الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

نوبة الم ونغم

Share

. انساب النغم . أنا عذراء في قلبي ألم . فى جفني دموع أنا حسناء في أعصابي حنين شعري شلال من حرير فى لون العنبر أنا هائمة أرتجف ألمي فاق كل عقاقير الصبر والنضال التى دهنت بها أعصابي طيلة أيام وليال الويل للجدران . ما أسمك حجارة الجدران سجنت فيها شبابي مختارة ، من أجل شئ اسمه العلم ، اسمه المستقبل الحسن خنقتني الجدران وأخيرا لفظتني بدون رحمة لم تمن على بالورقة الصفراء التى اسمها شهادة قايضتني ظلما سلبت مني راحة البال ووهبتني صداعا مزمنا افتك منى السهر على الأضواء الخافتة مستوى النور فى عيني والكثير من حيويتي ورمانى بمقاومة مجانية للطبيعة سأكون حتما نعجة الفداء فى معركتها النغم يتفجر منك يا عندليب والألم يتفجر منى يا عندليب أنا أبكى فى حرقة انتف شعري الهستيريا تنفضني بلا رحمة انا لست وحدى فى الغرفة حولى الكبار والصغار أما الكبار فقد تغامزوا وتواصوا بالصمت من يدري لو نهروني ماذا يحدث قد اجن حقا قد يتفجر في مخي ينبوع من الدم قد أفقد الصواب فأمسك زجاجة أو كاسا أقذف به من يواجهنى انهم يقولون فى أنفسهم : . لن تلام هذه المخلوقة وأنى لها القدرة على الوعى والصبر وظروفها مؤلمة ووضعيتها خناجر حادة تخز جنبها

باستمرار " . أما الصغار فقد كتموا ضحكاتهم المخنوقة وراق لهم مشهد الجنون الذي تمثله العذراء القلقة

أنا أقوم إلى التلفاز أرتعش في جنون انتفض بلا وعي أرفع الصوت صار صوتك صداحا يا عندليب زلزل المكان زلزالا رفع المارة رؤوسهم متوقفين لحظة مع النغم ثم واصلوا طريقهم عزف الآلات كان شجوا صرفا متعة صرفا . ترياقا مخدرا لذيذا قمة في الطرب المؤلم الممتع . المبكى المفرح يا عندليب انا عذراء اتلولب حول نفسي شعري عنبر شلال من حرير تهدل على كتفي غطى جبيني حجب عيني المملوءتين دمعا ساخنا انا انتفض وسط الغرفة أقف أجلس  أدور أرقص أرتعش أحملق فى وجهك الجميل يا عندليبا أسمر ما أقدس الروعة عندما تتظافر العبقريات لتخلق شيئا كله حياة . اسمه فن . روعة الكلمات مع روعة اللحن والعزف مع روعة الأداء . إنه العطاء حقا والكرم الجميل إنه الثراء ألمي سخي جسمى طرى كبتى كبير آمالي ضائعة حساسيتي مرهفة والنتيجة يا عندليب علامات استفهام عاجلة وعلامات تعجب آجلة

لماذا هدأت يا عندليب ؟ فيم تفكر هل هذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة أم هو هدوء الألم الصامت عندما يمتص رحيق الحياة من صاحبه دون أن يدرى ؟ الضجيج  من حولك .

الجمهور أمامك والتخت وراءك والأضواء فوقك وأنت صامت سابح في الصحارى البعيدة فى جبهات القتال مع الأبرياء المشردين على التخوم فى الأرض السليبة الرمل الحار سقاه الأبطال بدمائهم الزكية الخبز حرم منه الشيوخ الحلوى لم يعرف الأطفال طعمها حليب الأمهات الشابات جف من الرعب والألم على فراق الأهل والأحبة الكتاب لم يفهم القوم مغزاه الحرب متى تضع آوزارها ؟ . والسلام متى يحين ؟ والنائمون متى تكون يقظتهم ؟

