلام ايها الصديق ؟ ! قال : " هذه مجلة المنهل الغراء تنشر مقالا تحت عنوان : " هؤلاء من شعراء القطيف " وفيه اضاف كاتب المقال أفرادا

رأى انهم شعراء ، وانك أغفلت ذكرهم في مقالك السابق النشر : " مكانة القطيف الادبية عبر التاريخ " فيا لله وللشعراء !

- ضعوا أيها الادباء حدا لمثل هذه الاساليب

فلقد سئمنا هذا الكلام ، الذي ينسج حول ادبنا سياجا من الجمود والتأخر .

* الشعر عقل وعاطفة وخيال

ولصديقي الحق في الاستغراب ، فالشعر الحي كما يقول ) العقاد ( : " ذو قيمة انسانية ، قبل ان يكون ذا قيمة لفظية ، والشاعر فنان يستوحي الشعر من جوه النفسي . " ويحتاج الى طاقة من الابداع ، واحساس بنقد الالفاظ " كما يقول الناقد ) هاملتون ( ولقد اختلف الادباء والمفكرون ، وافتنوا فى تعريف الشعر ، ولكنهم " لم يختلفوا يوماما على انه : ) عقل وعاطفة وخيال وانه تعبير عما تجيش به النفوس من مشاعر " كما يقول الدكتور ) احمد الحوفي ( والاستاذ الشاعر ) ابراهيم العريض ( .

واذا جئنا لنقيس ما لهؤلاء الشعراء الذين ذكرهم كاتب مقال : " هؤلاء من شعراء القطيف " من انتاج شعري ، لم نكد نعثر على ما يسمى " انتاجا " . والمقاييس هي العناصر الثلاثة : ) العقل ، والعاطفة ، والخيال ( وما يترتب عليها من عمق في المعنى ، واناقة في الالفاظ ، وصدق في الشعور ، وجمال في الاسلوب ، ممثلة في قالب رصين ، واحساس حي ، وتصوير بديع بعيد عن جو التناول التقليدي في الشكل والمضمون

وكل ما هنالك جو عاصف من الشعر التقليدي ، يسلك جادة الاقدمين في الاغراض الشعرية ) الغزل ، الرثاء ، المدح ، الشكوى ، الحكمة ، الوصف ( منذ اكثر من الف عام . والواقع أن من رأى انهم شعراء " نظامون " . وانا اقدر لبعضهم المكانة الدينية الرفيعة ، لكنني عندما أقول انهم شعراء ، وليسوا من الشعر والشعراء في شيء ، فهم ينسجون على أنماط قديمة جدا تمثل لنا عصر التأخر الادبي ، الذي اصبح فيه الشعر صناعة تقوم على " الزخرفة " و " التقليد " !

* الشاعر ذو شخصية أدبية :

يقول الاديب العالمي : ) سومرست موم ( ) ان اكثر ما في الفن امتاعا هو شخصية الفنان ( وهذه الكلمة الصادقة تنطبق على الشاعر ، فالشاعر ايضا فنان . ولذا قال ) العقاد ( : " الشاعر الذي لا يعبر عن نفسه صانع وليس ذا شخصية " وليسمح ) صاحب المقال ( ببضع دقائق من وقته ليقف على ما خلفه شعراء العربية في سالف الزمن ، ولنفرض انه وقف على ديوانين الاول ) للمتنبي ( والثاني ) لابي لافراس الحمداني ( وبعد قراءة - لا دراسة - فاحصه ماذا يلاحظ الصديق ؟

اليست هي الشخصية المستقلة التي تميز ) المتنبيء ( عن " ابي فراس " ؟ اننى أعتقد ذلك اعتقادا ، ولا اخمنه تخمينا . وهذا أوضح من أن يدلل عليه ، فهو امر لا يختلف فيه اثنان من علماء الادب ، حتى الناشئة من الكتاب .

