إن صح ما يقال - وهو صحيح - من أن الكتاب يعرف من عنوانه ، فهو في هذ الديوان " احلام الربيع " اصح ما يكون وأصوب فالربيع لاشك فصل الغناء والنماء ، ومعنى الأماني العذاب والأحلام والاستاذ طاهرزمخشري أصاب شاكلة الصواب بهذا الاسم البديع : " أحلام الربيع " فكان ديوانه مجلسا سامرا عامرا من مجالس الروض الاريض والورد النضيد والشذي الفواح .
والديوان - في الحق - صفحات غزل عنيف مشبوب الحماسة ، موصول النفس في غير كبح ، جياش العاطفة في غير قدسية مترع بمواقف الهوى المصاف ذلك الذي يفضح المستور ويكشف عن المطمور في غيرتحرج ولا تأثم وهكذا الشعر منذ كان ينث أسرار القلوب ويسمع الدنيا نشيد الهوى الخالد فى حرية وانطلاق لا يعرفان معنى الحدود والقيود .
فهذا الديوان الغزل انما يذكرنا بمذهب قديم من مذاهب العشاق كمذهب عمر بن أبي ربيعة اشاعر الغزل الطليق عقاب الشوادن رصاد الظباء في بادية الحجاز مربع الحسان والغزلان ، ولكنه ايضا يقطع السبيل على الشعراء العذريين أمثال كثير وجميل وغيرهما من شعراء العفة والتوحيد فنحن نرى الشاعر شفيف الشباب فضاح الاهاب حيث يقول .
لا تعطني القدح المصفى مترعا أيها ذا الأغيد
فطفقت أطوي خصره وفمي الى فمه الجميل يعل منه غيرفد
فالمادية فيه طبع غلاب وعنده الحب فم على فم يعل منه وينهل . . وهو إن ذهب أحيانا إلى الهوى العذرى يتستر خلف نقابه ، فضحه الهوى - والهوى فضاح - وظهرت المادية ترفرف عليه بأجنحة من نار لانور فلنسمع اليه يقول :
وفي حرم الهوى العذرى
تلاقى الصدر بالصدر
وطوقها من الخصر
وقبلها على النحر
ولكنه الهوى . . وذو الهوى يعذره ! وهكذا يطوف الشاعر ما شاء له الهوى فى مغاني الجمال ومرابع الصبوة والصبايا حتى يلقي عصاه فى خاتمة المطاف ويسلم سلاح الهوى المنهوك وينشد الفرار من جحيم الغرام :
جنة الحسن كل مافيك حلو
وجميل الا التجنى فمر
أنا من هام فاستباح التشكى
والهوى جاحم فأين المفر
ومتى كان للشعراء فرار ؟ ولكن الفراشات - كما يقولون - حياتها النار . . فهى أبدا تعود وتعود ولا تسلو العود كالشاعر المفئود :
فعديه على الوفاء لكي لا
ينشر الدمع شاكيا فى القصيد
واملئ جوه الكئيب حنانا
فلقد حن للهوى من جديد
وبعد :
فهذه صورة غزلة مجملة من صور الديوان الفتان والشاعر الفنان ، تعرض فى لوحها الفنى المذهب طيوفا مختلفة وألوانا متباينة من الهوى المنغوم ومن الابداعية الشعرية والخيال الطليق من كل قيد وشرط !
وأنا أقول - والحق يقال - إن ديوان " أحلام الربيع " أو ان شئت ربيع الاحلام هو خير ماقرأت لشعراء الشباب الحجازي على العموم - وان كان بين يدى ديوانان آخران لم أقرأهما بعد - فالشاعر شاب مطبوع الشاعرية منغوم الفيثارة قوي الأذن رهيف الذوق يتجلى كل ذلك واضحا فى شعره بلا اعمال وبلا افتعال فينساب انسيباب الجداول الساجية في ظلال المروج الكاسية .
ولكن هذا الحكم لا يمنعنا من التعريج على بعض المآخذ التى وقعت فى ديوانه وهي كلها تنحصر فى التكرار المعيب وفي خطأ اللغة والعروض .
