الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

نماذج، من علمائنا وعالماتنا الماضين (*)

Share

ايها المستمعون الكرام يعتقد كثير من المثقفين عندنا ، ويشاركهم فى هذا الاعتقاد مثقفو العالم العربى ان هذه البلاد قد ظلت مباءة لجهل دامس شامل منذ فارقها عصرها الذهبى الأول ، فلم يوجد فى أجيالها المتلاحقة جماعات من العلماء ومن الأدباء والمؤرخين يستحقون أن يشاد بهم ، ولا أن يقارنوا بزملائهم في الأقطار العربية المجاورة ، ومن الحق أن نقرر أن الواقع يقرر خلاف هذه الظنون التى لا تستند الا الى عدم الاحاطة بتاريخ تلك الأجبال ، وانى لأعتقد أن لهذه الآراء الفطيرة المبتسرة بواعث عديدة ، وبعض هذه البواعث ناشئ عن موقفنا من ماضينا فقد كان نصيبه منا الاهمال الشامل ، والاعراض التام حتى لكأنه اتفه واحقر من أن ينال التفاتا منا . وقد كان اغلب الموضوعات التى طرقناها ، والتى لا نزال نعنى بها هي الموضوعات السطحية والسهلة التناول كالخياليات والاجتماعيات الراهنة ، وليتنا نتناولها بدقة عميقة شاملة . . ولم يتفتح وعينا بعد ، لاستيعاب دراسة تاريخ ما أهمله التاريخ الا وهو تاريخنا طيلة القرون الوسطى ، ذلك التاريخ الذي ظل مطمورا بين دفات القماطر المخطوطة مهملة فى زوايا دور الكتب أو بعبارة أصح - فى زوايا بقايا دور الكتب ومن رأى أنه لا يوجد تاريخ أمة حافل بالأحداث والعلماء والأدباء والمؤرخين المثالين ، مدون فى شتى أحواله ، ومع ذلك فهو مجهول غاية الجهلي مبعثر غاية البعثرة ، صعب جمعه وترتيبه وغربلته وتنظيمه أقول لا يوجد تاريخ هذا وصفه مثل تاريخ هذه البلاد فقد عدت عليه العوادى ، مثلها ، وطرقته الطوارق ، شأنها

ومزقته أنياب الحدثان حتى كاد يصبح خبرا بعد عين ، وقد نقلت نفائس كتبه وتراثه من قديم الزمان الى ارجاء العالم فى عصور الانقلاب المتوالية وفي أيام المواسم المتتابعة

ولنهضة مستقبلنا يجب علينا أن نتعرف الوان هذا الماضى فى شتى صوره وأفنانه . فى صفائه وكدره وفي اطواره وتقلباته ، وأن نستوحى الاصلاح من آفاقه الصالحة ، وأن نسعى الى اجتثاث عروق الانحطاط الكمينة فى نفوسنا المسيطرة على مشاعرنا  كبقايا جراثيم جموده وخموله مما نشأ من شتى أوضاعه فاثر فى انفسنا وصب روحه فى أرواحنا

ولا ريب فى أن دراسة كهذه ليست بالسهل الميسور لكل فرد ، ولابد من تضافر الجهود ووفرة الباحثين والمستكشفين وتنوع بحوثهم وكشوفهم . فى ميادين ذلك التراث الدفين المترامى الاطراف وفي مناجمه البعيدة الاغوار المطموسة الدروب . . ووجود فئة من الباحثين المضحين براحتهم في سبيل هذا اللون من البحث المستعصى يقتضى التشجيع النبيل السخي لهم ، مأديا وأدبيا أسوة بمن نبثوا اسفار ماضيهم وفتحوا صفحاتها المغلقة بالعرق والكد والجهد المعزز بالمال الوفير ، والجود والتقدير من شعوب العالم المتحضر وحكوماته اليوم ايها السادة : ان بلادنا ليست عقما من العلماء والأدباء وأرباب البحث والفكر في القرون الخالية كما يخال الساذجون وسطحيو التفكير ، لقد انجبت فى قرون الظلام - من القرن السادس الهجرى حتى ختام الثالث عشر - رجالا علماء وأدباء كابوا اقباس نور فى دياجير الجهل الطامية ، ولكنهم مع الاسف الشديد كانت تطوح بذكراهم وبآثارهم عواصف الحوادث المتتابعة على هذه الربوع ، ومن الواجب أن نشيد بجهود أو لئك الابطال المثاليين المغمورين منهم الذين سهروا الليالي الطوال وحرموا نفوسهم لذة الرقاد وافترشوا الحصر وناموا على القتاد وضحوا بجهودهم فى سبيل تسجيل تراث معاصريهم ومن تقدموهم كالفاسى ، والمرداد ، وأخيرا كالغازى وبذلك حفظوا لنا وشلا من منابع حياة العلم والأدب في تلك الأجيال الدوارس الغوابر . ولسوء الحظ أى لسوء حظ هذا الجيل بصفة خاصة - قد بقيت تلك الأسفار رهن مخطوطات