ولا أشك أن لكل كاتب ، كما لكل شاعر شخصية أدبية نستطيع من خلالها أن نستشف روح كليهما ، ونحدد اتجاهاتهما وميولهما

الفكرية والأدبية ، ونفرغ ذلك في شيء . واحد نسميه " اسلوبا " . وأي شخصية لشاعر يعيش في هذا العصر الحديث ، ولم يزل شعره يرزح تحت قيود وأزمنة ضاربة في القدم ؟ ! وعنده للمدح " قصائد قديمة " وللرثاء " اقفر الربع " لا يملك سواهما واذا جاءك بشعر حكمي صك مسامعك بأبيات معدمة من الخيال والتصوير الفنى الجميل ومن يفرق بين ) شعر ابي العتاهية ( فى الزهد والوعظ ، وهذا الشعر :

" كن ثابتا مطمئن القلب مبتسما

ما دمت حيا وكن بالله معتصما ؛

" وثق بربك دون الخلق متكلا

عليه في كل أمر هان او عظما ،

الم يتكرر سماع هذه الكلمات على اذاننا مئات المرات ؟ ! وهل من الممكن أن نقيس هذا الشعر بمقياس الشعر الذي يقول فيه " ابو ماضي " :

ايها المشتكي وما بك داء

كيف تغدو لما غدوت عليلا

ان شر النفوس في الارض نفس

تتوخى قبل الرحيل الرحيلا

هذا ما أتركه لذوق القارىء .

الشعراء أنواع ثلاثة :

إذا جاز أن للشعراء انواعا ، فلا بد أن تكون ثلاثة : ) مبتكر ، ومبدع ، ومتأثر ( ولست أقول كما قال أحد الشعراء :

الشعراء فاعلمن اربعة

فشاعر يجري ولا يجري معه (

وشاعر يجول وسط المعمعة

وشاعر لا تشتهي ان تسمعه )

( وشاعر لا تستحي ان تصفعه

فربما كان هذا التقسيم قديما ، او انه لا يوصلنا الى التقسيم . الجديد بطريقة مبسطة واضحة ) مبتكر . . مبدع . . متأثر ( أظنها سهلة الالفاظ . . سهلة الحفظ . . أليس كذلك ؟ !

وأريد بهذا التقسيم أن اتطلع الى النوع الذي يتلائم والشعراء الذي عناهم كاتب مقال : ) هؤلاء من شعراء القطيف ( .

وبعد كل هذه الجولة أصبح من السهل عليك أيها القارىء الكريم ان تضع كل شئ في موضعه وكأني أراك ساهما صامتا !

- ماذا حدث ؟ ! هل خطر ببالك أن اولئك الشعراء ليس لهم من نصيب في هذه ) الانواع الثلاثة ( ؟ !

لا . لا تنتابنك الحيرة ، فلكل نوع من هذه الانواع الثلاثة شخصية ادبية مستقلة ، وهذا ما لا يتوافر فيمن رأى الكاتب انهم شعراء . ولنبحث لهم عن نوع رابع " لا نخطئ في تقدير شاعريتهم عندما نضعهم فيه . ذلك النوع هو " مقلد " . فتلك اربعة كاملة : ) مبتكر ، مبدع ، متأثر ، مقلد ( .

ومن الشعراء المجددين : ) ابو ماضي ( و ) جبران ( و ) مطران . ومن المبدعين ) البارودي ، وشوقي ، وحافظ ( ، ومن المتأثرين ) طوقان ( و ) الشابي ( و ) المتجاني و ) الصيرفي ( . والتجديد ، والابداع ، والتأثر موضوع طويل حبذا لو اتاحت لي الفرص جلاءه في هذه الآونة القصيرة .

الشاعر ناظم وليس الناظم شاعرا :

قبل أن ابحث هذا العنصر ، أحب ان القي

عليك هذا السؤال البسيط في شكله : من هو الشاعر الجدير بالاحترام ؟ وقد جرت العادة باختلاف علماء الادب ، الا ان الاختلاف أقرب الى الشكل منه الى المعنى ، ) فالدكتور احمد زكي ابو شادي ( ) صاحب المدرسة الجديدة في الشعر ( يرى انه ذلك الفنان الذي يعبر عن شعوره بصدق ، ويتناول الموضوع تناولا فنيا سليما ، بعيدا عن الزيف والصنعة والتكلف ، اما ) العقاد و ) المازني و ) شكري ( فيرون ان الشاعر هو الذي يستمد المضمون من ذات نفسه العاطفية ، أو من الطبيعة الخارجية ، في صورة جديدة حية ، وخيال مجنح ، والشعر عندهم تعبير عن الوجدان . ولا أشك في أن شعر اولئك الشعراء متنوع في موضوعاته فمنه : الشعر الفلسفي ، والوجداني ، والتأملي ، والصوفي ، والعاطفي

