الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

هجرة

Share

فتح الحنفية ، فانهال عليه الماء البارد من غرب الدش ، وغمر شعره ووجهه ، ثم كامل بدنه ، اكتنفته لذة جسدية قصوى وهو يحس بالسائل المضمخ بعطر شعره ينساب فوق بشرته باردا . . ناعما . . ويتسرب الى كل مناطق بدنه ويغزو زواياه المكشوفة والمستترة ، راويا فى مسيرته تلك المسام العطشى المتلهفة التى كانت منذ حين تنز بالعرف الدبق . . . شعر بالحرارة التى اختزنها بدنه فى ذلك اليوم القائظ من ايام اوت ، تنطفىء وتتبخر وتحل محلها رطوبة منعشة . . اسلم جسده للماء يفعل به ما يشاء . . وراح يتلهى يتتبع مسالك الماء . . وهو ينزلق نحو المأسورة ثم يختفى ٠٠٠

استطاع ان يتصور اشعة شمس الجنوب المتوهجة فى الخارج وهى تنسحق على الارض ، وعلى الازفلت ، وتتكسر على سطوح منازل القريب البيضاء الواطئة ، وتتشتت حرارة وتشيع ضوءا ساطعا يغشى العيون فازداد استقبالا للماء البارد ، وتمنى لو يبقى تحت الدش مدة أطول ، كى يتزود من الرطوبة المنعشة بما يكفيه لمقاومة حر يوم كامل . فتح فمه وعب من الماء ما ملأ بطنه .

هذا هو صيف بلاده . . وهذه هى الحرارة التى تشوق اليها كثيرا وهو يعانى من لذعات البرد الذى لا يرحم فى المانيا ، ويتقيه ! احيانا بمعطفين فيضحك منه زملاؤه الالمان . صيف بلاده ايضا لا يرحم . . لم لا يذهب الى الشاطئ شأن بقية خلق الله . ان هذه العادة الجميلة لم تدخل فى دورة حياته الدموية . . ولا بد فى كل الحالات من سيارة . وهو لا يملك سيارة .

فى العطلة القادمة سيشترى فولزفافن او فورد او حتى ر 12 . لكنه لا يبيعا هنا ، على غرار ما يفعله زملاؤه . . بل سيتمتع بها ، ويمتع بها اسرته ، سيحملهم على متنها كل يوم ليذوقوا نعيم الحياة الحق . . انهم مدفون بين جدران أربعة يتنفسون الغبار الجاف وروث الدواب ، والماء القذر الملقى فى كل شارع وزقاق . . وصبح يكره قذراة قريته . . .

ضبط نفسه يتكلم بصوت مرتفع ، والماء ينثال على رأسه . ضحك من نفسه ومد يده ليقوم بتلك الحركة التى أجلها مرارا . . ادار الحنفية . . وانقطع الماء . . . ظل واقفا يستقطر بدنه . . ثم تناول المنشفة وجعل يجفف جسده . . ارتدى ثيابه وخرج استقبلته نسمة لينة . . منعشة داعبت فوديه وقذاله ، هل برد الطقس ؟ . . كلا ؟ . . انما شعر بفعل ملامسة الهواء الجاف للبرودة التى لا تلبث ان تجف بعد وقت قصير بفعل الحرارة

قفز فكره الى المانيا ، وتراءت له " كورت " كرمز حى لها . . . . كورت تتراءى له دائما ضاحكة الثغر ، منفرجة الاسارير . . . انه ما يزال محتفظا بصورتها فى محفظة نقوده ، خوفا من ان تقع يد مباركة عليها فتساورها الشكوك . . . كان يحملها دائما مع بقية اوراقه بحذر وكان يحس بها فوق قلبه ، فيعتريه شعور بالذنب ، وينظر الى وجه زوجته الطب فيمتلىء قلبه شفقة عليها . . . وباندفاع تلقائى يقول :

- ما اجمل عينيك ! وعبارات اخرى استوردها من المانية مع ما استورد من عادات جديدة . . قد تكون " كورت " هى التى لقنته اياها . . وربما ينزلق اسم " كورت " على لسانه ، فترفع فيه مباركة عينين ساذجتين بريئتين ، وكأنهما تتساءلان عن معنى كلمة كورت " فيبتسم هو واثقا من نفسه لانه قد اعد الجواب

- كورت بالالمانية معناها حلوة وستضحك عند ذلك للاطراء ، ويحمر خداها خفرا . ماذا يحدث لو وقعت يدها على الصورة وعرفت حقيقة علاقته " بكورت " . تمزق الصورة وتقذف قطعها بعيدا ، فى حركة غاضبة ثائرة ؟ كلا . . . لن تجرؤ على اتلاف شئ من امتعة زوجها . انها تقدره . . بل تكاد تقدسه .