فالشاعر المؤلف في غير قصد يكرر الشطر برمته في غير قصيدة كالذي وقع في قوله ص ٣٣ :
نعمى من الله إذ تمشى لطاعته وفي ركابك اتباع وأنواء وفي قصيدة أخرى ص ٥٣ : والعيد في عودك الميمون طالعه وفي ركابك أتباع وأنواء أو كما وقع في قصيدة " حمامة السلم " ص ٣٧ : يا أمة العرب والاحداث حولكم ماذا وراء التوانى غير خذلان وفي قوله فى اخرى ص ٥٣ يا أمة العرب والاحداث حولكم بعد المآسي تنام اليوم شعراء وهو لاشك تكرار معيب نعجب كيف تسامح فيه الاستاذ الشاعر ؟ . الا ان يكون من تداعى المعانى الواحدة ؛
أما خطأ اللغة فنشير الى البعض الذي يغنى عن الكل يقول في ص ٣٦ :
صداحة الروض هاتى لحن أشجاني
فقد أهجت من التغريد تحنانى
ولا يقال اهاج من الرباعي وانما يقال هاج من الثلاثي المتعدي بنفسه وكذا هيج بالتضعيف كما جاء فى قوله ص ٩٤ !
ونعاه النذير في غلس الليل
وصوت النعى هاج المصابا
ويقول فى ص ٥٨ :
وأنا الصرخة تدوي والصدى
، وابل يهطل نهطال السحاب
والفعل تدوى خطأ الاستعمال إذ لم ينص عليه في معاجم اللغة ، وانما الصواب ما جاء في قوله ص ٥٢ .
فدوى صوتها فى كل صقع
ونظم جمعها عقدا فريدا
وفي ص ٦٥ يقول :
فاذا شئت سلاما فتعد
وتبتل فى دجاك المرعب
فلا يقال ) أرعبه ( وإنمارعبه من الثلاثي المتعدى بنفسه . ويقول في ص ٢٩ :
ضفة ترقص الغصون حواليها
وأخرى هزارها ألحاني
بضم الهاء فى كلمة هزارها وهو خطأ والصواب بالفتح وقد يكسر لاغير أما خطأ العروض فنشير الى بعضه اشارة عابرة ذاكرة فلست بناس ما حبيت ما حملنيه الصديق المرحوم شاعر الوجدان " عبد الحميد الديب " المصري حين قال في معرض حديث : " افهم ! إن العروض عرض الشعر فاحفظ عليه عرضه . . " ومن يومها وانا اتعقب المفرطين فيه حتى صدعت شعراء مجلتى " الرسالة والكتاب " وغيرها ولازلت والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه
وكنا نربأ بشاعرنا الحجازي أن يكون - فى مقام العروض - من المفرطين ولكنه كان . فمن ذلك ما وقع فى قصيدته " شكوى " ص ٤٤
حنانيك ياقلب فحسبى مكائد
وحسبي شباب من مآسيك راكد
قويا يلاقي الهول صلدا كأنه
هو الصخرة الصماء قاس وجامد
والبيت الأول - وهو مطلع القصيدة - مؤسس بألف التأسيس بينما البيت الثاني غفل منه وهو خطأ نعتب عليه الاستاذ أشد العتب ، ! إلا أن يكون من السهو العجاب .
وفي ص ٨٤ جاء قوله في قصيدة : .
أنا من ذاب من أساك التياعا
والتياع الاسى سعير وجمر
وثنايا يا كأنها البدر يطفو
من سناها الوضيء نور وجمر
حيث وقع في خطأ الابطاء المعيب ، فكرر لفظة جمر فى أقل من سبعة أبيات أو عشرة في بعض الاقوال .
وفي ص ٩٠ يقول
فأتاها الشيخ حلال العقد
قائلا : يا أم لا تبقي أحمد
حالها مسكينة تدمى الكبد
بيد أن العون بالله الصمد
والخطأ هنا فى " سناد التوجيه " فى كلمة " الكبد " اذ الواجب التزام حركة الحرف قبل الروى المقيداي الساكن وكلها بالفتح الاهنا فهى بالكسر
هذا ولا نطيل وانما نقول : ان الديوان على ما فيه من تلكم الهنات الهينات ديوان غزل لطيف تظهر فيه قوة الشاعر وميله الى الابداعية العصرية والتجديد كما تتجلى فيه براعة النظم وانتقاء الدر الذي يخطف الابصار والاسماع بشعاعه الغامر الباهر مع حلاوة الجرس ورقة الحسن ، وجزلة اللفظ في غير وحشية وإغراب : الامر الذي يضع الشعر والشاعر في الصف الاول ويضفى على ديوانه الحالم هالة من الاعزاز والفخار والتقدير
فللاستاذ طاهر زمخشرى " على مؤلفه القيم تحية الناقد الامين والمعجب الذي يقدر عمل الفنان الموهوب . والسلام .
مصر : الزيتون

