الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

نهاية عزلة العرب *

Share

قبل الفي عام كان العرب يسيطرون على الطريق البرى للقوافل التى تخترق شبه الجزيرة وتربط الهند بالغرب مماعاد بالثراء الوفير على جنوب شبه الجزيرة ، ولكن بعد ان عرف الرومان الطريق البحرى الى الهند وأصبح الطريق البرى يستعمل فقط لقوافل الحجاج الذاهبة الى مكة ، وبعد ان قل طلب أوربا للبضائع التى تخصصت فيها بلاد العرب مثل اللبان الشحرى من حضرموت - تضاعف فقر البلاد .

وقد انجبت بلاد العرب للعالم ، النبي محمد صلى الله عليه وسلم مءسس دين التوحيد ، كما انها كانت المصدر الذي امد الفتوحات الاسلامية بالمقاتلين ، وبعد هذا وذلك ظلت دائما مكان التقديس فى نظر المسلمين ، غير ان ليل تأخرها المادي كان قد ابتدأ يرخي سدوله .

ويظهر انه فى هذه الآونة قد اوشك على الانتهاء بشكل مسرحي مفاجئ ، وصاحب التقدم فى الأحوال الاقتصادية تغير فى طرق الحياة التى ظلت ثابتة منذ القدم . وقد وضع جلالة الملك ابن السعود أسس التقدم الاقتصادي بعد ان استعاد فى عام ١٩٠١ ملك آبائه مما ساعد على دعم مركزه الى ان وصلت المملكة الى مداها الحالى فى عام ١٩٣٤ وبذلك بدأ الاستقرار فى شبه الجزيرة .

وقد كان وارد المملكة الوحيد في السنين الماضية من الزكاة على الماشية والحاصلات الزراعية ، وقد اضيفت الى ذلك اخيرا واردات الحجاج ، والاحصائيات قليلة وغير دقيقة مما لا يساعدنا على تعرف الشئون الاقتصادية ، ووحدة التعامل هي الريال السعودي المضروب من الفضة وبزن ١١/٦٦٤ جراما وهو ما يساوي الريبة الهندية .

وفي مايو عام ١٩٣٣ منح جلالة العاهل السعودي شركة الزيت العربية الامريكية امتياز لمدة ٦٠ سنة فى منطقة مساحتها ٢٥٠ ميلا مربعا فى الجزء الشرقي من المملكة وقد وسعت المساحة شمالا وجنوبا ، وتبلغ الضريبة اربعة شلنات ذهبا على الطن ، ويقدر المستخرج ابتداء ب . . . . ٦٠٠ طن في العام برغم توقف الانتاج فى سنوات الحرب . الأول . ومنطقة العمل الرئيسية تقع بقرب الشاطئ الشرقي تجاه جزيرة البحرين ، وقد

أنشئ معمل للتكرير ينتج ١٢٠.٠٠٠ طن فى العام ويؤخذ الباقي الى جزيرة البحرين ليكرر فى معمل شركة الزيت البحرانية ، وينتظر ان يتضاعف الانتاج بمقدار عشر مرات على اقل ، وتدرس الحكومة الأمريكية وشركة الزيت وشركة الخليج للتنقيب والحكومات المعنية بالأمر مشروع مد خط الأنابيب الى المبحر الأبيض المتوسط الذي يبلغ طوله ١٢٠٠ ميل وقدرت نفقاته بمبلغ . . . ١٦٥,٠٠ دولار ، وهذا المشروع التجارى الضخم سوف لا يكون اقتصاديا ما لم يبلغ الانتاج ٦.٠٠.٠٠ طن على الاقل ( وقد بدئ فى المشروع فعلا وانتهى العمل منه وبدأ الزيت يصب عبر الصحراء فى ميناء صيداء على البحر الابيض المتوسط ) .

