كثيرا ما كنت اسمع " الكبار " يقولون ان آخر الدنيا قريب . ألم " يرفع " الحياء من الوجوه ، الم " يرفع " القرآن من الصدور أو يكاد ؟ فما بقي من امارات الفناء ؟ ان تشرق الشمس غربا وتغرب شرقا ؟ ان يأتي المهدي ويأجوج ومأجوج ؟ كنت اخاف على نفسي من هذه الانباء المزعجة ، وكنت استنشد الله ان يمهلنا قليلا ريثما أنال نصيبي من الحياة ... لكن اليوم والحمد لله أتت تصريحات العلماء فافسحت المجال وطمنت البال ؟ الم يثبت عندهم انه بالرغم من تنوع الصور التي افترضوها لابادة العالم ، لا يزال الاجل بعيدا . . . . بعيدا بعشرات المليارات من السنين ؟ . . . . لننظر في نتائج بحوثهم !
زمهرير . . . أم سعير ؟
اذا حفرت جبا ضيقا ودلوت فيه مقياسا لدرجة الحرارة ، لاحظت انها ترتفع بثلاثين درجة في كل الف متر من العمق . فادا افترضنا ان هذا الارتفاع المنتظم متواصل في جميع طبقات الارض . جزمنا ان القشرة الارضية متناهية في الرقة لا يتجاوز سمكها مائة كيلومتر ( قطر الارض ١٢٨٠٠ كلم ) اذ عند هذا الحد تبلغ الحرارة ( ٣٠٠٠ ) درجة وتصير كل مادة بخارا يتوهج . فمعظم الكتلة الارضية لا يزال يتقد نارا ، وفي اضطراب عنيف مستمر . . .
لكن هذا الاضطراب سوف يتخامد تدريجيا من اجل ضياع الحرارة في الفضاء المحيط ، وسوف تتميع الابخرة الكامنة في بطن الارض وتتجمد ، ويشتد القر فيجمد كل ما على وجه الارض ويهلك بالتالي كل حي . لكن هل الحرارة التي نقيسها في اعماق الآبار ناتجة حقا عن تاجج ما تحت القشرة ؟ ألم يفترض بعضهم انها ناشئة عن المواد المشعة وعن انتشارها المتزايد في طبقات الارض ؟ في هذه الصورة لا يمكن للارض ان تبرد بل سوف ترتفع درجة حرارتها تدريجيا ، ويشتد الحر ويصير مال الكائنات الحية الصلي والحرق . اما اجل الهلاك فهو في
كلا الافتراضين لا يحل الا بعد مائة مليار من السنين ! . . . واللهم اذا افترضنا اتزانا بين الحرارة المولدة من المواد المشعة او الآتية من الشمس ، وبين الحرارة الضائعة بالاشعاع ، فتبقى الارض داقئة لا تبرد ولا تسخن ، ويضمن للحياة فيها بالبقاء والدوام ! !
انفلات الهواء من الجو :
الارض تجذب كل مادة تحوم حولها وتاسرها ، لذا كان الهواء ملازما لها لا يمكنه التخلص منها ولا الانفلات في الفضاء الكوني . وقد ثبت ان التحرر من هذه الجادبية لا يكون الا بفضل الاندفاع خارج الجو بسرعة لا تقل عن (١١٠ ) كلم في الثانية الواحدة . وثبت ايضا ان هباءات (molecules) الهواء في اضطراب مستمر ، تتصادم وتتلاطم بلا انقطاع . وقد قدرت سرعتها بما يتراوح - في الظروف العادية - بين ( ٥٥ ) و ( ٢٥٣ ) كيلومتر في الثانية . فكان لا أمل لها في الانطلاق المنشود . غير انه يحدث عرضا ان تلاقي بعضها لطمات عنيفة متكررة ، فتتسارع حتى تبلغ الحد المنفذة من سيطرة الارض فتندفع طليقة في الخلا الواسع وتتجول . ادا تكرر هذا الانفلات ، اصبح العالم الحي مهددا بالهلاك اختناقا ، لكن قد تمر على الارض المليارات العديدة من السنين قبل ان يحل اجل انفلات آخر هيباءة من جوها ! . . .
القمر ، بئس الجار :
الارض تدور حول الشمس دورة كاملة كل عام ، وتدور حول محورها دورة كاملة كل يوم .