وكل ما ذكرناه جزء لا يتجزأ من انتاج الشاعر ، او من سمات الشعر الحي ، أما الناظم فهو ) صفر الشمال خلو اليمين ( ليس له من نصيب في ذلك ، اللهم الا اوزانا وقوافي لا ترتبط بموضوع ، ولا تعبر عن احساس ذاتي عميق . وهذه من سمات الشعر الذي ذكره كاتب مقال : ) هؤلاء من شعراء القطيف ( . وأظن انك ترغب في سماع قسم من ذلك الشعر :

يقول أحدهم في الزهد :

على الانسان ان يسعى

ولكن في رضا الباري

وان السعي سوف يرى

بدار غير ذي الدار

فيجزاه الجزا الاوفى

كذا يتلى كذا يقرأ

تأمل قليلا ايها القارىء ! لتقف على سطحية " الناظم " فهو لا يجيد العرض ولا الاخذ ولا الاقتباس ، وهو لم يحرك أوتار عاطفته ، ولم يلون شعره بألوان الخيال الزاهية ، وكل ما هنالك جو من الاوزان ) مفاعيلن ، مفاعيلن ( ورنة من القوافي ) رضا البارى ، وذي الدار ( .

ويقول آخر :

وان ترد هيبة من دون سلطنة

خذ الاله وكن بالصمت ملتزما

واحبس لسانك لا تنطقه في هزل

فرب قول به الانسان قد اثما

لا شك فى ان القصيدة ) الزينبية ( لصالح ابن عبد القدوس حفلت بأجمل من هذه المعاني والالفاظ قبل مئات الاعوام !

رسالة الى شوقي . . :

وكتب أحدهم رسالة شعرية الى " شوقي " الشاعر الطائر الصيت ، وصف فيها ما أصابه من غبن ، لانتهاك حرمة " الامارة " وتوثب شعراء الجيل الجديد عليها :

شوقي اليك رسالة مملوءة

شكوى من الجيل الجديد المدعي

فتوى يضج لها القريض وقيلة

تأتي على صرح البيان الارفع

الى ان يقول :

ما بال من قد ازمعوا تحطيم ام

- رتك المنيعة ) حسن ظن المزمع (

لو كنت حيا لاهتديت لما به

يتطور الفن الحديث لمن يعي

ولئن ذهب شوقي ، فما ذهبت انصاره ، والحاذون حذوه ، فليعرضوا لنا فنهم الحديث في الشعر ) ليكونوا خير خلف لخير سلف ( كما يقال ! وليس من شك في ان صاحب هذه الرسالة ) ولا تظنها رسالة الماجستير او الدكتورية ، وانما هي رسالة عادية من الشعر قديمة كقدم صاحبها فيه " ممن يناصرون " شوقي " ويحملون نفوسهم مرارة الالم ، بشأن الامارة . . الا اننا لا نرى على شعر " صاحب الرسالة " لمسة خفيفة من لمسات شوقي السحرية ، أو مسحة من مسحات وطنيته ، أو قدحا من زناد شاعريته .

أما كاتب مقال : ) هؤلاء من شعراء القطيف ( فيقف موقف الحائر المتشكك تجاه آراء المفكرين المتضاربة في أمر شوقي .

هل هؤلاء شعراء حقا ؟ !

بعد ان قضينا معك - ايها القارىء العزيز - كل هذه الجولة القينا عصا الترحال ، وكأن على شفتي كل واحد منا ابتسامة مشرقة تخفي وراءها رنة موسيقية رتيبة ، تسيل رقة وصفاء على نغم هادىء ودييع ، وكان ما شاهدناه خلال تلك الجولة " شريط سينمائي رائع " مر سريعا ، وفي نهاية المطاف وختام الجولة طلعت على الشاشة " علامة استفهام " يعقبها سؤال وجيه :

" هل هؤلاء شعراء حقا "

وكأنما لفت الانظار سؤال كهذا ، بعد أن

ظهرت جلية امام المجموعة تلك الخطوط العريضة التي مهدت السبل لاجابة صحيحة على ذلك السؤال البارع . وهكذا اذا كان الشعر وليد الالهام والحس ، ومصدر الايمان والصدق ، ومنبثق الاخاء والمحبة ، ورهين الابداع والتجدد ، فان الشعراء هم اولئك الرجال الذين جاءوا ليسبغوا على البشرية نعمة الحب ، الذائب مع الانسام العليلة عطرا ينفح الانوف ، فيجعل النفوس مشرقة بنور الفكر ، عامرة بالود ، مطمئنة الى الخير ، مشحوذة بالنبل والكرم والذوق الرفيع . وليسوا من " النظامين " .

اشترك في نشرتنا البريدية