الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

نماذج من رسائل العرب الموجزة

Share

الايجاز في الكلام وفي الكتابة من الامور المحببة وهو عكس الاطناب الذي هو التطويل والإطالة بزخرفة الكلام وتزويقه واخراج المعنى الواحد بعدة صور . . فانت تقرا الصفحة والصفحات ولا تكاد تخرج من ذلك الا بفكرة واحدة كان بامكان صاحبها ان يقوله بكلام اقل اطنابا .

والإيجاز لا يقدر عليه الا الاديب المبدع المتمكن اذ يلجا الى كلمات قليلة تعوض عن ذكر الكثير . .

قد يصف احدهم رجلا قاصدا مدحه بالكرم فياتي بالقصص ويطيل الكلام في مدحه . . ولكنه لا يخرج بالنتيجة التى يخرج بها الموجز ) بكسر الجيم ( عندما يقول مثلا : " فلان بحر " انه اختصر كل ما قيل في الكرم بهذه الكلمة وفهم من ذلك السامع ان هذا الممدوح قد بلغ شاوا بعيدا في الجود .

والإيجاز جميل فى الكلام وهو اجمل منه فى الكتابة وخاصة إذا كانت بين حكام

اوقادة . . وقد عثرت على رسائل كثيرة موجزة منبثة فى كتب الادب القديمة وقد راقتني منها رسالة من الحجاج الى الوليد بن عبد الملك يبين الحجاج فيها سياسته وهي مثال للايجاز والبلاغة العربية التى تميز بها الحجاج . . قال :

"انى أيقظت رأيي وانمت هو اى فأنبت السيد المطاع فى فومه ووليت الحرب الحازم فى أمره وقلدت الخراج الموفر فى امانته وقسمت لكل خصم من نفسى قسما اعطيه حظا من لطيف عنايتى ونظرى ، وصرفت السيف الى النطف المسئ ، والثواب الى المحسن البرئ ، فخاف المريب صولة العقاب وتمسك المحسن بحظه من الثواب . "

لقد بين الحجاج فعلا سياسته وخطوطها فى هذه الرسالة الموجزة . . بين سياسته فى الحرب وفي الاجتماع وفي القضاء . . وفى الاقتصاد والعطاء . . وفي معاملة الناس جميعا ولو فصل لاحتاج إلى كتب عديدة ولكنه آثر الايجاز فوفق فى بيان المراد

ومن رسائل الحجاج الموجزة ايضا رسالة بعث بها إلى قتيبة بن مسلم واليه بخراسان قال فيها : -

أما بعد فان وكيع بن حسان كان بالبصرة منه ما كان تم صار لصا بسجستان ثم صار الى خراسان فان اتاك كتابي هذا فاصدم بناءه واحلل لواءه .

لم يفصل ولم يطنب بل لم يقل ما كان من امر وكيع هذا لعلمه بان من يخاطبه يعلم

ذلك فلم الاعادة وخير الكلام ما قل ودل ؟ ! انما اقره امرا حازما لا سبيل الى مخالفته وذلك كله بأربع كلمات . . ولكن يا لها من كلمات . . انه طلب منه ان يهدم بيته وان يحل لواءه اى يعزله . . لم يتكلف التهديد الطويل ولا الوعيد الشديد ولم يلجأ إلى التفصيل وتبرير سبب غضبه .

وبلغ الحجاج ان قوما من الاعراب يفسدون الطريق فكتب اليهم :

أما بعد فانكم استخففتم الفتنة فلا عن حق تقاتلون ولا عن منكر تنهون واني اهم ان ترد عليكم منى خيل تنسف الطارف والتالد وتدع النساء ايام والابناء يتامى والديار خرابا . .

أى تهديد ووعيد ابلغ من هذا واشد وأقوى وأعظم ولكن كيف كتب ؟ كتب بعبارات موجزة تحملت من المعاني الشئ الكثير . . انه يبين لهم اولا ان حربهم هذه انما هي حرب لا هدف لها . . فليس لديهم حق يريدون اعلاء رايته وليس هنالك منكر يرمون الى ازالته وبعد ذلك يبين لهم انه سيحاربهم وهو لا يسلك فى ذلك طريقا وعرة فى التهديد ولا يأتي بالقصص والاشعار والعبارات الطويلة التى تبين عزمه ، وانما يأتي بكلمات موجزة ولكنها تحمل بين طياتها ما يخشى منه . ان جيشه سيصلهم وسيقلب كل شئ راسا على عقب : الطارف سيصبح تالدا والنساء الحرائر سيصبحن ايامى والاطفال معداء بابهم سيغدون يتامى والديار العامرة ستصبح خربة .

لقد طرق بهذه الكلمات القليلة موضوعات كثيرة . . اولا : بين لهم ان حربهم لا فائدة منها لانها لا هدف لها ووضح لهم ثانيا ان جيشه سيقدم لمحاربتهم . وبين اخيرا نتائج هذه الحرب . . وكل ذلك بعبارات مؤثرة جميلة لها صدى قوى وتاثير اقوى

ومن الرسائل اللطيفة رسالة وجهها ابو الدرداء الى معاوية حين أراد استخلاف يزيد . . قال :

أما بعد فانه من يلتمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله الى الناس . .

