تعود " محمود " - فى آخر كل شهر - أن يضع مرتبه بين يدي زوجته قائلا :
- المرأة قادرة على التحكم فى المصاريف ، تدخر القليل مع القليل كي تواجه طلبات الأسرة .
سي " محمود " يتقاضى الاجر الادنى منذ زواجه ، يعيش على أمل الارتقاء من درجة الانسان الصفر الى درجة الانسان الرقم ، لم لا لعل الحظ يبتسم ؟
مع مرور الليالي وتوالى الايام والاشهر ، كل الاشياء في المنزل اتخذت شكلا غريبا وبدأت تزحف رمال التغيير : ستائر تحف أواني الطبخ حتى طريقة الاكل تطورت عن العادة وما زال سى " محمود " يتقاضى الاجر الأدنى
ربة البيت تتكلم بلهجة سخنة : فساتين أحذية ألوان زاهية . باختصار : " أناقة مستوردة ! ".
سى " محمود " لا يسألها الا نادرا :
- من أين لك كل هذا يا امرأة ؟
ثم يهمس الى نفسه :
- اخرسي أيتها النفس الأمارة ! المرأة قادرة على التحكم في المصاريف ، والقليل مع القليل كثير !
تغير مجرى حياة العائلة علامة استفهام تكبر مع الايام فى نفس " محمود "
الزوجة بالنهار ضحوكة جدا ! بالليل غاضبة جدا جدا تبكى حظها وتندب مصير أولادها الاربعة بين الجيران
أبحر الزوج فى عالم الاسئلة وهاجت في نفسه هواجس كثيرة تعجب لسخاء القدر
- ترى ما الذي جعل أم الاولاد تصمت هذه الايام وتكف عن طلباتها المزعحة أبهة اكثر من طاقة المرأة القادرة على التحكم فى المصاريف صحيح القليل مع القليل كثير . . ولكن هذا أكثر من الكثير أتكون مائدة نزلت من السماء ؟
بدأ بحث ، راقبها من بعد شاهدها ترمي بنفسها فى سيارة حديثة تتحرك في اتجاه معاكس للحى وقد توارت ، جمع أنفاسه وعاد يحدث نفسه
سألها مرة :
- من يكون ؟
قالت :
- أحد الزملاء صداقة بريئة مثل براءة اطفالنا لماذا هذا التوتر ؟ إنه شئ مألوف داخل العمل وخارجه بل أمر عادى جدا فى هذا العصر الحديث
فكر أن يثور مثل الرجال أن يحطم ما يحتويه المنزل أن يصيح في أطفاله :
- إن اباكم رجل مغفل بارد السلوك إن أمكم نعم امهم حقا ولكن هل أنا أبوهم فعلا ! ؟
فكر ذات مساء أن يرفع يديه فى وجهها أن يمزق شعرها أن يتوغل فى تعنيفها ليضع حدا لنزواتها المجنونة ، عندما غضبت وهزت أركان البيت واتهمته بالتخلف قائلة :
- انت رجل شرير الطباع تشوه كرامتي حاول بأن تبحث عن عمل فى المساء لتسدد جزءا من العجز المادي الذي نعيشه عوض ان تفتح محضرا فى شأن علاقاتى مع الآخرين
تعزي بالاولاد لفه الصمت احتمى بغرفته لعن الشيطان قال :
- لعله الشك لعله الوهم
زوجة " محمود " رائعة الجمال ذات وجه مليح يخطف الابصار بسرعة البرق صاحب السيارة شرع يذكرها بمحاسنها وخصالها يتودد اليها ساومها فمانعت . . البضاعة ملك لغيره . . لكنه استدرجها بلطف . راوغها مرة ثانية وثالثة ضاعف المبلغ . . قبلت . . اشترى . . بدأت حياة جديدة تحت اسم مستعار .
