- ٢ -
فى مقال سابق لى فى تقديم هذا الديوان " في فجر العمر " لمؤلفه الاستاذ على حسن غسال كنت تناولت بالتعريف الجانب ( الأبيض ) المشرق منه ، تعريفا يرضاه الذوق الادبي والفني على السواء ، وها انا ذا فى مقال اليوم ابدأ فأستكمل ما بقي فى جانبه الآخر من ( سواد ) يعادل بياضه ، وبذا اكون قد وفيت الديوان حقه نقدا وتقريظا وتعريفا وتقديما .
فأول ما يري الرائى فى هذا الديوان الاضطراب الذي اصابه من ناحية اللغة ثم ناحية الخلل الذي وقع فى كثير من ابياته فكسره أو اخرجه من بحر الى بحر ثم ناحية اخرى هي ناحية " العروض " التى جوز الناظم لنفسه - بغير جواز ما لم يقل به أحد من العروضيين أهل السبق والرتق ، ثم الناحية الاخيرة وهي ناحية التطبيع المغلوط الذي اثر على الكتاب .
فالديوان بصورته المغلوطة لا يمكن أن يشفع لصاحبه بحجة أنه أول نتاج له فى دنيا الأدب وفي سن دون ذوى الاسنان من أولى التجارب ، لان كل مؤلف عليه وحده دون غيره تقع تبعة عمله الفني أيا كانت الاسباب .
وهنا أبدأ فاقول : ان من عيوب هذا الديوان . أولا : فى الاوزان كثير من التطبيع .
يقول الاستاذ المؤلف من قصيدة له فى " تحية سمو الامير محمد " بعد عودته من زيارة اليمن .
ولازلت في هذه الجوائح ثاويا تملك حبات القلوب وتأسر
والبيت مكسور في شطره الأول وصوابه : ولا زلت في ( هذى ) الجوامح ثاويا ... وقوله فى " قصيدة السد " :
نسى اليتيم منه كل يتيم حيث أضحى اليتيم فى النعماء
يا سمو الأمير ضع هذا السد حصنا موطد الأرجاء
والبيتان معا مكسوران ، وصوابهما :
نسي ( اليتتم ) منه كل يتيم حيث أضحى اليتيم فى النعماء
يا سمو الأمير ضع هذا السد ( حصينا ) موطد الأرجاء
وهذا البيت ايضا مكسور في شطره الأول ، حيث قال :
قد بذلت الجهود في سبيل الاصلاح متبوعة الخطى بالثناء
وصوابه :
قد بذلت الجهود في سبل الاصلاح متبوعة الخطى بالثناء
وفي قصيدته " من الأعماق " وقع كسر فى قوله :
وأنسيتني الآلام حين رحمتني فحففت من همى وحدة أرزاني
وهو من البحر الطويل والكسر فى شطره الثاني ، وصوابه فى الاصل . ! هذا ، ويطول فى القول والفصل اذا أنا اردت الحصر لا التمثيل ، فاكتفى فى هذا المقام - ولاملام بما وردته دلالة على امثاله ونظائره ، وهي كثر فى هذا الديوان .
ثانيا : في العروض
يقول الاستاذ المؤلف في قصيدته الشاجية : " شجون " :
واشهدى يا ارض كم تحت وكم سكبت عيناي دمعى المنهمر
انني آتيك دوما باكيا صارخا اشكو وقلب يستعر
هند يا مهجة قلبي اننى فى عذاب وشقاء مستمر
وفى الابيات الثلاثة - وقافيتها مقيدة خطأ عروض فى " سناد التوجيه " وهو اختلاف حركة الحرف قبل الروى المقيد من فتح فى الاصل الى خفض وهو ما نص العروضيون وتواضعوا على خطأ استعماله
وفي قصيدة السد " جاء قوله :
يا سمو الامير ضع هذا السد ( حصينا ) موطد الارجاء
فلنا فيك أيما آمال يا مثال الغطارف النجباء
وفي البيتين فى شطرهما الاول خطأ عروضي هو " التشعيث " اذ المعلوم ان التشعيث لا يجوز دخوله الافى الاشطر الثانية من الابيات دون الاولى الا فى حالة التصريع ، وهو المنصوص عليه والمعمول به .
وايضا فى قصيدته " الى بارئ السموات " التى اولها :
جلالك في عيني ونفسي ومهجتي وحبك يا ربي تجلى بذلتى
جاء قوله :
فأرسلت فيهم رسل دينك منهمو يقودونهم نحو الهدى والسعادة
فيا عابد الاصنام قبحت عابدا أفي الصم الخاوى قضاء لحاجة ؟
فالشاعر قد " أسس " فى هذين البيتين على حين أن القصيدة كلها خالية اصلا من الف التأسيس
ثالثا : التكرار
وفيه يلاحظ أن الاستاذ الشاعر قد يكرر ما سبق أن قاله تكرارا معيبا ، من ذلك أبياته فى قصيدته " الجمال النائم " حيث قال :
نامت على الورد والهيمان لم يتم هيفاء من نومها صامت عن الكلم
نامت على الورد والهيمان نحووله سهران يشكو من الاشواق والألم
نامت على الورد والهيمان مضطرب والروض أمسى بلاصوت ولانغم
نامت على الورد والهيمان فى أرق والقلب مما يعاني جد مضطرم
هذا فى حين ان القصيدة كلها " تسعة أبيات " لا غير . ثم انظر يارعاك الله - اليس معنى قوله " نامت على الورد والهيمان ( لم ينم ) ، فى البيت الاول هو قوله " نامت على الورد والهيمان ( فى ارق ) فى البيت الرابع ؟ والا ما الفرق معنى بين من لم ينم وبين المؤرق أجفانه ؟ ! .
ثم انظر الى قوله فى قصيدة : ( ما الحب )
ما هو الحب ايها الشاعر الغر يد ما كنهه وما معناه ؟
فافتني أيها " الصديق " فأني حرت فى كنهه وفى معناه ؟
فانك واجد تكرارا يثقل على كل من السمع والبصر .
وبعد : فتلكم ناحية أولى من ( سواد ) هذا الديوان ، وسنرجع اليه ان شاءالله مرة أخرى وفي مقال قادم يختم به نقدنا وتعريفنا لهذا الكتاب بعد ان نوفيه حقه من التشريح والتوضيح . والسلام .
مصر - الزيتون