انه بهذه الرسالة القصيرة التى تشبه لغة البرقيات في يومنا هذا قد بين لمعاوية الطريق السوى . . لم يقترح امرا ولم يطلب منه طلبا . . لم يقل استخلف يزيد او لا تستخلفه ولم يبين له مساوىء يزيد او محاسنه ان وجدت ولم يثر بوجهه لانه اراد جعل الخلافة وراثية وابتدع ذلك ابتداعا . انما بين له قاعدة عامة وهي ان من اراد رضا الله وان سخط عليه الناس فانه فوى بقوة الله والله تعالى يعز من يطيعه ويبتغي رضاء ، وهو قادر على ان ينصر عبده على الناس جميعا . . أما من اراد الدنيا والناس فان الله لن يكون معه ولن ينفعه الناس لانهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا من دونه تعالى . .

الطريف فى هذه الرسالة انها لا تثير

ضغينة معاوية ولا تستشيط غضبه وليس فيها تملق له او مداراة فهو يقول له : ان كنت انما اردت استخلاف يزيد لانك وجدت فيه مثالا للخليفة العادل التقى الذي هو اهل لقيادة الامة الاسلامية ورفع راية الدين .

ان كنت قد استخلفته لانك تريد ان تعز به دين الله وترفع رايته وتوطد امن المسلمين فافعل وان غضب الناس جميعا لانك انما اردت رضا الله ولم تشتر حب الناس . والله سبحانه وتعالى حتما سينصرك لانك اردت نصر دينه .

ومما يشبه ذلك رسالة عائشة رضى الله عنها الى معاوية حين اراد استخلاف يزيد اذ كتبت تقول :

" أما بعد فانه من يعمل بمساخط الله يصر حامده من الناس ذاما له . "

وهي تؤكد نفس الفكرة التى اكدها أبو الدرداء وهي أن على الانسان ان يبحث دوما عن رضا الله لان الله سبحانه وتعالى اذا احب عبدا ورضى عنه جعل الناس جميعا يحبونه ويرضون عنه

وكتب عمر بن عبد العزيز الى الجراح يبين له اصول الحرب ، اتباعا لسنة الرسول الكريم محمد ) ص ( قائلا :

انه بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا بعث جيشا أو سرية قال : اغزوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا فاذا بعثت جيشا او سرية فمرهم بذلك .

لقد بين له منهج الرسول ) ص ( بالحرب وكيفية وجوب اتباع مثل هذا المنهج ولو أراد انسان ان يفصل ذلك لاحتاج إلى مجدات ضخمة . . لقد بين خطة الرسول ) ص ( فى الحرب والناس الذين تجب محاربتهم وان الغزو يجب ان يكون فى سبيل الله . . وانه اذا ما تم هذا الغزو فان هنالك أمورا هامة يجب عدم تجاوز حدودها . . وهي الغدر والتمثيل بجثث الاعداء ومقاتلة النساء العزل والاطفال الصغار . .

يا له من منهج قيم ويا لها من سياسة سمحة

وكتب الوليد بن عبد الملك الى مرازبة فارس مع ابن فضيلة النسائى يقول : الحمد للة الذي نفض حزمتكم وفرق جمعكم وأوهن بأسكم وسلم ملككم وأذل عزكم فاذا اتاكم كتابي هذا فابعثوا الى بالرهن واعتقدوا منا الذمة واجيبوا الى الجزية الا والله الذي لا اله الا هو لاسيرن اليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ويرغبون فى الآخرة كما ترغبون فى الدنيا

تأمل يا اخي القارىء هذا الوصف الرائع الموجز لحالة هؤلاء القوم . . لقد تفرقوا بعد جمع وضعفوا بعد قوة وذلوا بعد عز وهذا الوهن الذي اصابهم جعل من السهولة بمكان التغلب عليهم فهددهم هذا القائد بان يدفعوا

الجزية والا فان جيوشه ستصلهم . . ولكن من جنود هذه الجيوش يا ترى ؟

انهم قوم فدانيون ان صح هذا التعبير يقبلون على الموت بوجوه مشرقة بل انهم يتمنون الموت في ساحات الشرف . . ان حبهم للآخرة هو كحب هؤلاء الجبناء للدنيا .

لقد استطاع الوليد بهذه الرسالة التهديدية ان يرسم لنا صورة هؤلاء القوم وصورة جيوشه رسما واضحا خلابا .

وأود ان اختم هذه المقالة برسالة وجهها الحجاج الى المهلب بن ابي صفرة ، لم أر أوجز ولا أبلغ في الغاية منها . . يقول الحجاج :

البلية ان يكون الرأى بيد من يملكه دون من يبصره (

والمهلب هو قائد الجيش الاموي فى حرب الازراقة ومن الواضح ان الامور كلها بيد القائد فيبدو ان الحجاج ليس راضيا أو ليس مقتنعا ببصيرة هذا القائد فعبر عن وجهة نظره بهذه العبارة الموجزة التى هى أشبه بالرمز

اشترك في نشرتنا البريدية