الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

نموذج من النقد الأدبي عند العرب

Share

النقد أمره غريب فى كتب الادب العربى القديمة فكثيرا ما نجد فيها تفضيلا لشاعر على آخر لاسباب لا يرضاها العقل وكثيرا ما نعثر على احكام تفتقر الى الدليل والدعم من ذلك ان فلانا اشعر العرب (1) لانه قال بيتا من الشعر واذا ما تبين الباحث هذه الاحكام عن كثب وهى غزيرة فانه لا يخرج بنتيجة ايجابية فى النقد اذ سرعان ما نلاحظ أن كل الناس أشعر كل الناس ... على أن فى كتب الادب القديم بعض الاحكام جديرة بالوقوف عليها اذ انها تبدو لاول وهلة فى اتجاه سليم من ذلك ما جاء فى كتاب الاغانى عن كثير عزة « لكثير حظ وافر من النسيب وجميل مقدم عليه وعلى اصحاب النسيب وكان جميل صادق الصبابة والعشق ولم يكن بعاشق ولكنه كان يتقول » .

فهذا رأى يبدو بعيدا عن السطحية وفيه يأخذ صاحب الاغانى موقفا من غزل كثير فجعله دون غزل جميل بل يجعل كل نسيب دون غزل جميل .

فهذا الرأى اذن جدير بالتفحص وبالمناقشة ، ولعله يحسن الابتداء بتحليل بعض ما جاء فيه حتى يتسنى مناقشته .

ان اول ما نلاحظ فى هذا الرأى انه يقدم غزل جميل بثينة على نسيب كثير عزة لا لشىء الا لان ما عند كثير يعد من النسب فى حين ما عند حميل يعد من الغزل الصادق ... والنسيب كما نعلم نوع من الشعر فى المرأة كثيرا ما يكون

غير صادق وانما يصدر به الشاعر قصيدته حتى يجلب انتباه السامع لما جبلت عليه النفوس من حب الحديث عن المرأة وعن الشوف اليها بينما الغزل الصادق يكون عادة مستقلا ويكون عادة عن امرأة يعلق بها قلب الشاعر حقا ..

والذى جعل صاحب الاغانى يقول : إن جميلا مقدم على «كثير» عدم صدق كثير فى نسيبه وانه يتقول والذى يدل على هذا انه يضيف : « متقدم عليه ، وعلى أصحاب النسيب » فقوله وعلى « أصحاب النسيب » يدل أوضح دلالة على الاساس الذى اعتمده صاحب الاغانى فى تفضيله لجميل وهذا الاساس هو الصدق ...

ثم ان الناقد لا يكتفى بذلك فيضيف : بان جميلا كان صادف الصبابة والعشق ولم يكن كثير بعاشق ولكنه كان يتقول وكان يمكن ان نؤول هذه العبارة الاخيرة على انها نوع من الخبر ليس الا وانها تخلو من الحكم على كثير ولكن ورودها اثر ما تقدم - وقد بينا فحواه - لا يدع مجالا للشك فى انها تدعم الفكرة الاولى وتجعل أساس تخلف كثير عن جميل فى الغزل هو تقوله أى عدم صدقه فيما يقول من الغزل ... فهل نقبل هذا الحكم وهل نقبل ان يكون أساس الفضل فى الاثر الادبى صدقه أو عدم صدقه ؟ هذا سؤال يفرض نفسه الآن ونحن نناقش رأى صاحب الاغانى فى غزل كثير .

والحقيقة ان الاخبار تجمع على أن كثير كان يتقول بل ان من يتفحص شعره يلاحظ ذلك بوضوح خاصة إذا علمنا انه لم يكن عاشقا حقا وانه كان شاعرا قبل كل شىء طرق جميع اغراض الشعر فمدح وهجا وافتخر وتغزل، والعجيب ان يطلق صاحب الاغانى على شعر كثير فى الغزل لفظة نسيب فى حين ان له قصائد مستقلة فى الغزل تشبه تماما قصائد جميل بثينة ولكن هل يحط عدم الصدق فى الغزل من قيمته ؟

فأما القدماء فقد اختلفوا هم أيضا فى هذا الامر ، فالشعر عامة عند البعض لا يكون له قيمة حقا الا اذا كان صاحبه صادقا فيه وقد ورد فى كتاب العمدة لابن رشيق الاستشهاد التالى للدلالة على هذا فى فصل « الشعراء والشعر » :

وإن أشعر بيت أنت قائله       بيت يقال - إذا أنشدته - : صدقا (2)

والذى نذهب اليه نحن ان لا نعتبر الصدق معيارا فى نقد الشعر أو بعبارة أخرى فى استحسانه أو استقباحه وانما ينظر فى الشعر من حيث سبكه وقوة معانيه ، فالجيد من الشعر ما كان حسن الوقع يحدث فى السامع « حالا شعرية » معينة فيطرب له السامع وينفعل به ... ولو كان الصدق معيارا للجيد من الشعر أو عدمه لكان أكثر الناس شعراء فكم من الناس شعروا فى أول شبابهم بعاطفة جارفة من الحب وحدثوا بها أصدقاء لهم هم مواضع سرهم وهم رغم ذلك ليسوا من الشعراء فى شىء ولا مت لهم الشعر بصلة بينما تجاوزت القلة النادرة منهم مرحلة الاحساس هذه الى مرحلة من التعبير بارزة مؤثر فى السامع بالمعنى الذى يشعر به السامع أو القارىء وبالايقاع الذى يحدثه فى الجميع مستمعين وقراء و « شاعرين » بالحب ولوعته .

