يخطىء كثيرا من يرد كثيرا من أصول المدنية الحاضرة إلى العقلية أو الحضارة الاوروبية . . ذلك قصور نظر ما بعده قصور ، وهو أن دل على شىء فأنما يدل على ضحولة الثقافة وضآلة المحصول .
ان جوازات السفر من ابتكار العقل العربى ، وهو ابتكار يدل على حصافة الفكر واشراقة الرأى ، كما يدل على أن الذهن العربى ذهن متوقد منتج وخصب ، وليس كما اشاع ويشيع الغربيون ضحلا سطحيا لا يستطيع التوليد والانتاج والابتكار .
وكان نظام الجوازات مما تواضع عليه عرب الجاهلية ، ولابد انه كان بقية من مدنيتهم الغابرة التى كانت فى اليمن وفى قلب الجزيرة واطرافها فلما استبدت بهم الاهوال وتشتتوا وتبدى قسم كبير منهم بقى رسيس هذا النظام عالقا باذهانهم فقد اورد الهمدانى فى كتابه الاكليل : « ان جواز السفر يرتقى تاريخه الى عرب الجاهلية ، ويقول : « أما فى الجاهلية
فقد وصل الينا بعض الانباء مخبرة بوجود شىء له صلة بالاجوزة ( جمع جواز ) عرف يومذاك باسم « الأذن بدخول البلد » . . وكان يحمله كل من له خطر من الوافدين الى بند ما ، حتى يؤذن له بدخول البلد » . .
هذا فى الجاهلية . . اما فى صدر الاسلام فقد اخرج المستشرق جراهمان جوازين داخليين كتبا باللغة العربية على ورق البردى ، ويصل تاريخهما الى سنة ١٠٢ ه وقد حررهما بعض عمال الامير عبيد الله بن الحباب الذى خلف حيان بن شريح فى الامارة على مصر من سنة ١٠٢ ه الى ١١٦ ه وهذا نص أحد ذينك الجوازين :
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله بن عبيد الله عامل الامير عبيد الله بن الحبحاب على اعلى اشمون لقسطنطين ببسطلس شاب ابط ، بخده أثر ، وبعنقه خالان سبط من أهل بسقنون من أعلى أشمون انى اذنت له أن يعمل بأسفل أشمون لوفاء جزيته ، والتماس معيشته ،
وأجلته شهرين من مستهل ذى الحجة الى انسلاخ المحرم سنة ست عشرة ومائة فمن لقيه من عمال الامير أو غيرهم فلا يعترض له فى ذلك من الاجل الا بخير . والسلام على من اتبع الهدى وكتب طليق فى مستهل ذى الحجة عام اثنتى عشر ومائة » أ ه .
اننا اذا وضعنا هذا الجواز العربى الداخلى على مشرحة التحليل فاننا نخرج بهذه النتائج لا محالة :
أولا - انه مستوف لكل شروط الجوازات الحديثة مع فارق الترتيب الزمنى . . فهو يذكر مصدر الجواز والآمر به وكاتبه وسنة صدوره وشهره ويومه ، ويذكر اسم صاحبه وشهرته واوصافه المميزة ، كما يتبع تماما فى الاجوزة الحديثة الخارجية ، كما يذكر بلده ومنطقته ، كما يذكر اسباب صدور هذا الجواز ونهاية مدته ويوصى من يلاقيه بتسهيل أمره وعدم معارضته تماما كما يراعى فى الجوازات الحديثة .
ثانيا - ان لغته واضحة سهلة مفهومة للجميع مركزة كما هو مشروط فى كل امر نظامى شامل
ثالثا - أعطى هذا الجواز داخليا ، وهو أمر معروف فى العصر الحاضر فى حالات الطوارىء
رابعا - انه اعطى لحكمة عدم اختلاط المشتبه فيهم مع غيرهم ومن الغريب أن نجد اسما آخر للجواز فى المعاجم العربية هو ( صك السفر )
ومعلوم ان الحكمة التى دعت قبل كل شىء العقل العربى فى أبان مدنيته الزاهرة إلى ابتكار هذا النظام هو حماية البلاد من تسلل الجواسيس وذوى النيات المعادية والافكار الضارة الى داخل البلاد ، لئلا تعيث فيها فسادا فى غفلة من الرقباء . .
وقد عم نظام جوازات السفر الممالك الاسلامية والعربية خاصة فى صدر الاسلام وفى العهد الذهبى للحضارة العربية . . فاستعمل فى العراق والشام وغيرهما ، وساد نظام الاجوزة بصفة اعم فى منتصف المائة الثالثة الهجرية . . وقد عنى الخليفة العباسى « المعتضد » بهذا النظام عناية فائقة فذكر فى سيرته انه « كان شهما عاقلا ظاهر الجبروت ولى الخلافة والدنيا خراب والثغور مهملة ، فقام قياما مرضيا حتى عمرت مملكته وكثرت الاموال وضبطت الثغور ، وحررت اجوزة السفر للخارجين منها والداخلين اليها »
وكانت بلاد العرب والاسلام فى ابان القرن الثالث الهجرى مطمعا ومطمحا للاعداء المحيطين بها . . فكانت الحكومة القائمة فى بغداد اذ ذاك تراقب الحدود بوساطة هذا النظام والتشديد فى اتباعه مع كل داخل الى البلاد وخارج منها . روى التنوخى فى « نشوار المحاضرة » ان ابن حمدون نديم الخليفة المعتضد العباسى قال : كنت عنده ليلة فجاءه كتاب فقرأه وتفحصه ، فاستدعى وزيره فحضر ، وكاد يتلف فرمى اليه الخليفة بالكتاب ، الذى وافاه من « صاحب خبر السر » بقزوين يقول فيه : « ان رجلا من الديلم وجد بقزوين ،
وقد دخلها متنكرا » فقال لوزيره : « اكتب الساعة الى صاحبى الجرب والخراج وأقم قيامتهما وتهددهما عنى بالقتل ، قل لهما : لم صار هذا ؟ » ثم اردف « وطالبهما بتحصيل الرجل ولو من تخوم الديلم ، وأعلمهما أن دمهما مرتهن به ، حتى يحضرا به ، وارسم لهما ان لا يدخل البلد مستأنفا أحد ، ولا يخرج منها الا بجواز حتى لا تتم حيلة لاحد من الديلم فى الدخول سرا » . أ ه
هذا وقد عقد القلقشندى فى دائرة معارفه (صبح الاعشى) بابا عن جوازات السفر فى تاريخ العرب ، منذ أيام الجاهلية واوائل عصور الاسلام حتى
أول القرن التاسع الهجرى ، وابدى أن أهم بلدان العالم عناية به هو مصر أى فى سائر الازمان ، حتى ابان حوادث التتر وحروبهم
كذلك نلمح ظاهرة ادبية جديرة بالتسجيل اذ شارك بها الأدب العربى فى ابداء مزايا هذا النظام الدقيق الحافل ، ونوه به فى تضاعيفه الخيالية الرائعة ، كفكرة رائعة مستمدة من واقع المجتمع العربى . . فهذا أبو العلاء المعرى يعدد لنا فى كتابه : «رسالة الغفران » أنباء ( أجوزة الدخول الى الجنة ) . . وهى ظاهرة تدل على أن الأدب العربى القديم كان حساسا بكل ما يدور حوله المجتمع العربى النابه .