وهي تتناول من الشمس كمية من الضوء والحرارة تختلف بقدر ميلان محورها وبقدر بعدها عن الشمس - ومما يلاحظ انها منذ الملايين من السنين في طريق واحد لا تحيد عنه قط لكن من يدري لعلها لن تزيغ عن هذا السبيل المالوف لسبب ما . فتبتعد عن الشمس فنهلك ونجمد او تقترب منها فنحترق ؛
اما القمر فهو يدور حول الارض دورة كاملة كل شهر قمري ، ويسلط على الاجسام الارضية جاذبية ضعيفة قادرة على تحريك البحار واحداث المد والجزر الذين يبطئان قليلا دوران الارض حول محورها فيطول اليوم شيئا فشيئا ويشتد الحر نهارا والقر ليلا ، فيكون التفاوت في الحرارة في ما بين الزوال ومنتصف الليل مؤديا بصحة الاحياء فيقضي عليهم جميعا .
ومن ناحية اخرى فتخامد دوران الارض ينجر عنه ابتعاد القمر عنا لحد ما يتثني راجعا بعد ذلك متسارعا مضاعفا جاذبيته ، ومشددا مد البحر وجزره حتى يجعل المحيط يرتفع بالآف الامتار وفوق مستواه ثم يسقط على القارات في ضجيج مهول ! ثم ياتي حين ينفجر فيه القمر نفسه من شدة الجاذبية الارضية ، والله عالم بما سينال العالم من جراء هذا الانفجار ! . . لكن لنطمئن ! فما زال المجال فسيحا أمامنا - فلننظر الى بدر البدور نظرة الشاعر الولع والعاشق الوله !
رجوم السماء :
تسير الكواكب والنجوم سيرا منظما بدقة ومنسجما بحكمة ، لم تغيره يد الزمان منذ الملايين من القرون - لكن ثمة صنف آخر من رحل الفضاء المتشردين ، اعني تلك القطع المتفاوتة حجما وكتلة وسرعة ، والتي تتجول في الخلاء ولا تبالي بما عسى ان تلاقي في طريقها ، الى ان يصادفها نجم فيجذبها ويحرقها وياكلها ، او كوكب فتسقط عليه ويمسكها كثيرا ما تتلقى الارض من هذه القذائف السماوية - فمنها الجسميات التي تخترق الجو فتتوهج وتلتهب ويخيل لنا ان نجما شق السماء . ومنها الاجرام الجسمية التي تسقط على الارض فتنغرس فيها مثلما تنغرس القنبلة المقذوفة من الطائرة ومن اعظم ما عرف الانسان من هذه الرجوم ، ذلك الذي سقط في " سيبيريا " يوم ٣٠ جوان ١٩٠٨ فحصد خمسة الآف هكتار من الغابة وترك حفرة لا يقل قطرها عن ثمانية كيلو مترات ، وقدروها باربعين الف طن .
لكن القذائف التي من هذا العظم قليلة جدا ، لا تزورنا الا مرة كل مائة الف عام . والارض لا تتاثر منها اكثر مما يتاثر الفيل بحبة الرمل ! لكن من يدري هل يوجد في الفضاء قذائف عظيمة قادرة على فلق الارض او على رجها رجا ياتي على كل حي ، ومن يدري ايضا افهل يوجد من بين تلك الكواكب الصغيرة المتشردة او من بين تلك النجوم المذنبة التي تزورنا من بعيد ومن حين الى آخر ما يلاقي منها الارض في طريقه فيصادمها وتصادمه ويذهب كلاهما هباء منثورا ورجوما لبقية الكواكب ؟
الشمس . . . حليفة وعدوة :
الشمس نجم من نجوم السماء ، تذيع الطاقة حولها وتنفقها على كواكبها
السيارة . فمنها ياتينا النور والحرارة والاشعة القاتلة للجراثيم والحشرات ، وغير ذلك من النعم التي لا نتصور الحياة بسواها . لكن الكريم الذي يجود بماله ولا يرتزق ، مآله الافلاس مهما امتدت ثروته ، ومهما احتاط في صرفها فتنفذ كنوزه مهما وفرت هل طاقة الشمس محدودة فتنقطع يوماما مهما غزرت ، آم هل هي تتجدد وتبقى مهما استمد منها ؟ الجواب يتوقف على معرفة الشمس من حيث طبيعتها . فاذا اقترضنا ان مادة الشمس تحترق مثلما يحترق الوقود ، وجدنا لانطفائها اجلا قريبا لا يقبله العقل ، اذ كيف تخمد نارها الجهنمية بعد بضع آلاف من السنين ، وهي تتقد بلا انقطاع منذ الملايين من القرون ؛ واذا افترضنا ان طاقتها ناتجة عن رجوم سماوية متوافرة تتساقط عليها من كل ناحية ، جزمنا ان كتلتها في نمو مستمر ينجر عنه تسارع الارض في دورانها حول الشمس ( بسبب ازدياد الجادبية ) فتنقص السنة الارضية بستة اشهر بعد اربعة آلاف عام ، وهذا غير معقول اذ دوران الارض منتظم منذ الملايين من القرون !