واذا تركنا جانبا أمر الصدق أو الكذب فى شأن غزل كثير فالذى يبقى من رأى صاحب الاغانى يمكن تلخيصه فى السؤال التالى : هل نسيب كثير ومن هو على شاكلته من التقول فى الغزل متخلف عن شعر جميل هذا مع افتراضنا أو قبولنا ان شعر جميل جيد ؟

إن الاجابة عن هذا السؤال يقتضى النظر فى ديوان جميل وقد جمعه « هنرى براس » ودراسة نسيب كثير ولا يتسنى لنا ذلك فى هذا المقال القصير على ان الثابت ان كثيرا كان شاعرا فحلا خاصة اذا عرفنا انه طرق جميع اغراض الشعر وانه كان راوية لجميل الذى كان راوية لأبيه الذى كان بدوره راوية أوس بن حجر ... وان هذه السلسلة من الشعراء والرواة الفطاحل ليس من الغريب ان تخرج شاعرا كبيرا هو كثير عزة ، وقد قال فى حبيبته :

خليلى هذا ربع عزة فاعقلا          قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت

وما كنت أدرى قبل عزة ما البكا    ولا موجعات القلب حتى تولت...

وإنى وتهيامى بعزة بعد ما             تخليت مما بيننا وتخلت

لكالمرتجى ظل الغمامة كلما          تبوأ منها للمقيل اضمحلت

فان من يقرأ هذه الابيات يحس بقوة الصياغة ومتانة النظم فكأن كثير يقد من حجر ويبنى بالآسمنت المسلح وانظر فى البيت الرابع وتمعن فى الصورة

الواردة فيه وقل أى شىء يكون إحكام الصناعة (3) اذا لم يكن هذا التصوير الحى للرجاء الذى لا يكتب له ان يتحقق يوما وللامل الذى لا يدب الياس قط الى صاحبه ؟

ولعله من المفيد فى هذا السياق ايراد رأى طه حسين(4) فى شاعرية كثير يقول صاحب كتاب « حديث الاربعاء » : « كل شىء فى حياة كثير يدلنا على انه لم يكن غزلا بطبعه ولم يكن ماهرا ولا موفقا فى تكلف الغزل ، فهو لم يكن صافى الطبع ولا رقيق الحس ولا دقيق الشعور ولا قوي العاطفة ولا ذكي الفؤاد ، وانما كان بريئا من هذا كله ... » .

فهذا الرأى لأديبنا الكبير يساند رأى الاصفهانى إذ هو يقلل من شاعرية كثير ونحن مع تقديرنا العميم لهذا الرأى من ناقد عظيم كطه حسين لنا نود لو دعمه بتحليل لقصائد كثير وبدليل نصى من شعر الشاعر لا بأمور متصلة بحياته وخصائص طباعه ونحن مع تسليمنا بضرورة الاستفادة من حياة الشعراء ومن بعض التفاصيل عن أمزجتهم وحكايات غرامهم أو طرائف عن تبلد حسهم الاستفادة التى تساعد على تفهم شعرهم نحن مع كل ذلك نبقى نعطى الاهمية الكبرى بالاولوية للنصوص فى دراسة شعر الشاعر أو أدب الكاتب واستخلاص معالم شخصيتهما الادبية او تقييم جودتهما فلا نقد اذن الا بالرجوع الى النصوص ... والحقيقة ان طه حسين فى دراساته ونقده يستجيب لما ندعو اليه فى الغالب وهو استاذنا فى ذلك ولكنه فى هذا الحديث عن كثير فضل التحدث عنه من خلال ما يروى الرواة عن حياته وطبعه وحمقه واستهزاء الناس به .

وهذا ابتعاد عن النقد الادبى السليم فمن أحكام صاحب الاغانى الى تقرير صاحب حديث الاربعاء بقى النقد العربى عند العرب يشكو فى كثير من مراحله التعسف فى الاحكام والتعميم فيها والافتقار الى الحجج العلمية التى هى أساس البحث السليم ولقد أثر ذلك كثيرا فى دراساتنا الادبية التى كثيرا ما يتولى فيها الباحث دور المحامى عن الشاعر أو الكاتب فيلقى بذلك رضا

الناس والجماهير ولكنه يسخط العلم ولا يضيف اليه شيئا من الحقائق يستحق الذكر وتبقى الحقيقة مغمورة تحتاج الى كشفها وكثيرا ما يدلنا عليها باحث أجنبى نزيه تجرد للعلم والمعرفة ونزع ثوب التعصب وآثر لذة الكشف والاكتشاف على زخرف القول وبريق المادة ولهيب تصفيق الحماهير الصاخبة.

ورحم الله أديبنا الكبير (5) فقد قال منذ ستين سنة خلت (6) : « ان أردت ان ترضى هؤلاء الناس فتملق حبهم للعرب واسرافهم فى هذا الحب وأضف الى العرب ما قلوه وما لم يقولوا وما عملوا وما لم يعملوا واجعل أمتهم أشرف الامم ، ولغتهم أشرف اللغات ، وأدبهم أرقى الآداب ، لا تحسب فى ذلك حسابا ، ولا تنتهى فيه الى مقدار ولا تعترف للامم الحديثة بشىء الا ان تكون قد ورثته عن العرب ونقلته عنها نقلا ، أسلك فى الادب لترضى هؤلاء الناس مسلك قوم فى السياسة ، واتخذ الحقائق الادبية موضوعا للتضليل كما يتخذون المنافع السياسية ، تفز بما شئت من تصفيق واعجاب وبما أحببت من حمد وثناء ، ولكنك تسىء الى العلم وتعتدى عليه ، فاختر بين رضا العلم ورضا الجماهير » .

اشترك في نشرتنا البريدية