الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

هؤلاء المصلحون الاربعة ..، لم يكونوا مختلفين

Share

فى العدد الممتاز من جريدة البلاد السعودية الغراء ؛ نشر الاستاذ محمد حسين زيدان مقالا بعنوان : (( اتجاه الوعى القومى )) تكلم فيه عن أربعة رواد عظماء من كبار قادة النهضة والاصلاح فى العالم العربى والاسلامى وهم : الامام المصلح الكبير محمد بن عبد الوهاب ؛ والسيد جمال الدين الأفغانى ؛ والاستاذ محمد عبده والرحالة المصلح المشهور عبد الرحمن الكواكبى ..

وكان المحور الذى يدور عليه كلام الاستاذ زيدان (( أن هؤلاء العظماء الاربعة مختلفون ؛ فلو أنهم اجتمعوا فى مكان واحد وأدلى كل منهم بمبدئه ورأيه لتناكروا ... ولشب بينهم خلاف لا يبقى ولا يذر .. كل منهم سار الى غاية لا تأتى فى نظام واحد مع غاية الآخرين ، وكل منهم شب نار اليقظة فى بيئته ؛ وتحمل فى ذلك صنوفا من البلاء ... حتى جاء اليوم الذى توحد فيه اتباعهم ؛ وحدتهم المحنة ؛ وجمع شملهم المصاب فى أرضهم ودينهم وقوميتهم ؛ جمع بينهم هدف واحد ، هو إنقاذ فلسطين العربية المسلمة . ))

وهذا الكلام من الاستاذ زيدان لا غبار عليه إذا اكتفينا بشقه الأخير .. أما ما يقوله قبل هذا من أن هؤلاء الاربعة لو أنهم اجتمعوا فى فمكان واحد .. لتناكروا .. الى آخر هذا الكلام ... فهو ما نعتقد ان الاستاذ الكاتب قد جاوز فيه الحقيقة ؛ وأبعد كل الابعاد ..

ولقد كان كلامه عن الامام محمد بن عبد الوهاب ،ثم عن السيد جمال الدين الافغانى متفقا مع الواقع .. ولكنه فى كلامه عن الكواكبى وعن الاستاذ محمد عبده قد جانبه الصواب على خط مستقيم !

فهو يقول عن الاول : (( انه لم ير غير العرب امة يرجو لها النجاح ؛ فعمل على نشر الفكرة العربية ؛ لا يحسب للدين حسابا ولا يهتم بآداب الاجتماع !!! يرى الدولة أولا .. ويسعى لتحقيقها ثم ليكن بعدها ما يكون من شأن ... ذلكم هو السيد عبد الرحمن الكواكبى .. ))

هذا الكلام يقوله الاستاذ زيدان وهو الذى أعرفه كاتبا يكاد يكون متخصصا فى كل ما يتعلق بالتاريخ السياسى الحديث للامة العربية ؛ وفى كل ما يتعلق بحياة زعمائها السياسيين وغير السياسيين . !

هذا الكلام يقوله الاستاذ زيدان عن مؤلف كتابى (( أم القرى )) و (( طبائع الاستبداد )) وهو الذى ألف كتابه الاول لا لأى غاية من الغايات إلا الدفاع عن دين الاسلام والدعوة الى الرجوع الى تعاليمه الصحيحة ؛ ومحاولة إيقاظ المسلمين فى مشارق الارض ومغاربها من سباتهم العميق؛وجمودهم الطويل حتى يمكنهم ان يرتقوا إلى مصاف الامم الحية النشيطة العاملة ؛ ويعيدوا عهد الاسلام الذهبى كما كان عليه هذا العهد فى عصر الرسول ، وعصر خلفائه الراشدين . !

هذا الكلام يقوله الاستاذ زيدان ، عن عبد الرحمن الكواكبى الذى يقول فى كتابه (( أم القرى )) ما يأتى :

(( .. ان مسألة تقهقر الاسلام بنت ألف عام أو أكثر .. وما حفظ هذا الدين المبين كل هذه القرون المتوالية الا متانة الاساس مع انحطاط الأمم السائرة عن المسلمين فى كل الشئون ؛ الى أن فاقتنا بعض الأمم فى العلوم والفنون المنورة للمدارك ؛ فربت قوتها ؛ فنشرت نفوذها على أكثر العباد والبلاد من مسلمين وغيرهم ؛ ولم يزل المسلمون فى سباتهم الى ان استولى الشلل على كل اطراف جسم المملكة الاسلامية .. ))

هذا الكلام يقوله الكوا كبى ؛ وقد شاء أن يجريه على لسان رئيس الجمعية التى يقال:إنها انعقدت فى أوائل هذا القرن للبحث فى شئون المسلمين ؛ وتشخيص دائهم ؛ ومحاولة الاهتداء الى الدواء الواجب لهذا الداء ... وان كان الغالب والشائع أنها جمعية خيالية اراد الكواكبى أن يذيع أفكاره الاسلامية عن

طريقها على أنه سواء أكانت هذه الجمعية حقيقية أم خيالية ؛ وسواء أكان ما جاء على لسان أعضائها فى كتاب أم القرى صادرا منهم أم صادرا من الكوا كبى نفسه .. فالمهم هنا أن هذه الافكار هى من أفكار الكوا كبى .. وهى وحدها أكبر دليل على ان هذا الكاتب المصلح الغيور انما كان الدين قبل كل شئ .. هو محور ما يفكر فيه .. والدعوة الى الرجوع اليه هى شعاره الأول ، وهدفه المنشود !