مهجورة بين جدران بقايا دور الكتب المهجورة التى أكل الزمان عليها وشرب فهي حتى الآن لم تر نور المطبعة والنشر بعد. ومن عجب ان تتكرر مأساة دور الكتب عندنا فى أجيال متوالية فقد جرت عادة الزمان حيال هذه الدور أن تفتتح بامتلائها بنفائس الكتب وذخائر العقول ثم تتناولها براثن الاهمال بالتدرج ويؤول أمرها آخر الأمر الى الاضمحلال التام حيث تبدد فى أيدى فئات من الناس ثم تتفرق شذر مذر فلا يبقى لنا عنها سوى الذكريات المؤلمات فيما نقرؤه فى تواريخ القوم من أن فلانا أو فلانة العالم أو العالمة ، والأديب أو الأدبية ، والأمير أو الأميرة ، والسلطان أو السلطانة قد أنشأ خزانة كتب عامرة ووقفها فى المكان الفلانى . ونبحث فلا نجد للخزانة من أثر ولا لمقرها من وجود لقد تبددت الخزانة بما حوت وتغيرت معالم الدار فلا أثر لها الآن مطلقا

أيها السادة : ان ما انتجته هذه البلاد من ثمار العلم والأدب يفوق ما تتخيلون انه لا يقتصر على الرجال وحدهم لقد كانت نساؤنا الفضليات أيضا يشاركن رجالها فى دفع مركبة العلم والأدب الى الأمام . لقد نهضت أولئك العالمات المحافظات على التقاليد الدينية المجيدة ، بالعلم والأدب قبل أن تعرف النهضة النسائية فى أوربا وشاركن الرجال فى علوم الفقه والأدب والحديث والنحو والصرف والتاريخ قبل أن ترفع النساء رؤوسهن فى الغرب . وقد أنشأن خزائن الكتب ودور الكتب وسبلئها لله تعالى . يدخلها المطالعون والمستفيدون والباحثون وتجاوزن الى بث نور العلم والاصلاح بين زميلاتهن اللواتبي لم يحظين بما حظين به من معرفة ونور وعلم وإدراك . وقد اثر اصلاحهن ونجح تعليمهن فكن بمثابة المرشدات الفاضلات ذوات الأخلاق الحميدة والآراء السديدة الرشيدة وكان لبعضهن شهرة عالية فى العلم مع الصلاح ومع الاستقامة . وهذا الحديث الذي أقدمه إليكم الليلة هو عبارة عن استعراض مبسط موجز سلير طائفة من علمائنا بمكة المشرفة وعالماتنابها . وأملى أن يساعدني الله حتى أتابع هذه الدراسات فاقدم لكم نماذج عاطرة من سير علمائنا وعالماتنا فى المدينة المنورة ثم في غيرها من مدن المملكة .

ولقد انتجت خمسة من العلماء وخمسا من العالمات وأول هؤلاء العلماء محمد بن على بن فضل الطبرى وقد ولد بمكة المشرفة سنة مائة والف وتوفى بها سنة ثلاث وسبعين ومائة والف . وبهذا كان من المعمرين وكان الشيخ محمد الطبرى عالما ومتادبا قرأ العلوم على والده وحفظ القرآن المجيد عن ظهر قلب وحفظ كثيرا من المتون وطلب العلم على جماعة من علماء مكة كعبد القادر الصديقى

والسيد اسلم ، وعبدالله بن سالم ، وادريس الشماع واجازه اساتيذه وعرفت مكانته فى العلم . ودرس فى المسجد الحرام وانتفع به اناس كثيرون وعنى بتاريخ بلاده فالف فى تاريخها كتابه ) اتحاف فضلاء الزمن ( كما الف كتابي ) الحجة الناهضة ( و ) عقود الجمان فى سلطنة آل عثمان ( وللشيخ محمد الطبرى مشاركة وميل الى قرض الشعر وهو شعر عالم . فلا ينتظر منه الاشراق والسموق والازدهار وانما هى نفثات الروح الحسابية إلى آفاف البيان تحاول التحليق فيها بما اوتيت من مواهب وادوات . وقد لا تبلغ شامخ الآفاق ، كما هو شأن أمثاله فى القديم والحديث .