ولسنا بحاجة الى ان نقول : إنه سوف ينتج عن ذلك تطوات عدة في حياة الشعب العربى ، وقد استعملت الشركة الطائرات في أعمال المساحة ، كما سيرت عربات النقل الصحراوية وحفرت آبار المياه فى قلب الصحراء وأقامت فيها معسكرات العمال ، واتقن العرب إدارة الآلات وفتحت المدارس لتعليم موظفيها وعمالها وادخلت وسائل العلاج الحديثة وشجعت بناء المساكن الحديثة ورفعت مستوى المعيشة والثقافة والرى ، وادخلت اعمالا تجارية جديدة وتغيرت حياة كثير من العرب ، والتغير الجسمى الحقيقي يمكن ان يرى فى كثير من صغار الموظفين .

وسكان بلاد العرب يعدون من اصلح الشعوب في العالم ويعيشون حيث لا يمكن ان يعيش الا الاصلح فقط فهم باستطاعتهم ان يسيروا فى حمارة الصيف حفاة الاقدام في الفيافى الصخرية ويتبلغون بملء الكف من التمر ويطفئون أوارهم بقربة ماء صغيرة ، وبإمكانهم ان يركبوا جمالهم لمسافة ٩٠ ميلا دفعة واحدة ، ويلبسون فى الشتاء نفس الثوب الخلق ويسيرون بلاغذاء ولاماء طيلة ساعات النهار ويصومون شهر رمضان حتى ولو جاء فى شهر اغسطس ، وهؤلاء الاشخاص يعدون أفضل من النوع القوقازي وعلى درجة من الذكاء اللماح وتتوفر لهم الآن العناية الطبية والغذاء الوفير والثقافة الغربية ، ومن الجائز ان ينبتوا اجيالا تبهر العالم الغربي .

وفي ديسمبر ١٩٣٤ منح جلالة الملك امتياز لنقابة التعدين المسجلة فى " بهاما " بامريكا لتبحث عن المعادن عدى البترول فى مساحة معينة ، وقد استأجرت الشركة منطقة مهد الذهب التى تبعد ٢٥٠ شمالى جدة ميناء مكة على البحر الاحمر ، وهناك ابتدأت فى البحث عن آثار منجم قديم يحتوي على ٢٥٠.٠٠٠ طن من الذهب الخام وأخيرا ابتدأت فى البحث عن خام آخر تحت الارض لا تقل كميته عن ٤٢٠٠.٠٠ طن ويحوى ١/٢ طن من الذهب الخالص . ويرسل الخام المركز الى الولايات المتحدة لتصفيته ، والانتاج السنوى من

الرواسب يبلغ ٣٣.٠٠٠ اوقية من الذهب ، ومن المتوقع زيادة الانتاج من الخام الى ٣٥٠ طنا فى اليوم . وبخلاف الذهب يوجد الفضة والنحاس والرصاص والزنك . ومن الجائز وجود معادن اخر . فالمناجم القديمة متعددة فى شمال ووسط وجنوب البلاد السعودية وقد اشار الرحالون : السير رتشاردبارتون ، وادوارد جلاسر ، وج هالفي ، وشارلس دارتى ، الى وجود مناجم ، كما دل البدو على وجود بعضها .

وقد جاء على أثر تلك التطورات تطورات أخر . فأخذت طائرات خطوط الطيران تهبط باستمرار فى جدة والرياض الأمر الذى كان متعذرا حدوثه منذ عشر سنوات وهكذا نرى أن البلاد التى تعيش فى واقعها فى القرن السابع تقفز فجأة إلى القرن العشرين وقد اسست المصحات بمساعدة الاطباء السوريين واللبانيين كما بدىء بتكوين قوات للجيش النظامي وفتحت المدارس وأخذ فى تنظيم الادارة على نسق حديث .

وقد أحدث التطور من نظام الحياة القديمة إلى نظام الحياة الحديثة الحاجة لاستعمال مقادير كبيرة من البضائع الغربية . وقد أظهرت البلاد حاجتها على الخصوص الى الاسلحة الحديثة والطائرات ووسائط النقل . وعندما نشبت الحرب العالمية فى عام ١٩٣٩ كانت البلاد تدفع قيمة مستورداتها من حصيلة الزيت وبالرغم من ذلك فقد عادت البلاد الى اضطرابها فى عام ١٩٤٠ .