فجأة ها أنت تصرخ يا عندليب وجهك ينقبض ولا ينبسط ماذا ؟ هل تذكرت لعلعة الرصاص على حدود القدس هل تذكرت أزيز القنابل تساقط على رؤوس السكان الامين تزيد قلقهم وفقرهم وصراعهم مع الحياة عاهات وقتل  وثكل وفناء ودمار . وتشريد وتقهقر حضارات وعمران وخبال فى العقول . وهيمان وقلق وإلحاد بكل القيم

موعود للعذاب للنار موعود صحيح موعودة لكل ذلك أحذيتى أدمت قدمي بحثا عن الشغل هل بقيت مؤسسة ما لم ادخلها لم اطرق باب رئيسها لم أشرح له وضعيتى لم أسأله عملا ؟ ! والكل بلا استثناء يصعدون فى النظر لحظة زمانية ويحرقون صبرى وأملى مع احتراق سيجارتهم ويرتشفون دهشتى مع ثمالة القهوة التى بين أيديهم ثم يفجرون على وجهى القنبلة المسيلة للدموع قنبلة الأسف : " نأسف أيتها الآنسة ليس لنا شغور "

كم كرهت كلمة الاسف  هذا البريد يحمل إلى كل يوم آكوما من الرسائل ردا على مكاتيب العمل التى بعثتها كلها تحمل كلمة الأسف الاهى أسفى من الأسف

عيد أى عيد هذا دعوني أضحك ملء اشداقي قد يكون العيد حقا عيدا عند الآخرين عيدا يلتقي فيه الأحباب . يمرح الصغار بأثوابهم الزاهية وأذهانهم الخالية وقلوبهم الصافية وألعابهم الصاخبة ويتنهد فيه الكبار ارتياحا بعد ضنى أنتج بهرجا ومظاهر خلابة أما العيد عندى فليس بعيد . إنه يوم أقل من العادة رقمه صفر على اليسار لم أجد بعض المليمات معلوما للبريد لأجيب معايدا صغيرا كان الوحيد من مجموعة الأصدقاء والأحباب الذى يتذكرني أنا بالذات ويكتب لى معايدة باسمى : آه يا صديقى

دعونى امارس طقوس الجنون دعوني أرقص أهدل شعري انتفه أبكى ألطم وجهى أذبح صبرى ووقارى ألقي بثيابى إلى النار حذار أن تتكلموا أن تتحركوا من أماكنكم غن يا عندليب ابك يا عندليب اصرخ يا عندليب جرح يا قيثار حنن يا مزمار دقدق يا طبل أيها المنشدون ايها المرددون ارفعوا أصواتكم أكثر زودوا النار فى قلبي فقد سئمت البرد والصبر غايتي أن يراق دمى أن تنسكب روحى مدادا على الأرض بخارا فى السماء غايتى ان أنسي . أنسى كل شئ انسى نفسي أنس أننى عذراء قاومت  الطبيعة وكنت نعجة الفداء في المعركة أنسي أننى كنت التلميذة

المثالية التى تسقط في الامتحان بسبب الإرهاق والتعب والخوف لا بسبب الضعف والكسل دعوني أنس معدلاتي الممتازة وأوراقي النظيفة وكد الفصول الأربعة مضاعفة دعوني أنس لجان الامتحان ونظرهم القصير لما بين أيديهم وعيونهم الجامدة ورؤوسهم الجبسية التى لا تلتفت إلى الوراء ولا إلى الأمام حسبها ما بين يديها أنس أنني بحثت طويلا عن شغل أى شغل فلم  أجد أنس اننى اصدم فى اليوم ألف مرة . وانس أننى حلمت  فى يوم ما بالجامعة