ويقول الكواكبى فى آخر هذا الخطاب الذى أجراه على لسان رئيس الجمعية المذكورة ما يأتى ايضا :

(( ... فعلينا ان نثق بعناية الله لا نعبد سواه ؛ وبهذا الدين المبين الذى نشر لواء عزه على العالمين ولم يزل - للنظر لوضعه الالهى - دينا حنيفا متينا ، محكما مكينا ، لا يفضله ولا يقاربه دين من الأديان فى الحكمة والنظام ورسوخ البنيان ... ! الخ ))

وانا أسأل بعد هذا .. اذا كان الذى يقول هذا القول الواضح ؛ ويدعو الى الدين بهذه الدعوة الناصعة .. لا يحسب حسابا ، ولا يهتم بآداب الاجتماع .. فمن هو الذى يحسب حسابا للدين .. ؟!

أنا أسأل الأستاذ زيدان بعد هذا أيضا : ماذا يقصد من كلمة (( لا يهتم بآداب الاجتماع )) هذه .. لانى لم أفهم مقصوده من هذا ..

ولم يكن تجنى الاستاذ زيدان على الاستاذ محمد عبده بأقل من تجنيه على الكواكبى .. حينما جاءنا بهذه الكلمات عن الاستاذ الامام ، قال :

(( .. ونشأ الرابع فى مصر فرآى أنه لا رجاء فى الخلافة ولا جامع للعرب ، ثم هو ذو نزعة قومية ، فدعا لقومية ضيقة ... (( مصر للمصريين )) يرغب أن  يجعل منها امة واحدة ودولة واحدة تسير على أهداف من المدنية الغربية ، لا علاقة لها بالخلافة ولا شأن لها بالعرب . حتى لقد غلا بعض تلامذته فارادها فرعونية لمصر .. )) الى آخر ما يقول

والغريب من الاستاذ زيدان أن يقول هذا الكلام الصريح ؛ بلهجة الجزم

والتأكيد ، عن محمد عبده على حين أن سيرة هذا الامام معروفة ، وتاريخ حياته مدون . وكل من قرأ سيرة الاستاذ الامام وتاريخ حياته ، يعرف أنه كان أبعد الزعماء المصريين عن هذه النزعة القومية الضيقة ، وان فكرة (( مصر للمصريين )) انما كانت شعار غيره من الزعماء : لك يا أستاذ أن تقول : انه (( مصطفى كامل )) ولك أن تقول : انه (( محمد فريد )) ولك أن تقول : انه (( لطفى السيد )) ... فاما الاستاذ محمد عبده فلا أظن أحدا من الناس يقرنا إذا قلنا عنه هذا .. !

إن مؤلف (( رسالة التوحيد )) و (( الاسلام والنصرانية )) و (( الاسلام والرد على منتقديه )) وشريك السيد جمال الدين فى تحرير مجلة العروة الوثقى وفى جهاده الذى كان يرمى الى تحرير المسلمين جميعا ، وضم شملهم ، وتكوين أمبراطوريتهم ... ان هذا الامام لم يعرف عنه قط انه دعا الى قومية ضيقة .. فان صح عنه انه قال مع القائلين : (( مصر للمصريين )) فانما كانت هذه دعوة الى تحرير مصر من الحماية الطارئة عليها لا أكثر ولا أقل ..

ولست أدرى بعد كل هذا ، كيف يتناكر هؤلاء المصلحون الاربعة ،وكيف يشب بينهم خلاف لا يبقى ولا يذر .. -كما يقول الاستاذ زيدان - كيف يتناكر جمال الدين ومحمد عبده ، وقد كان الثانى تلميذ الأول ، وشريكه فى الجهاد ، وكيف يتناكر الكواكبى مع هذين الاثنين ، وقد عرفنا انه انما كان يدعو - كما كان يدعو الافغانى ومحمد عبده - الى الرجوع الى تعاليم الدين الصحيح ، والعمل فى سبيل الوحدة الاسلامية ؟!

وأخيرا كيف لا يتفق هؤلاء الثلاثة مع الامام المصلح الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وهو ذلك الذى كان السابق الى هذه الدعوة الاصلاحية الكبرى؟ . الا نرى أن دعوتهم جميعا واحدة ،شعارها الوحيد : (( لا يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح به أولها )) وغايتها وهدفها ، انما هو تحرير الدين من أوضار الخرافات ، والعمل على جمع كلمة المسلمين .

اشترك في نشرتنا البريدية