الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

نماذج بشرية :، المواكب الصفراء

Share

جموع قادمة خلفها جموع ومواكب مقبلة تتلوها مواكب داخلة تدفعها مناكب وسلامات وتحيات واستفسارات عن الصحة والمزاج وصحة الابناء والعائلة والاقارب والاصدقاء والخدم احيانا ، وتأمين واستحسان لكل ما يقال حتى ولو كان ( عورة) . ووجوه تتغير ملامحها وتتقلب الوانها بحسب اشارات أو انفعالات المتكلم

أتدرون لمن هذا كله ؟ انه لمن كان عنده وفرة من المال ويملك القدرة على الصرف من هذا المال ، ولمن واتاه الجاه أو امتلك السلطان ، وفي امكان هذه الجموع وبمهارة فائقة وقدرة باهرة ، ان تتكيف وأن تتلون

وان تبكى بحرقة بدون داع وتحزن بحرارة من غير سبب وتضحك الى حد الجنون بلا موجب الى ما ترى انه يفرح أو يرضى أو يناسب من تجمعت حوله أو داخل فنائه لتنال منه ما تريد او بعض ما تريد بالفعل او بالامل أو حتى بالوهم ، مادام يمتلك مقومات المال والجاه والسلطان . . وعند ما تزول هذه الصفات عن المقصود فسرعان ما تندفع هذه الجموع والمواكب والمناكب مدبرة لا تلوي

على شئ وهي تحاذر ان تقع أعينها على " مقصود الامس و " مستدبر اليوم " وهي تتلفت يمينا وشمالا لئلا تقع عينه على وجوهها المتلونة ولئلا يرى جموعها المنفضة ومواكبها المتراجعة الى الوراء ومناكبها المتدافعة الى الخلف وأعينها الغائرة المتخابثة تلمع كأعين الثعالب فى سواد الليل . .

انها صور معروفة ومشاهد قرآناها في التاريخ وفهمناها فى الامثال ، وادركناها بالحوادث ، وشاهدناها بالأفعال ، ليست فى بلدنا هذا وحده ، ولا ينفرد بها عصرنا الحاضر ، ولا هي تخص جيلا معينا ولا فئات من الناس محددة ، ولكنها مثالب البشر وطبائع الخلق في كل زمان ومكان ، نقائص مذمومة وخصال مرذولة ، ومصائب ممقوتة تحاربها الاديان ، وتنبذها الشيم ، ويأباها الشمم ، وخاصة ديننا الاسلامي الحنيف فانه قد ندد بها وحاربها ووعد مرتكبيها بالنار والعار ، ولكن البشر المملوء بالأثام لم يتحلل منها ولم يشف من آفاتها أو يتطهر من ادناسها .

وتجرنا المناسبة الى اعادة ذكر قصة قديمة لكبير فى احدى المدن وكانت قد توفيت جاريته المحظية ، فلم يبق من سكان

المدينة احد الا وشيع معه جنازتها ، وواساه بمصابه فيها . وبعد سنوات مات ذلك الكبير فلم يمش فى جنازته احد من اهل المدينة . .

وقصة اخرى مماثلة سمعتها من الوجيه الظريف الشيخ ابراهيم زهران ، ولا اعرف ما إذا كانت من نسج خياله ( لأنه صاحب خيال خصب فى مثل هذه الامور ) او انها قد وقعت فعلا ، ولكنها تعطينا مثلا حكيما على هذا الواقع الخلقي الاليم وتتلخص القصة فى أن ثريا حرم من نعمة الاولاد وكان يربى كلبا محببا الى قلبه ، وفي يوم من الايام مات الكلب فحزن عليه صاحبه حزنا شديدا ، وعند ما علمت الجموع التى وصفناها فى صدر الكلمة تجمعت عنده وتألمت لمصابه وكانت تتقرب الى قلبه بالاقتراحات المتعددة حتى توصلت الى احبها اليه ، وهو ان يكفن الكلب الحبيب وتشيع جنازته ويدفن فى مقابر البشر كما يدفن ابن آدم وعندما مات ذلك الثرى لم يجد من يشيعه

ويحزن عليه كما حصل لكلبه الحبيب . .

هذا شأن المرضى من البشر ذوى المواكب الصفراء . وتلك بعض سجاياها وخصالها ، فليحذرها ذوو المال والجاه والسلطان لانها خطيرة مدمرة لحياة الامم والشعوب ، فهم مستعدون ولهم قدرة ماهرة ماكرة في حرمان اصحاب الحق المعلوم فى أموال الأثرياء ، وفي الحيلولة بين ذوى الجاه ، واصحاب المصالح المشروعة ، وهم قادرون اكثر وأخطر على خراب البيوت العامرة وهدم الكرامات العالية ، وملء السجون بالأبرياء اذا تمكنوا من الدخول الى شواطئ ذوى السلطان ولوثوها بدسائسهم وحيلهم ومكرهم وانانيتهم والتاريخ قديمة وحديثه فيه الشواهد والعبر على ما فعله ويفعله هذا النوع المريض من الناس ، وفيه العظات والمفاخر والامجاد لمن ابعدوا هؤلاء المرضى من ساحاتهم ونبذوهم عن شواطئهم ولم يجعلوا لهم مدخلا أو سلطانا فيما تحت أيديهم مما جعله الله حقا وأمانة لعباده فى أعناقهم

اشترك في نشرتنا البريدية