فى يوم من ايام شهر ديسمبر ، تلقى محمود " من رئيسه المباشر زيادة محترمة فى مرتبه الشهرى . . تحمس للفتة الكريمة . . خرج على غير عادته من المكتب وقد أشرق وجهه من المفاجأة فى غمرة فرحته تمشى أمام مغازات العاصمة :
- لا بأس بدلة جديدة بهذه المناسبة حتى تتشرف سيدتى وتتأبط ذراعي فى المناسبات
أسرع الى البيت يهتز للخبر السعيد . . يفحج بالثوب الجديد . . وعلى غير ميعاد فتح الباب ليزف الثوب والخبر سكت . جمد فى مكانه برهة . تأمل ما يحدث انتابته حالة غليان كادت تتوقف دورته الدموية :
- سيدة البيت . سيدى يجلس بثقة وحرية بدخن خرق القانون . . قانون الروابط الزوجية وحرمة السكن
غيوم من الدخان ملأت أرجاء الغرفة فتراءت اليه كل الاشياء أشباحا تتخبط فى جو قاتم حزين القى بالفستان الجديد على العتبة اوصد الباب برفق وخرج عاد أدراجه من حيث أتى .
سيدة البيت انزعجت هرولت وراءه مرتكبة الزيارة مفاجئة . . عملية حسابية خاطئة . للمرة الاولى تكذب الارقام ! شعرت بالهزيمة تعثرت فى خطواتها ضربت وجهها متحسرة . . وبقيت تنتظر بقية النهار . . جاء الليل كاد ينقضى " محمود " لم يعد . . نام الاولاد يتساءلون حتى الصباح وفى الهزيع الاخير من الصباح تلقت رسالة :
- سيدتى لا تتحيرى لا تندمى عما فعلت انا السبب ، لاني تركت الأشياء الصغيرة تكبر ، لم أكن على دراية كافية بخبايا الامور فتحت الابواب على مصراعيها فشنت الرياح علينا عاصفة هوجاء اسقطتني انا وحدى على الارض بعنف فمن الصعب الآن أن انهض واستعيد وعيي
لا تسخرى مني انت امرأة شجاعة عاقلة يعجبني فيك التحدي لا تخافي فلن ارفع قضية فى الطلاق انا عاجز بأن أدفع لجلالة المحكمة كل المصاريف اطمئني على الاولاد فالحضانة من نصيبك مرتبى مخجل لا ينفع فى هذه المواقف بعدما اصبحت حطاما وانعدمت معانى كل الاشياء المحيطة بى ! انقلبت المفاهيم والأوضاع فأمسيت بلا لسان بلا لسان لأنى ظلمت نفسي يوم أعلنت زواجي منك
اتذكرين يوم التقينا . . تحادثنا طويلا . . كل منا طرح أموره أمام الثاني قلت :
- حبيبتي أنا عامل بسيط أعيش يومي اخاف عليك من لعنة الزمن ! قلت :
- حبيبي . . لا عليك سنبدأ بالقليل ، انا امرأة متواضعة . . قنوعة ، امقت التقاليد والعادات البالية سنجاهد معا !
ارتميت بين احضانك فرحا كالمعتوه . . كالجاهل . . انسان متخلف . . هارب من حياة الفراغ القاتل قبل أن يفلت من قارب النجاة حسبتك بر السلام السعادة الاستقرار الحصن المتين والمرأة التى ترفع من منزلتى رغم ضعفى كان اختيارك لي بحرية فصرنا على ذلك الوضع بدأت حياتى معك كنت أكثر الرجال تفهما واحتراما لك ولكن للأسف ! القدر لم يحقق لى ما كنت أنشده مرت بى ايام صعبة لا أفهم ما يحوم حولى من غموض ، وعندما لعنت الشيطان وطعنت الشبهات وانجلى الشك من خيالي كانت المباغتة : غارة سقطت على بيتي فدمرته ودمرت أحلامي دفعة واحدة بكل وحشية امسيت جريحا جراحي عميقة يصعب شفاؤها بعد ما وقع الاستيلاء على متاعى واختلس كرامتي " رجل يملك سيارة " ولم يبق لنا شيئا يذكر بيننا .
سيدتى :
كم من مرة وقفت أمام واجهات البنوك ومحلات المجوهرات ! اتفرس في الوجوه اليقظة والحائرة فى حجم الحقائب اخطط أمني نفس بصيد ثمين كى أرضيك و نرتفع الى فوق واحافظ على جمالك من قساوة الحياة كي أعود للأولاد بالهدايا لأشاهد الفرحة تقفز من عيونهم
كالعصافير لكن فرائسي ترتعد لحظة التنفيذ انهار وقد كدت انقض على الفريسة أذكر ساعة التحقيق الحرجة فأتراجع صورة السجن البشعة تزيل الغشاوة عن بصرى أقدام الجلاد تدق فى اذني يأخذني إلى حيث لا شفقة ولا رحمة .
