قال " مراسل الاذاعة السعودية " الرياض ، فعلا التصفيق والهتاف
في الرياض :
في صباح أحد ايام الأسبوع الماضي صبت مياه الحائر في خزان الماء الكبير ، الواقع قرب مدينة الرياض وقد فاضت المياه حتى سقت المزارع القريبة من الخزان ، وبذلك تحقق اعظم واهم مشروع للمياه فى الرياض في عهد حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم " .
وجاء في احدى النشرات التى تصدرها الاذاعة السعودية بشهر رمضان ١٣٧٥ :
" أقامت مدينة الرياض حفلة كبرى بوصول المياه عبر الصحراء من " الحائر " الى الرياض ، برعاية حضرة صاحب الجلالة الملك سعود المعظم وبعد ان استعرضت النشرة وصف الحفلة قالت : " ثم رنت انظار الشعب الى مليكه العظيم ، حينما وقف وتقدم نحو الآلات الضخمة . وتناول المقص من يد سمو امين الرياض وقص الشريط ، فتحركت الماكينات ، ورفعت المياه بقوة الى المدينة العزيزة
هذا ما نشر عن ماء الحائر الذي انعم الله باكتشافه فى منتصف عامنا الحالى ١٣٧٥ . . واذن فما هو الحائر هذا ؟ ولم سمى بهذا الاسم ؟ وهل بين الاسم والمسمى علاقة في المعنى ؟ وهل له ذكر في تاريخ بلاد العرب ، او في معاجم بلدانياتها ؟ وهل كان " الحائر " معروفا فى العصر الجاهلي وما بعده من عصور الاسلام ام لا ؟ هذه أسئلة كلها ترود خاطر الباحث الطلعة ، وسنحاول ان نجيب عنها فيما يلى :
معنى الحائر في اللغة . . ورد في " الغاموس المحيط " في مادة " حور " ان " الحال الحائر هو مجتمع الماء وحوض يسبب اليه ماء المطر " . ونرى ان تسمية وادي الحائر الذي وجد الماء الغزير في أعماقه قد تكون ذات علاقة بهذا المعنى اللغوي الاصيل لكلمة " حائر " .
وهذا يدلنا على مدى عمق فهم واضعى اللغة العربية . وشفوف ذهنهم ، والمعية من سموا هذا الوادي بهذا الاسم : . الحائر . .
دلالة على اتفاق الاسم والمسمى . العلم العربي وتحير المياه الجوفية في الارض
وقد أيد العلم مدى شفوف ذهن العرب ، ودلنا كتاب " انباط المياه الخفية " لأبي بكر محمد بن الحسن الحاسب الكرخي ، عالم المياه والجيولوجيا ، العربي ، في القرن الخامس الهجرى - دلنا هذا الكتاب الذي صغر حجما وغزر علما في بحثه الممتع المفيد عن المياه الجوفية ، كما نسميها الآن ، و " الخفية " كما كانت تسمى فى العصر الذهبى للحضارة العربية ، على كيفية محافطة الصحارى والقفار على المياه الجوفية ، وكيفية تسربها فى اغوار الارض وبقائها بها . . وكيفية " تحيرها " فى باطن الأرض ، حيث قال : ) ٢ (
" وبعد تقرير ذلك نقول : ان الله تعالى خلق في جوف الارض ماءا ساكنا ، يجرى منها مجرى الدم من بدن الحيوان ، لا يزيد بزيادة الامطار ولا ينقص بنقصانها ، على ما قاله الاولون ، لأن مادته من استحالة الهواء الى الماء في بطون الارض ، وهذا الماء غمر اكثر الخلل في جسمها ، واتصل بعضه ببعض ما لم يمنع بالحواجز والموانع الصلبة ، وهذا الماء يجرى من المواضع البعيدة المركز ، الى المواضع القريبة منه في عروق الارض والخلل في جوفها . . فكما ان الماء جار على وجه الارض ، ومتحير
عليها ، كذلك الماء السائد في جوفها جار في مواضع كالانهار ، ومتحير في مواضع كالبحار . . ومعظم الماء الساكن يكون تحت الصحارى المطمئنة ، والفلوات البعيدة الارجاء
فأنت ترى من هذا القول انه كان لدى العرب علماء جيولوجيون ، وانهم قد عنوا باجراء مرافقهم الحيوية من زراعية وسقي ورى ، على أساس من المعرفة التى وصل اليها العلم اذ ذاك ، محافظة عليها وتنمية لها ، وترى انهم قاموا بدراسات طيبة في عالم الارض وما في جوفها من مياه ) خفية ( كما كانوا يدعونها ، او جوفية ( كما يسميها العلماء الآن . . وها هو
علمهم تؤيده الاستكشافات الحديثة فى أغوار الأرض العميقة ، وخاصة فى " الحائر " نفسه موضوع البحث ولقد ابدوا لنا سبب تكون المياه فى جوف الارض ، وكشفوا عن العلة بين مكث المياه الخفية وتسربها من بين الاغوار ، وسموها " تحيرا " والتحير والحائر مادة واحدة وأوضحوا لنا ان
الاماكن التى ترسب فيها المياه الخفية وتتجمع بكميات وافرة كالحائر هي الاراض المطمئنة المنخفضة ، وهذا الامر ينطبق تماما على " الحائر " . الحائر في المعاجم وكتب التاريخ
يقول ياقوت الحموى في " معجم البلدان : ) ٣ (
" الحائر - بعد الألف يا مكسورة وراء - وهو في الاصل حوض يصب
اليه سليل الماء من الامطار . . سمي بذلك ، لأن الماء يتحير فيه ، يرجع من اقصاه إلى ادناه . وقال الاصمعي : يقال للموضع المطمئن الوسط المرتفع الحروف " حائر " ) ٤ ( وجمعه حوران وأكثر الناس يسمون الحائر : الحير ، كما يقولون لعائشة عيشة . . ثم قال : " فاما الحيران فجمع حائر وهو مستنقع ماء يتحير فيه فيجئ ويذهب . . ثم قال : " والحائر أيضا : حائر ملهم باليمامة ، وهو مذكور فى موضعه . . قال الاعشى :
" فركن مهراس الى مارد
فقاع منفوحة فالحائر "
وحائر ملهم هذا ، على ما نراه ، هو نفس الحائر الذي وجدت المياه فيه .
فقد ورد في كتاب " نجد الحديث وملحقاته " لأمين الريحاني ) ٥ ( :
" ثم حائر في طرف وادى حنفة
الجنوبي ، على مسافة خمسة وعشرين ميلا من الرياض وهي تدعى " حائر سبيع " لأن سكانها من عرب هذه القبيلة النازحين من الغرب ، وفيها أيضا السهول حلفاء سبيع ، ومن حائر شمالا بعد بضع ساعات من
السير نصل الى البلدة التى كانت قديما تشاطر اليمامة الشهرة والمجد . هى المنفوحة بلد الشاعر زهير بن ابي سلمي القريبة جدا من الرياض " ١٠ ه
ويزيدنا كتاب " صحيح الاخبار عما فيما في بلاد العرب من الاثار " لمؤلفه محمد بن بليهد - معرفة بتحديد موقع " الحائر " حيث يقول :
" واما الحائر فهو باق بهذا الاسم الى هذا العهد بين منفوحة وبلد الخرج ، عامر فيه نخيل وسكان يمر به السالك من الخرج الى ضرمي " . انتهى البحث