الافتراض العصري هو ان الطاقة الشمسية وليدة التحولات النووية وهي نفس التفاعلات التي تحدث في القنابل الذرية عند انفجارها ، وبالخصوص في القنبلة (H) . الشمس في نظر علمائنا هيكل عظيم من نوى ذرية صغيرة ( أكثرها نوى " الهيدروجين " ) . تضطرب اضطرابا جبارا متواصلا ، تتصادف وتتصادم بعنف ، فتلتحم تارة وتنفلق اخرى ، وفي كلتا الحالتين ، تطلق تلك الطاقة النووية المدهشة التي لا تزال تبهتنا وتهولنا . فالشمس في هذه الصورة خرينة من الطاقة يكاد لا يكون لها قاع .
لكن علماء الفلك تأكدوا من وقوع حدث غريب يطرأ عرضا على النجوم فتنتفخ انتفاخا عظيما ، ويشتد ضياؤها كأنها تكتلت بنجوم اخرى . . . . وتأكدوا ايضا من ان لا بد من وقوع هذا الحدث في كل نجم اذ هو ناتج عن تطورات وتحولات مادته .
فمتى يكون دور الشمس يا ترى ؛ متى يمتد ويعظم فياكل الكواكب القريبة منه ومنها الارض - ؟ يجيب العلماء - كالعادة - ان الاجل لا يزال بعيدا . . . .
الجمود المطلق . . . . ذاك هو الفناء :
قد يهون على الانسان أن يفنى البشر ، وان يقضى على الارض وحتى على
المجموعة الشمسية باسرها . . . . ما دام له أمل في وجود كواكب اخرى ، في الكون ، تدور حول شموس أخرى ، وتدب على وجهها الحياة . تنقطع الحياة من ارض وتتبت في اخرى ، وينطفئ مصباح ويشتعل آخر ، ويضمن للحياة بالدوام . لكن هيهات ان تتحقق هذه الاحلام ! " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام " . سوف تنعدم الحياة من الكون بأسره . لا بالحر والقر ، والاصطدام والانفلاق والانتفاخ . . . فحسب بل ايضا بالتخامد المتواصل الذي يدرك كل حركة وكل تحول وكل تطور . المادة لا تنفك تتناهى الى الاتزان النهائي والسكون الدائم والجمود المطلق ! . . . قد نتساءل : ما هو سير هذا التخامد ؟ الجواب هو ان الطاقة كثيرا ما تستحيل حرارة ، من تلقاء نفسها وبكل سهولة . اما استحالة الحرارة عملا فهي تكلفنا استخدام " الماكينات " ، مثل المحركات الحرارية ، التي تأخذ الحرارة من منبع سخن وتحيل جزء منها الى عمل وتطلق البقية في الجو او في غرفة مبردة . وقد ثبت ان مردود هذه الاستحالة ينخفض بقدر ما ينقص الفرق في درجة الحرارة بين المنبع السخن والمنبع البارد . فادا تناهى هذا الفرق الى الصفر تناهت استحالة العمل حرارة الى الصفر ايضا . لذا نقول ان الحرارة صنف منحط من اصناف الطاقة . تنحط الطاقة في الكون - ولا تضيع - بسبب استحالتها حرارة ، وتتناهى الدرجات الى حد واحد ، وينقطع تبادل الطاقة بين اجزاء الكون فيقف تطورها ويجمد في حال ثابتة ابدية . . .
ما هو نصيب هذا الافتراض من " الصحة " ؟ الجواب يتوقف على سؤالين آخرين : هل الكون مجموعة منعزلة في الخلاء ، لا تتبادل اي شيء مع كون آخر بعيد عنه ، وهل تنطبق قوانيننا على الكون في جملته بدعوى انها تنطبق على المواد الارضية ؟ . . . قد يصح ايضا - كما افترضه بعضهم - ان الكون مجموعة " خفقانية " تنبض مثل القلب ، تنتفخ وتنكمش بتوال ، فتجمد وتنبعث بلا انقطاع وعلى طول الدهر . وقد يقدر الدور لهذا التطور المتجدد بملايين المليارات من القرون ! . . .
