رجع أبو على الملاخ ، الى مستقره ، بعد ان انقطعت به مسيرة الارض . وأخرج عدته ، وهيأ نفسه ليستقبل الحرفاء من جديد .
عاد بائع الجرائد بالحى ، يباكره كل يوم ، بجريدته المفضلة ، فيتلقاها بشوق شديد ليطلع على حظه فى ذلك اليوم ، ثم يلقى نظرة سريعة على برج العقرب والثور والسرطان .
عاد أبو على الملاخ الى سيرته الاولى : يقرأ حظه بالجريدة ، ويدعو الفتاح الرزاق ويرقع الاحذية والشلائك ويزمم القباقب .
لقد عاد الى الشئ المعتاد .
طلب منه جاره العزيز الحلاق ، ان يعيره الجريدة ، وألح فى ذلك الحاحا كبيرا لكنه امتنع ، خوفا ، من ان تجنى عليها ايدى زبائن الحلاق ، قبل ان يقرأها ابنه عندما يعود من المدرسة .
تساءل عبد العزيز الحلاق : عن السر فى سلوك أبى على . لقد كان كريما . ولكن قد تكون العودة من المسيرة ، غيرت اخلاقه ، فأصبح معنيا بخويصة نفسه .
مد أحد زبائن عبد العزيز رأسه من الحانوت ، وكان فتى من الذين انقطعت بهم سبل الدراسة ، واعاد طلب الجريدة فى هدوء ولطف .
قال أبو على الملاخ : ولماذا كل هذا الحرص على الجريدة ؟ قال الفتى : فيها خطبة هائلة عن الديمقراطية . قال أبو على : ربما كنت تبحث عن حظك فى هذا اليوم ، قبل ان تشغل نفسك بأمر بنات المكاتب .
قال الفتى : ضاق الوقت عن ذلك . أنا اشتغل بالبحث عن المصير ،
من خلال المبادى السامية . لقد قلت لك : فى الجريدة موضوع حساس .
قال أبو على : الناس ، لا يتكلمون ولا يكتبون ، إلا فى المواضيع الحساسة . وكل موضوع هام .
قال الفتى : الموضوع هائل بالفعل ، وولد الساعة ، اردت فقط أن أعرف هل من جديد ، فى خطبة اليوم ؟
قال أبو على : حدثنى عن موضوعك . قال الفتى : الديمقراطية . قال أبو على الملاخ : وما الديمقراطية ؟ عافاك الله . قال الفتى : الديمقراطية : إذا نظرنا اليها باعتبار التسلسل التاريخى ، والوقائع المشهورة ، والتطورات التى مرت بها فى مختلف العصور ، وما حف بها من ملابسات ، ثم اننا إذا توسعنا فى القول ، وتبحرنا فى الحديث وافترضنا فروضها ، ووصلنا الى نتائجها ، وجدنا انك : محكوم فى هيئة حاكم ، ومكبوت فى صورة متحرر ، تحكم نفسك بنفسك ، ولاراد لقضاء الله .
أجهد أبو على نفسه ، ليتمكن من السيطرة على الجمل التى انزلقت من فم الفتى ، واعاد الكرة مرات ، ولما قرب أن يلقى الله بنوره فى قلبه ألقت المرأة (( عيشة )) " بحذاء ابنها سالم على الطاولة ، فأصابت حكة المسامير القصيرة ، فانقلبت على حكة المسامير الطويلة واجتمع المتفرقان . واشمأز أبو على من هذا القطع المفاجئ وتغير حاله .
فى الدار ، طلب الهادى ، ابن أبى على الملاخ الجريدة ، فلم يجدها .
قال أبو على : إن جماعة الحانوت أخذوها ، وجدوا فيها موضوعا طريفا ، شد أذهانهم ، قوى من حركة قلوبهم ، ألهث أنفاسهم . الشاب المتعطل الذى اصبح جليسا للحلاق قال : فى الجريدة خطبة هائلة عن الديمقراطية .
قال الهادى : وهل بلغك من أمرها ، ما يحبب اليك الحياة ، ويوسع لك آفاق المستقبل .
قال أبوعلى : علمت ان الديمقراطية ، بحر بلا ساحل ، وطريق مسدود ، وشئ موجود وغير موجود .
قال الهادى : وهل لك فى مثل يعينك على (( معرفة )) الديمقراطية ؟ قال أبو على : إن كان ذلك ممكنا . قال الهادى : المثل السائر يقول : الديمقراطية فى التعليم مثلا : تمكين كل الاطفال من فرص متساوية للوصول الى مقعد بالقسم ، والجلوس الى المعلم بقطع النظر عن تباين أعراقهم وأحسابهم وجنسهم . الديمقراطية تتيح الفرصة للجميع بالتساوى . الديمقراطية لا تحرم المجتمع من نبوغ أبنائه .
قال أبو على : قد تكون هذه أفضل الديمقراطيات . ولكن ، هل أخذت هذه الديمقراطية فى حسابها (( مسؤولية )) ايصال الاطفال ، كل الاطفال الى النهاية ؟
قال الهادى : الرأى الشائع : ان الديمقراطية باب وكل الناس داخله . فمنهم من يدخله على بساط الريح ، ومنهم من يدخله على برويطة ، ومنهم من يدخله زحفا على البطن .
قال أبو على : أنا أعرف ، عندما كنت خارج المدينة ، اطفالا ينامون مع الشمس ويحيون بحياتها ، يقطعون الاميال ، ليدركوا المدرسة ، فى تحد عنيف ومع نقصان كثير .
ولد عثمان الموظف ، دخل المدرسة فى الخامسة من عمره . ترفعه سيارة الى المدرسة ، يشاهد التلفزة ، يتدرب على صيد الطير ، فى موسم الصيد .
عمار الكشرودى ، اختصم مع مدير المدرسة . المدير يؤكد ، ان عمار نصف بطال فقط . عمار يؤكد ، انه عامل بالصدفة . اخرج عمار الكشرودى ابنه من المدرسة ، لان المدير ، لم يقرأ له حسابا فى الادباش ، ولم يسجله بقائمة المنتفعين بحليب (( الكنتينة )) .
قال الهادى : المثل السائر يقول : الديمقراطية فتحت فى وجوه كل هؤلاء ابواب المدراس .
قال أبو على الملاخ : سأنتظر حتى تكون ديمقراطية ذات أرضية اقتصادية صلبة تمكن الناس جميعا ، من الصعود على الجدار السحرى ، ومن الدخول للمدارس فى شرف وكرامة .