وقد سببت الحرب نقصا فى واردات الحجاج والزيت والذهب . وقد ظل وضع العملة معقدا نظرا لعادة الاختزان عند العرب وللتهريب الى الخارج ولاسباب دينية وسياسية . وليس من اليسير ادخال بعض الاصلاحات مثل طبع العملة الورقية . وقد امدت بريطانيا المملكة ابان الحرب بالبضائع وخاصة الغذاء والكساء كما تلقت مساعدات كثيرة من هذا النوع من مركز تموين الشرق الاوسط بمصر . وقد قصدت بعثة برئاسة وزير المالية الى وشنطن فى صيف عام ١٩٤٦ لتفاوض فى عقد قرض من بنك التصدير والاستيراد . وقد ووفق على عقد قرض بمبلغ ١٠ ملايين دولار وسوف يستعمل المال فى اسراع تنظيم المواصلات والزراعة .

وفي ربيع عام ١٩٤٢ قدمت بعثة زراعية من الولايات المتحدة برئاسة المهندس المستشار لنقابة التعدين العربية السعودية . وقد كانت بالمملكة ووضعت تقريرا يبعث على التفاؤل . ومنه يظهر ان المملكة ليست متأخرة فى الزراعة كما كان يظن . فهناك سلسلة من الواحات والوديان التى تحوى قرى زراعية كما تنمو المزارع على سفوح بعض الجبال . وادخل نظام الدورات على اراضى المراعى ، كما بدىء بغرس الغابات بطريقة بسيطة . والتقرير يوضح أن البلاد يمكن ان تكفى نفسها بنفسها تقريبا فى الحبوب والارزاق وان تزيد من صادراتها من الفواكه والصوف والمواشى وصوف الجمال . وقد قدر أن الانتاج الزراعي يمكن أن يتضاعف على الاقل فى خلال عشرة أعوام اللازمة

بعد حفر الآبار الأرتوازية وبناء السدود واستئصال الحشرات الضارة وتحسين التربة وادخال تنوبع أحسن على المحاصيل وانتخاب اجناس أحسن من الحيوانات الاليفة واستيراد النحل للتلقيح وانتاج العسل واقامة المضخات . . واشارت البعثة الى وجود اسماك صالحة للا كل بكميات وفيرة فى المياه السعودية لم تستغل مطلقا .

وتستورد المملكة مقدار ٥٠.٠٠٠ طن من الحبوب سنويا من الهتد ومصر ، كما اعتادت ان تفعل منذ عدة قرون . وقد نوهت البعثة التى لم تتم رحلتها الى ان بالامكان اضافة . . ,٥٠ فدان الى المساحة المزروعة فى الوقت الحاضر لتحصل البلاد على الاكتفاء الذاتى . وافضل المناطق الزراعية منطقة الهفوف بالاحساء على الساحل الشرقي وفي الخرج بنجد والمنطقة الوسطى حيث الماء محجوز فى الصخور الجيرية . ويستفاد منه فى مشاريع الرى التى تقوم بها الحكومة الآن . والمنطقة الجنوبية الغربية ( عسير ) غنية بانتاج الفواكه " ومن الممكن اجراء تحسينات زراعية عدة هناك

والآن وقد أوشكت عزلة البلاد السعودية أن تنتهي ، لنتساءل : ما هي ماجريات الحوادث فى داخل تلك البلاد ؟ هناك حقائق طريفة لم تحدث لها سوابق قط . فلم يحدث ان الارض المحرمة التى يسكنها شعب ممتلئ رجولة ، ذكى متدين ، متمسك باستقلاله ان فتحت ابوابها فجأة لتيار التقدم الغربي وبعبارة للمادية الغربية .