والشيخ الثاني هو محمد بن سلامة الضرير الاسكندري ثم المكى . وقد اتخذ مكة دار مقام له فى شبابه وتوفى بها سنة تسع واربعين ومائة والف . وقد درس فى أروقة المسجد الحرام وكان نجما ساطعا يرحل الى علمه الطلاب فى شتى الآفاق . وناهيكم بانه فسر القرآن المجيد فى عشرين مجلدا . وليس تفسير القرآن العظيم فى هذا القدر من المجلدات بالامر الغريب على علماء امة محمد عليه السلام وإنما يأتى وجه الغرابة من ان هذا التفسير كله نظم

وثالث العلماء المترجمين هو من آل الطبرى ايضا . انه عبد القادر بن محمد الطبرى المكي ولد بمكة سنة ست وسبعين وتسعمائة فى بيت علم ودين وتوفى سنة ثلاث وثلاثين بعد الالف . حفظ القرآن المجيد وهو ابن اثنى عشر عاما وحفظ عدة متون وتتلمذ على عدة اساتيذ علماء بمكة واقروا له بالنبوغ وتصدر للتدريس والافتاء فى المسجد الحرام وشارك فى التأليف وكان احد المشهورين فى النظم وفى انشاء الرسائل والخطب وقد حداه نبوغه الى ان يتزيد على منشئ علم العروض الخليل بن احمد فى هذا الفن فرد دوائر العروض الخمس

الى أربع ، ببرهان قائم على ذلك وقد سمى تأليفه الذى قدم فيه علم العروض خطوة جديدة ) فتح الجليل بعلم الخليل ( وقد شرح مقصورة ابن دريد وألف كتابا فى أوقاف أهل الحرم سماه (حفظ الحرم فى اوقاف أهل الحرم) وكتب كتابا باسم (رفع الاشتباك) وكتابا باسم (عيون المسائل من أعيان الرسائل ( فى اربعين علما . وكتب ) فوائد سلوك الورى بعوائد ملوك أم القرى ( وصنف ) الاقليد فى التقليد ( وكتاب ) انباء البرية بالانباء الطبرية ( وهو كتاب نفيس يتضمن تاريخ أسرة الطبرى العريقة فى العلم بمكة منذ القرن السادس الهجرى حتى الحادى عشر . وله ديوان شعر رائق وديوان خطب الجمعة والاعياد وديوان خطب العقود . وهكذا الف المترجم فى كل فن مفيد تقريبا

ورابع العلماء محمد بن عقيلة المكى من رجال القرن الثالث عشر . ولد بمكة وتوفى بها عام تسعة واربعين ومائة الف وقد كان من مشهورى علماء وقته

وكان محدثا فقيها تقيا ورعا وزاهدا . وقد اخذ مختلف العلوم عن اكابر علماء البلد الحرام ، كحسن العجيمي ومحمد ابي المواهب الحنبلي وظهر تفوقه فى العلوم وشارك فى التأليف وقد سد فراغا هائلا بتاريخه الذي هو عبارة عن موسوعة مستوعبة لتاريخ العالم منذ بدء الخليفة حتى زمانه وقد سماه ) نفحة الموجود في الاخبار عن حال الوجود ( وقد فرغ من تأليفه سنة ثلاث وعشرين ومائة والف ، وكان المترجم رحالة جوابة آفاق وكان موضع الاعزاز والتقدير فى كل قطر نزله . سافر الى الشام فسبقته شهرته فجاء الوافدون يحيون شيخ العلم فى البلد المقدس ويطلبونه عليه ، ونزل أرض الترك فقابلوه بالإجلال ، وتجول فى العراق فنال عظيم التبجيل ، ثم عاد مكرما الى بلده مكة ، فكتب سفرا جميلا عن رحلته ، وقد ألف ردا على المعتزلة ؛ وألف في علم الحديث . وكانت له دار فيحاء مشيدة فى أول محلة المعابدة بمكة المشرفة وقد عرفت هذه الدار بالعقيلية نسبة لصاحها محمد بن عقيلة المترجم له وكانت بها زاوية له دفن بها وهذه الدار هى المعروف موقعها وبنيانها حتى جيلنا بالعقيلية عن يمين الذاهب الى منى وقد نقضت فى اواخر العام الماضي واقيمت مكانها عمارة ودكاكين جديدة .

اشترك في نشرتنا البريدية