دعوني أدقق  على الأرض دقا موزونا أو لا موزونا المهم آن تتساقط ذرات من التراب في أطباق الحلويات التى تصنعها جارتنا الثرية الحلوانية شهية تلك الأطباق لذيذة تلك الأصناف زكية تلك الروائح تصنعها جارتنا منذ سنين وترسلها إلى حيث لا ندرى أنا لست طماعة ولا حسودة ولكن وجوه اخوتى شاحبة وطالما تطلعوا بأعينهم الصغيرة وتشمموا بأنوفهم الحمراء

غن يا عندليب كم أنت رائع يا عندليب ألست سعيدا يا عندليب ؟ لماذا يرتسم الألم ويصرخ الحزن على وجهك يا عندليب ؟ شعرك السبط الجميل يا عندليب على جبينك الأسمر يضئ كمرآة مؤطرة مصقولة يا عندليب أقدامك مركزة على الأرض كآنك سمرت بالمسامير لا ترقص لا تهرج يداك تشيران للأ فق البعيد صوتك الحنون يخترق الفضاء يمزق سكون الليل يثير الشجن يدر الدموع يرقق الأحاسيس

أحاسيس الجبابرة والطغاة والناس العاديين اه تذكرت يا عندليب بأعماق كبدك مرض خطير فى الياف حنجرتك تعب غريب بقلبك لا شك سر دفين فى حياتك يا عندليب نقطة استفهام كبيرة ؟ . آه يا عندليب ألست تجد البرء فى صراخ هذه الجموع الهازجة ؟ ألست تجد الراحة والسلوى فى صدى تصفيقهم فى هتافهم باسمك فى اعجابهم بفنك ؟ آنت تغنى من أعماق قلبك يا عندليب أنت تنسى الدنيا إنى أرى الغشاوة على عينيك أراك لا ترى أحدا لا تهتم بأحد الآلاف التى تغص بها الساحة الملايين التى تنصت لك بكل احساسها من وراء التلفاز والمذياع أنت لا تتصورهم في هذه اللحظة . لا تحاول أن تجاملهم أن تجيد من أجلهم لا   أراك تغنى لنفسك تغنى للفن مطلقا تغنى لي أنا أراك تعيش الكلمات بكل ما فيك من احساس أراك تتمرغ فى هذه اللحظة فى النار والعذاب والألم ومشاكل الناس أراك لحنا مطلقا فنا صرفا شئ عظيم أنت يا عندليب هكذا يكون الفن يا عندليب عطاء مطلقا أو لا يكون انا معك يا فنان لا أهتم في هذه اللحظة بأحد إلا أنت أنت يا عندليب أنت وأنا

قلت يا عندليب أني نعجة الفداء فى المعركة معركة أنوثتى مع الطبيعة أتعرف ما معنى ذلك يا عندليب أتعرف ما معنى أن تتحجر الأنثى فتصبح بلا احساس لا تعرف الحب . لا تفكر فى غذاء الجسد ؟ أتعرف ما معنى أن تنفر المرأة من كل رجل يمد لسانه ليلعق كلماتها يمد عينيه ليكتشف ما فى عينيها .

يمد يده ليغل يديها يمد قلبه ليتوئمه مع قلبها ؟ كل ذلك لسبب بسيط رضعته مع الحليب شئ اسمه الواجب . علموني يا عندليب أن من واجبى أن أكد لأكسب لأغير الوضع الموروث عن أجداد الأجداد أن انتقل بالعائلة من بيت متواضع إلى بيت محترم من السير على الأقدام . إلى السير فى السيارات المريحة من الآكل البسيط إلى الموائد العامرة شربت هذه الأحلام مع الحليب وظللت أشربها طوال طفولتى وشبابي .