سيدتى :
كابوس الفقر الذى كان يخيم على البيت ارحم والذ لي من أن اعيش كل ايام حياتي الآتية اتساءل :
- هذه الطفلة هل تشبهني هذا الطفل هل يستحق ان يحمل اسمى ؟
احتار بأن اعرف الحلال من الحرام ليتني ما عرفتك ! عندما نعرف الحقائق المرة يكبر الصراع فى نفوسنا يكبلنى الحزن وانقب فى داخلي عن بقايا رجولتى وتبدأ رحلة العذاب بلا رجوع . إنه الضياع يا سيدتى
اه لو يدرك الاطفال أية لعنة تنتظرهم في مجتمع لا يرحم اخطاء الآخرين مجتمع تقتل فيه الفضيلة بسكين الذل والسخط والاحتقار . . أطفالنا متعبون يحترقون الفجيعة فى كل آن يبتلون بالفضائح وهم ما زالوا زغبا صغارا . فكيف سيكون لهم شأن فى هذه الحياة بعدما تنكبت الام عن الدرب السوي وتاهت فى زحمة المتناقضات فريسة سهلة للتهور . والطوفان ؟
سيدتى :
هذا المجتمع المتحضر الأناني المنافق الموغل في الحضارة المجنونة القاسية البشعة فى لحظة عاهرة يقتل فى أعماقي طفلا وديعا رجلا شرقي الطباع
منذ لحظة الأمس التى تم فيها اغتيالي على عتبة البيت - القفص كنت أوشك ان أزف لك خبرا سعيدا وفستانا جديدا منذ تلك اللحظة وأنا أنفذ فيك فكرة الهروب من القفص قفص الذكريات ذكريات مؤلمة ثقيلة الوقع على نفسى الى أبعد الحدود تلك الرقعة الضيقة تخنقني نعم الهروب افضل لى قبل ان الطخ يدى وثيابى فيتهموننى بالجنون وأجعل من مأساة قضية قبل أن تشتد نقمتى نعم يا سيدتى انا لست قادرا بأن أصلح ما فسد . . لحظات مرت بى تحطمت فيها ضلوع الامل المريض فكرت ان أتحدى الضمير والعدالة فأعطيك حقنة تنتهى بها الآلام والفضائح
يموت اللقاء بيننا بلا ضوضاء فأتقبل التعازي لكن تحاشيت الاصطدام مع الله لا لأني رجل مغفل . . قصير اليد . . فقط من أجل الحفاظ على اطفال ابرياء يحملون اسمى غربة يصعب عليهم فهم ما يحدث من حواليهم ولأني لا أجهل مأوى اليتامي عندما يقبرون الأم . لذلك شلت حركاتى بالأمس . برودة سرت فى جسمى . . خرجت مطعونا بلا شفقة . . كأن سلاحا ابيض يفرت أحشائى . . يكدسها أمامى على عتبة البيت . . انا مطعون من الصدر . من الجبين ومن البطن لست ادرى ما وقع بالضبط قلبي قفز من مكانه فاختطف لسانى وشفتى وعلق صوتى جثة تتدلى فى عقدة الانتحار
سيدتى :
انا لست بجبان لكنى هارب من زمن ياكل فيه الانسان الانسان انياب الوحش شارة على صدري .
سيدتى :
زمن ردىء زمن تطمس الاحوال فيه الكرامة فتنتحر فوق صدور الرجال زمن يتعرى فيه الرجل يتعرى فى الشتاء والصيف يخفي عورته بيديه . . بجريدة في يده خليعة . . بمجلة مستوردة . . بكنش فيه الحسابات فيه أرقام هواتف العشيقات .
سيدتى لعلك ستقولين بعدى :
- ما أحلاها عيشة الحرية
قوليها كما يحلو لك ، ابحرى بلا مبالاة ضد الزمن ؟ يغمرك الطوفان جمالك لعنة فى أسواق المدينة . جمالك قفص وانا هارب منه هارب من قفص الاتهام هارب من قفص العبث والدحر والخطيئة هارب من كل الاقفاص بلا عودة . . هارب الى الغربة الخلاقة . . فلا تنتظريني أيتها الغربة القاتلة