كانت قبل ان يسافر ، تسمح لنفسها بمناقشته الحساب في المسائل العائلية . لكنها الآن لن تجرؤ على ذلك ، فقد اضحى حسن بعيدا عنها ، لن تستطيع التطاول عليه . . حفر خيالها بينها وبينه هوة ، حشدتها بالاكبار والاحترام . . نظافته . . بشرة وجهه . . ربطات عنقه الزاهبة . . نقوده

التى تملا محفظته . كل هذه الأشياء ابعدته عنها . لكنها كانت بكل ذلك سعيدة ، وكانت ايضا شقية لانها تدفع الثمن غاليا . . حرمانا دائما

فى الليالى الاولى غداة سفر حسين لم يغش النوم عينيها ، لانها وجدت نفسها بعد عام ، وحدها فى فراش كان يشاركها فيه رجل . . كانت تتقلب عليه وقلبها فى حنجرتها . حسين اين انت ؟ . وتتحسس بطنها وتقول . . ها هو ذا حسين . . وتسيل الدموع من عينيها ، حتى تبلل المخدة . . لكن ذلك . . من حسن حظها لم يدم طويلا فقد الفت فيما تلا من الايام ، الفراش والوحدة قانعة بمسامرة الآمال والاحلام . . وصار النوم ذلك الملاك اللطيف الرقيق يأتيها فيحملها بعيدا . . على جناحيه . . . . الى عالم حافل برؤى الحب والحنان لكن الشوق . . الى جسد ذلك الرجل الغائب كان يتفاقم . وتقدر المدة التى تفصلها عن اجازته المقبلة فتجدها ما تزال طويلة . مسافة من الحرمان تتراءى لها كالنفق المظلم ليس له نهاية . . . فيعتريها الدوار . .

" كان هنا . . يعمل ويكسب قليلا . لكنه كان هنا بقرب الفقر افضل من الغربة والحرمان . . غربته هو . . وحرمانهما معا . . لا بل حرمانها هى . . اما هو . . فالمانيا تعج بالنساء المليحات . . لم تشعر مع ذلك بالغيرة . انهن حقا جميلات وان زوجها - لن يثبت - شأنه شأن الآخرين - امام اغرائهن وفتنتهن لم تدينه اذن ؟ لن تسمح - اذن - للغيرة ان تسمم حياتها ، يكفيها من الايام ذلك الحرمان . . . . تتصوره يطوف بالشوارع والى جانبه احداهن . . اختار لها خيالها اوصافا : شقراء ذات شعر طويل ملقى على كتفيها . . وجه مستدير ، عينان زرقوان . . . . واستقرت هذه الاوصاف مع الايام فى ذهنها ، وازدادت مع الحاح خيالها وضوحا حتى غدت صورة تلك المرأة حية فى ذهنها ، تكاد تلمسها وتخاطبها فتسمع جرس صوتها يهمس رقيقا فى اذنها . . من اين استقت تلك التفاصيل ؟ . . .

اخذت تسأل ذاكرتها وتلح فى السؤال . . . وتعتصم الذاكرة بالصمت حتى كان يوم

انفجر الاسم فى رأسها : " نيكول " . ان التفاصيل تنطبق على فتاة سائحة ، زارت منزل احد الجيران

اذن ، تلك هى صديقة زوجها ، وضحكت من نفسها . . وظلت تضحك كامل اليوم وهى جذلى . . كل ذلك وهم فى وهم . . زوجها برئ من التهمة

. . . لكن خيالها مع ذلك . . لم يتخل عن الصورة . . بل ازداد تشبثا بها كرمز حى لعلاقة زوج غائب ، بامرأة أوروبية

جاءتها رسائله ، وقرأتها ، واعادت قراءتها ، حتى حفظتها ، واتتها صوره الملونة ، فتفرجت عليها مرات وأرتها للقريبات ، والزائرات . . ووافتها هداياه من الثياب فلبستها . . وبدأ تتشكل فى ذهنها صورة . . عن المانيا . انها فردوس ونساؤها حوريات وفى وسطهن النموذج الحى الذى ارتضته رفيقا لزوجها . . . نيكول . . .