علم . . . أم هذيان ؟
هذه افتراضات متنوعة ، ونتائج بحوث مختلفة . وتنبؤات جسورة . لكن ما هي زبدة هذا الحديث وما هي القيمة العلمية لهذه الدواعي ؟ هل يحق للعلماء
ان يستنتجوا حقائق عامة تشمل الكون وماضيه العتبق ومستقبله البعيد . . . . من بحوث جزئية تكاد تنحصر في منطقة تافهة من المكان وفي فترة ضئيلة من الزمان ؟ يبصر العالم الطبيعة المحيطة به ويقيس ما يمكنه قيه ويسجل النتائج ويدرسها ويستخلص منها القواعد والقوانين ، والتفاسير والتآويل ، ويوضح معاني الالفاظ والعبارات المصطلحة ويعين شروط التطبيق وحدود الصلوحية ، ولا يسمح لنفسه بتعميم الكلام واطلاقه على الكل بعد ما صح اطلاقه على الجزء الا اذا تاكدت من توفر شروط عدة منها : الجزء المدروس قسم هام من الكل الاجزاء غير المدروسة مربوطة بالجزء المدروس بروابط التواصل والاستمرار حتى لا تتغير الميزات تغيرا فجائيا عند الانتقال من جزء الى آخر . . . فاذا درسنا مثلا ارتفاع درجة الحرارة عند الزوال في طبقات الارض ولاحظنا صلة التناسب بين ارتفاع الدرجة وبين العمق ، واذا لم يتجاوز عمق البئر التي حفرناها ( ٦٨٠٠ ) متر ، هل يحق لنا ان نجزم ان الحرارة تبلغ ، ٣٠٠0 درجة في مائة كيلومتر من العمق ؛ واذا لا حظنا نبردا ضعيفا في منطقة ضيقة من القشرة الارضية ، وفي مدة لا تتجاوز القرن او بضعة قرون ، هل ينبغي ان نعمم ونقول ان الارض كلها تبرد وانها سوف تبلغ كذا كذا من الدرجات بعد الملايين من القرون ؟ هل نكتشف من دراسة شعرة واحدة ، ميزات صاحبها ثم ميزات اهله ، وسكان بلاده ومعاصريه والبشرية بأسرها ؛ ما هي حياة الانسان وما هي حياة الاجيال المتوالية التي خلفت لنا اثرا بذكر ، ازاء تاريخ الكون ومستقبل تطوراته ؟ هل يتصور عقل الانسان - ولو بعض التصور - معنى الاجل الذي يقدر بمليارات السنين ؛ لم يمض على ظهور الانسان في العالم الا مائة الف عام ومع هذا فقد تغير وجه الارض تغيرا كليا فاندكت جبال شامخة وانبسطت ، وانبثقت اخرى وارتفعت ، وابتلعت البحار قارات وانجلت عن اخرى كانت تطمو عليها ، وانقطعت اشكال واجناس من النبات والحيوان وتولدت اخرى وتطورت. . . . فما بالك في ملايين الفرون القادمة التي جعلناها اجلا لوقوع احداث قررناها كأن دار لقمان ستبقى على حالها ؛ من يمكنه تصور الانسان في عهد مقبل يقدر بملايين الاعوام او من باب اولى واحرى
بمليارات السنين ؛ قد تزداد قامته ، او يعظيم دماغته ، او تطول يداه . او تنحط مواهبه العقلية وينحني ظهره ويدب على يديه ورجليه مثل الحمار . . . !! قد يتعود البرد ويتحمل قرا تتعذر الحياة اليوم فيه . . . قد يستحيل سمكا ويرجع الى البحر ، ألم تدع نظرية التطور ان جميع الاجناس الحيوانية الارضية خرجت من البحار ، وان بعضها عاد الى الماء بعد ما غادره ثم عاد اليه من جديد ؟ قد . . . . قد . . . . !! الافتراضات من هذا القبيل كلها ممكنة لا فضل لاحدها على البقية اذ لا ترتكز على اية نتيجة ثابتة .
قد يباح للانسان ان تطغو معارفه على حدود إثباتها بعض الطغوان ، وان بقرر بعض الحقائق قبل إقامة الدليل عليها . وان يتنبأ ببعض احداث قبل وقوعها . . . . لكن لا يباح له ان ينفلت من الحدود " المعقولة " حتى ينساها ويصبح متشردا لا يعرف اين يضع قدميه . ان الخوض في نهاية الدنيا مشكلة من المشاكل التي حرم على الانسان تناولها ، لا من اجل قصور عقله ، بل من اجل قصر عمره وقلة المعطيات التي يعرفها ويتصرف فيها ، وكثرة المجاهيل التي لا يعرف لاكتشافها سبيلا . ومن الغريب انه بقدر ما يتحرى في بحوثه العلمية وفي الاعلان عن نتائجها ، بقدر ما يتامح مع خياله ويتركه يتجول في عالم الاوهام ، عند ما يخوض في المسائل التي تعجزه ويجهل كل شيء عنها . . . فيفترض ويحسب ، ويبنى ويشيد حتى تاتي على قصوره الواهية نفخة من نفخات الواقع فتمحوها وتلقيها في ظلمات النسيان . فأجل الفناء وكيفية الابادة وكل ما ذكرناه في هذا الصدد . . . ما هي سوى هزأة من لعبات العلماء ، أو ضرب من ضروب الهذر والهذيان .