وقد أتم الملك الخطوة الانشائية الأولى منذ استعاد ملك آبائه واحى التعاليم الاسلامية وعم الامن الداخلى . ويواجه الآن التغيرات الاقتصادية ويوجه مقدرات الشعب الى طريقة حديثة فى الحياة مبنية على قواعد جديدة . والاسلام دين محافظ وليس من اليسير على أتباعه أن يتمسكوا به وفى نفس الوقت يقتفون اثر النظام الصناعى الغربى . فمع التصنيع تأتى مطامح جديدة واعمال جديدة وطريقة فى الحياة جديدة بالاضافة الى مبدأ تحديد الاجور . وبعبارة أخرى فلسفة جديدة فى الحياة . ومع ذلك التغير تأتي المتاعب والاشمئزاز والحنين الى الأيام القديمة . فاذا حدث شئ من هذا كما هو منظور فسنجد تغيرا فى البدن والروح . فان من كانوا ناجحين فى الحياة القديمة لن يستطيعوا النجاح بسهولة فى الحياة الجديدة . وليس من شك انه سوف يظهر الى الوجود رجال من طابع آخر . ولم يذهب التغير شوطا بعيدا فى بلاد العرب . غير أن هناك رجالا عديدين لهم نظرات جديدة ويتعطشون الى وسائل للمواصلات جديدة . والى فرص فى الحياة

أفضل والى حلول جديدة لمشاكلهم . وينتاب البلاد شئ من الاضطراب فى حياتها الجديدة لحاجتها الى التعليم بين سكانها . والحاجة ماسة الى الخبراء لتوجيه التطورات الصناعية والزراعية . . واذا عهد الى بعثات اجنبية بالقيام بتنظم لهذا فانها ستلاقي صعوبات وخاصة فى شبه الجزيرة ، حيث نظام الحياة والعادات الأتوقراطية للموظفين يجعل من الصعب جدا على الخبراء الغربيين القيام بمهمتهم . وقد ذهب بعض الشبان العرب السعوديين الى اوربا وامريكا للحصول على ثقافة أعلى وخبرة فنية . والأحصاءات عن التعليم كما هو الحال فى غيره ضئيلة . وقد بذلت محاولات فى الحجاز ( ١ ) لرفع مستوى التعليم . وتدرس اللغات على الخصوص . ومجموع السكان فى المملكة العربية السعودية يتراوح تقديره بين ٣ ملايين و ٧ ملايين ؛ ومن الجائز أن يكون العدد الحقيقي هو ( ٥ ) ملايين ، منهم مليونان من رجال البادية . وليس هناك عدد كاف من الأساتذة لنشر التعليم بين عدد من السكان كهذا . وسيمضى وقت طويل قبل أن تستطيع المدارس مواجه طلب شركات البترول للشبان المتعلمين وامدادها بالموظفين الاداريين . وعلى الحكومة أن تسد الثغرة باستخدام اساتذة من البلاد المجاورة ولم يعم التعليم النسوى حتى الآن .

وقد سويت الحدود بين المملكة العربية السعودية وجاراتها بموجب معاهدات مع تلك البلدان فيما عدى الجزء الجنوبي ، والجنوبى الغربى المسامت للصحراء وليس لذلك أية اهمية . والعلاقات بين المملكة والدولتين الغربيتين : بريطانيا والولايات المتحدة حسنة جدا ، فما عدى موقف الاخيرتين من فلسطين

والخلاصة أن بلاد العرب بدأت تتجه الى حياة جديدة ويتطلع شعبها بملء الأمل الى رفاهية أعظم . والتغيرات التى يجب أن تقوم بها لتواجه الحياة الصناعية صعبة جدا وكما رأينا ؛ هناك تضارب هام بين حضارتين وفلسفتين وطريقين فى الحياة . وفى البحوث العلمية نعتمد على الحقائق والارقام لنعطى بيانا واضحا ممن الشئون الحيوية للانسان ولكن روح الشعب لا يمكن أن تخضع للارقام أو تقاس بالرسوم البيانية .

وربما لهذا السبب اننا تجاوزنا عما ليس بامكاننا احصاؤه رقميا أو قياسه علميا من الاسرار المختفية وراء الاجيال الماضية ، الأمر الذى أدى بنا نحن الغربيين الى أن نجد أنفسنا احيانا مأخوذين بتقلبات الحوادث . وشئون الروح تلعب دورا هاما فى الحوادث التى ستأتى فى البلاد السعودية . ولكن قوة شخصية شعبها وواقعيتهم سوف تمكنهم من مواجهتهم المستقبل بطمأنينة أكثر بخلاف المنتظر بسبب عنف الانقلاب الذى سيواجههم

اشترك في نشرتنا البريدية