الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

نقطة استفهام

Share

تتجسم فى القصة حيرة فتاة شديدة الحساسية تأكلها الهواجس ، وتزدحم في رأسها الاسئلة " من أنا ؟ . . من أمي هل أنا لقيطة ؟ " .

بعيدا فككت أغلالي قرب عمتي العجوز ، تعرفت عليه بكل بساطة واستسلام . سألني عن اسمى فقلت ليلى ، وعن أهلي فلم اجب نظر في

عيني الحزينتين طويلا وسألني عن السبب ، واحترت بين الصمت والافضاء . وتغلب ضعفي فقلت له كل شئ وتمنيت ان لا يلقى على أى سؤال لاني اكره نقط الاستفهام . . وارتميت بين ذراعيه ، أدنى صدرى المعذب بينهما ، لم يكن يهمنى صدقه ، لم يكن يهمنى سوى الذوبان . كنت أبحث عن الدفء . وعلى رمال الشاطئ تحت الشمس المحرقة تمددت الى جانبه كم مرة . دفنت ظنوني بين ذراعيه . علمني كيف أحرق الدخان ) فما مانعت ( وأرمى ببقاياه تحت حذائى ، أسحقها ، كأني أحاول سحق عذابي . أخذنى الى الخمارة فما مانعت وقدم لى كأسا قربته من شفتى ، وبدا فى قاعه شبح يحمل طفلة يلقيها عل الرصيف . وأحسست بالاشمئزاز ، وجرعته دفعة واحدة وضحكت معه بجنون . وكفراشة تبحث عن الدفء ، ارتميت بلهفة ، بشوق فى النار ، وعشقت هذا الهروب وهذا الذوبان فى اللذة ، وغرقت في الخطيئة ، أحسست لذة جنونها ، شرها ، ضياعها . فعلت كل شئ لانه كان لا بد لى من الهروب ، من النسيان ، كنت فى حاجة الى أن اؤمن ، فلم أعثر سوى على الايمان بوجوب التحسر ، حتى يدفن الشك والتمزق . ويمضى اليوم في شعلة الجنون ولذته ، ولكن الليل يعود بى الى الفراش وحيدة ، يشطب لذة النهار ، ويطاردني السؤال : " هل هي أمي ، هل أنا لقيطة ؟ " . . وتمردت على شيطانى الهامس بالسؤال ، وتعلمت السهر لأعود وفي رأسي دوامة ، فيحتضننى النوم بشفقة ، برثاء . وكتبت فى مذكرتى : وجدت الحياة ولن أعود " .

وكدت أنسى لولا كلمات برقية ، ارتعشت لها يداي ، خفتها ولكن فتحتها بسرعة . " عودى يا بنيتي الى أمك المريضة ، أريد أن أراك " . ورددت هاته الكلمات على مسمعي ، تذكرت الظنون ، تذكرت اليد التى تصفعنى . تذكرت " وجدناك في الطريق " . . وعدت أتمزق بين الشك واليقين . . ولكن في " بنيتي " ، " أمك " دفء . . دفء . . تذوب أمامه الكلمات المسمومة .

دفء ينسى البرد والوحدة . . ولكن ، لو أعود ، قد تعود الشتائم ، تعود الضربات الموجعة ، تعود الظنون تحيا وتتغذى من دمائى . . ولكنها مريضة ، قد تكون مريضة جدا ، وأشفقت عليها ، على نفسي ٠٠ وواجهت الواقع إذ فكرت لأول مرة منذ أيام طويلة واعترفت لنفسى بما كنت أتجاهل . فرغم الهروب ورغم إغراقي في اللذة ، بكيت . أحسست أني حقيرة ، تافهة ، أني تحررت من قيود الشك لتقيدني سلاسل الخطيئة ، هربت من وحدتى الى وحدة أكبر ، الى الضياع . . . وأدمعت عيناى وأنا أعيد قراءة البرقية على عمتي العجوز . . كانت السماء كئيبة تكاد تبكى ، ولم أهتم كثيرا . مشيت

نحو المحطة . الاطفال فى الطريق يلعبون ، يضحكون ، وفي العين براءة ، حياة وحب . وتذكرت سؤاله : " مالك حزينة العينين ؟ " .

وتزاحمت في مخيلتى صور متداخلة من الماضي ، من الحاضر ، من المستقبل ، وأحسست بالصداع . وددت لو أبكى لو أرتمى بين أحضانها ، لو أقول لها : " لا تتركينى ، انى لا أزال طفلة " . ولكن الحافلة لا تزال تسير ، وحلقات الدخان ما زالت تتعانق لتضع غلالة من الضباب فوق رؤوس الركاب . . المطر يبلل الطريق . عبر بلور النافذة نظرت الى دموع السماء على الطريق ، والحافلة تطويه ، وأحسست بالدوار ، ولكنى تمنيت لو تقف الحافلة لأنزل إلى الطريق وأرفع رأسى الى السماء ، الى قطرات الماء تغسل وجهى ، تمسح تعبي ، مع آخر دمعة أودع بها وهمى الكبير . أغسل بها قلبي من ظنونه . من خطاياه

اشترك في نشرتنا البريدية