ما عساى أرتجى من هذه المرأة . . من هذه الأنثى الولود قد انتشر نسلها من حولها كالقطط تتواثب وتتصايح وتملأ القاعة ضجيجيا . بعضهم يبكى ويستغيث والبعض يبطش ويعربد ويلوذ الجميع بالأم يختصمون كلهم شاك ومشكو . وينضم أصغرهم الى الجماعة بموائه عالقا بصدر أمه يتحسسه ينشد الرى وسط هذه المعمعة العنود
والبعل الرصين هانئ مستريح يبارك المولود الجديد وقد أضافه الى قائمة الرزق والمكسب . أنثى تلقح وتضع فى كل سنة أو سنتين . وهل افضل من نعمة الخلق والانجاب نؤتاها متجددة متصلة ! ؟ .
جلست أسارق النظر اليها من حين لآخر استنطق الملامح التى فى عينى عن صورة أخرى بعيدة محجبة . أستوضحها فلا تبين كما لو كان الوجه وجهين احاول التقريب بينهما عبثا .
ومع ذلك فالوجه هو هو لم يكد يتغير وان مضى عقد من السنين !
هى ذى المحاسن التى قيدتنى وهمت بها ردحا من الزمن هياما . . عيناها الشهلاوان وسرهما الفريد لا تدرى أهو فى اللون المؤنس المبهج أم فى النظرة العارمة تهتك حجب النفس تنفذ فورا الى الأعماق . مزيج لطف وبشاشة وتمنع وإباء . ضدان يتداولانك تحار بينهما فتقلق وتطرب ألما لذيذا . . .
وهذا الجسم الأهيف لا يزال كما بالأمس يزهو شبابا ونضارة ويهتز عند أى بادرة منها ظرفا ورشاقة
ما من حركة لك يا حبيبتى ، ما من هيئة الا وهي مستحبة مستطرفة
أتذكرين يوم كنت متمددة على السرير تقضمين قرصا من الحلوى وقد تناثر شئ منه على الفراش . كنا فى حديث واذا أنت تحدقين الى فجأة وفي
عينك استفهام وتوجس . توقعت انكارا منى لهيئتك . أحسست أنك لم تكونى لائقة مهذبة ٠٠ .
لا يا صغيرتي لا بأس عليك . كل ما تفعلينه جميل رائع كما لو أقرته نفسي سلفا أو صيغ على هواها ومنتهى ذوقها . فكان كل ما تفعلينه تلبية لرغبة دفينة فى نفسي وكأن فى مجرد وجودك ومحض تصرفك تعبيرا عن ذاتى وذاتك معا .
وملاعبتك للقطة الصغيرة وحوارك معها تناغينها حتى كأنها تفهم عنك وتستجيب لك . موقف لا ألطف منه ولا أبهج على بساطته كان فى الحقيقة قصة لمناجاة القلوب والتماس المزيد من الأنس غاية الأنس والعطف والانسجام .
ويوم رأيتك في فستان جديد لا زوردى اللون أنسب ما يكون لقوامك البديع كتمتها صيحة : رباه ! ما أجملها ! أيكون كل هذا الحسن لى . . هذا العطاء الجم . . . كل هذا النعيم . أنا لا أصدق . أنا لا أكاد أطيق . .
كنا نلتقي على الجليل والصغير صفحة من كتاب أو باقة من الزهر . شئ من الموسيقى أو نكتة أو بعض اللعب فتأتلف الروح بالروح وتتحد وتشف الاسرار كان قد ارتفع الحجاب حجاب الجسد . لحظات أستمع فيها اليك فيخيل لي أني أصغي الى نبض كيانى وكأن نفسى تحادث ذاتها صفاء واشراقا
هيهات ! انك لواهم وكأن شيئا من ذلك لم يكن .
الصمت كالمسافة الحرام . . كالهوة السحيقة لا أمل فى تخطيها . ليس الا الصمت منتصبا بيننا . وهذا الوجه البعيد البعيد بين يدى على قيد خطوة مني صفحة بيضاء ممحوة غسل عنها وجودنا المشترك غسلا .
ونتبادل النظر - من خلل حديث اللياقة والمجاملة - كغريبين التقيا عرضا لقاء عابرا لا تتحرك النفس منهما تحفظا واحتياطا ، توجسا وارتيابا
تراني أحببت هذا الشخص حقا ! ؟
أى سر فيه قد استهواني فانجذبت اليه صاغرا مدحورا
ماذا بقى من امرأة قصرها خيالك وحسك على الجمال . . كأن ليس لها معنى الا ان تكون . . الا أن تشع حسنا وتفيض من حولها البهجة والنعيم .
إنسية ارتفعت فى نفسك وتعالت فاذا هي شئ قائم بذاته قبس من واجب الوجود
وأنا الذي كنت أشتاق الى رؤيتها وحسبتني لا أزال أهفو اليها حبا ! ؟ .
ومع ذلك فان بك شيئا يتململ ٠٠ ذكرى دفينة تريد أن تكون ٠٠ كالقشعريرة تهز كيانك فجأة فاذا قلبك يخفق متوهجا من جديد ويضطرب .
ها أنت تملأ عينيك منها . . . تتشرب حسنها . . تريد أن تلبسها كالساحر العبقرى تطاول الزمن وتتحداه فاذا هي التمثال الرائع البارد تحاول عبثا أن تبث الاحساس فيه وتبعثه الى الحياة بعثا .
وداعا أيها الماضى ! لقد مات الحب ولن يكون ثمة لقاء الى الأبد .