كان أبى يقول لي = والسيجار فى فمه ووجهه المغضن ينضح تعبا ، وعيناه المكدودتان تفرضان الطاعة والاحترام - : " اجتهدى يا بنتى فأنا أنتظر منك تسديد الدين والقيام بالواجب " آه يا إلاهى أحقا من واجبى أن أسدد دينا لم اقترضه ؟ وكانت أمي تقول لي - فى الشتاء والعواصف تولول خارج غرفتي وهي ترعانى تدفئ الغرفة تزيدني الدثار تجهز لي الحساء الساخن والشاى المنعنع تقبل راسى - : " اجتهدى يا بنتى فكرى فى تحسين وضعنا أبوك لم يكسب عقارا لم يكسب حقولا لم يدخل مصرفا ماليا فى حياته كل دريهماته حرقها ثمنا لهذه الكتب لهذه الأوراق لتلك الأدوات المدرسية  التى تملأ الأركان من أجلك ومن أجل اخوتك فكرى فى أبيك الذي تقدمت به السن وعجز فكرى فى اخوتك الثمانية . فكرى فى رفع اسمنا بين الأسماء . كل أملنا أن لا تعرفوا الشقاء الذي عرفناه البداوة البدائية التى فتحنا أعيننا عليها وتمرغنا فى طينها ووحلها وشظفها وشقائها وقذارتها اسهرى يا بنتى اقرئى يا بنتى فموعد الامتحانات قريب والشهائد ترفع بيوتا لا عماد لها . فكرى فكري . "

ففكرت واجتهدت وسهرت وتعبت واحترقت وصبرت وخفت وفشلت وكررت واخيرا فرمني السن القانوني فرت منى الشهادة فر مني الحماس تدهورت صحتى وقالوا مسكينة وتهت في مفترق الطرق

غن يا عندليب أنا لا أسمعك جيدا يا عندليب اختلطت الأصوات في دماغي اختلطت الرؤى فى مقلتى المغمورتين دمعا أنا أرقص يا عندليب أصابني الصرع يا عندليب شعري يا عندليب انتف منه وأذروه للرياح تقديرا لفنك ووقارى يا عندليب أسفحه على أقدام الروعة روعة الحروف والآنغام  والاداء الحسن والقلوب الطيبة التكامل يا عندليب آه أين هو . وكيف يكون ؟ انظر يا عندليب أرأيت هؤلاء الكبار القابعين  حولي الأهل والجيران الفاغرين أفواههم الممسكين على قلوبهم من الدهشة والخوف فيم يفكرون ؟ ومم هم خائفون ؟ ولماذا لا يتحركون لتقييد يدى ورجلى ؟ لماذا لا يسرعون إلى الهاتف بخبرون الشرطة أو مستشفى المجاذيب ليسسرعوا بزجى فى غمرة الذين فقدوا عقولهم بعد أن مروا بظروف كظروفى أو آشد سوءا   . . إنهم بلا شك يا عندليب راقت لهم الفرجة رقصة جميلة محركة للأعصاب موقظة للدماء لعل كل واحد منهم يتمني أن يتخلى عن عقله يوما ولو لحظة ليفعل فعلى إنهم لا  يتحركون إنهم خائفون أن أرمي أحدهم بكاس أو بكرسي أن آسيل دمه أن أعضه من أنفه أن أمسكه من شعره وأسقطه أرضا . أو أن أجرده من ثيابه وأسفح وقاره آمره بأن يرقص عاريا أمام الملإ أجمعين إن كل هذه الأفكار تطوف برؤوسهم

لكنهم يدعون الفلسفة يدعون فهما لعلم الأنفس يدعون أن يوهموني بأنهم ليسوا موجودين في الغرفة ولا هم مهتمين بما أفعل لكي لا يقطعوا على حبل الجنون بما هو اعظم ولكى لا أرمي بنفسي فجأة من الشرفة أو آن أفتح الباب وألقى بجسدى الجوعان إلى السيارات تدهسه وينسفك دمى ليكتب على الطريق ذهبت ضحية البطالة والطموح الضائع والشرف المزيف .

آه يا عندليب متى ينتهى الألم ونستوعب النغم ونحقق الأحلام آه يا عندليب لم أعد أسمع لم أعد أرى لم أعد أحس أنا أكف عن الرقص عن التهريج عن التفكير أنا أسقط أرضا على وجهى يا . . يا عندليب

اشترك في نشرتنا البريدية