يهاجمها الحنين اليه . . فيحز فى اوصالها كالسكين الحاد . . لكنها تواجه قدرها صامتة . . . فمثيلاتها كثيرات : درعية مثلا . . سافر زوجها عنها ، ولم يمض على الزفاف اسبوع ، تركها عروسا تبكى . . . . اما هى فقد عاشت مع حسين عاما . وما تزال تلك الليلة الاخيرة ، ليلة اول وداع ، عالقة بخيالها ، لن تتساها ابدا ، لقد كانت فاصلا بين عهدين ، وبين حسينين

حين عاد فى اول اجازة له ، تأملته جيدا ، فالفته قد تغير ، زال عنه ذلك الاغبرار ، ولانت تلك السمرة الخشنة التى كانت تكسو بشرة وجهه . وفى الليل ، حين دنا منها شمت رائحة النساء ، تتضوع من اردانه . . وقفز الى خيالها طيف نيكول . . ولم تشعر فيما سبق من الايام حدة حضور تلك المرأة كما شعرت بها فى تلك الليلة . . . حتى انها تساءلت : أهو لى . . . . أم لها ؟

انه لها ، على الاقل من الناحية المدنية . فرحت ، وطغى فرحها على وساوسها ، لما تذكرت انه والد ابنها مراد . . مراد ! يا وردة معطارا فى حديقة غناء . . يا نفحة من الله تعبق بأريج فواح يملا خياشيمها كل صباح يذكرها بان حسينا لها الى الابد . . ليفعلن ما يشأن لن يتجاوزن السطح سيعود حسين فى يوم من الايام ويقول : لن اعود ثانية إلى اوروبا سأستقر نهائيا فى أرض اجدادى . . لقد مللت الغربة . . . والحنين اليكم ، آن الاوان لاظل الى جانبكم . . عندئذ سيكون لها وحدها . . وسينساهن جميعا . وينسى خاصة تلك النيكول

ابنها مراد . . لقد انجبته يوم زفاف ابن خالتها . . كانت حاضرة بالحفل . أحست بألم حاد يخترق احشاءها ، ففزعت ، وأيقنت ان ساعة الوضع دقت . هرعت الى عمتها التى دعت احد الجيران ، فحملهما معا الى القابلة وهى تغالب الصراخ بمنديل وضعته فى فمها .

تولت القابلة فحصها ، واعلنت ان الوضع سيتم بعد بعض دقائق ، وطلبت ملابس الوليد المنتظر . . فعادت العمة وجاءت بملابس الوليد ، وما ان فتح بها الباب ، حتى تناهى الى سمعها صراخ حاد ، واعلمتها القابلة ان إبنة اخيها وضعت مولودا ذكرا . دخلت فوجدتها ممدة على السرير فى قلب الصالة ، وقد احاط اطفال القابلة الاربعة بالوليد فرحين واقترحوا ان يسموه مرادا ٠٠ .

حكت له كل تلك التفاصيل فى الليلة الاولى ، واعادت حكايتها ، وشاهد حسين ابنه واحست بأنه هديتها الثمينة اليه ، ولن تضاهيها هدية وملأها شعور بالفخر والرضا ، ساعة رأته ينحنى على ابنه ويقبله ويقول لها انه جميل

وسارعت هى الى إجابته

يشبه اباه

وهمست لنفسها سعيدة : انهن لا يستطعن ان يصنعن له هدية مثل هذه . لقد غمرتها فى تلك الليلة سعادة . . . سعادة لطيفة ناعمة . . احست باناملها الرقيقة تداعب . . صدرها . . وتلاطف اعصابها . . جعلت تملأ خياشمها من رائحة زوجها

وفى الليالى الموالية ، اخبرته بكل جديد حدث فى القرية ، وكان هو ينصت ، ويعلق ، ظنت انه نسى بعض التفاصيل ، لكنها الفته كالعادة يذكر حتى اسماء الاطفال ، اذن لم يتغير حسين . . ظل على عهدها به . لم تجد آثارا لبصمات أنثى على جسده ، لو كانت له خليلة يحبها لما اولاها كل هذا الاهتمام ولما اصغى الى احاديثها بتلك الأذان ، ولما سكب على مسامعها كل تلك العبارات الرقيقة المنغمة التى تعلمها فى المانيا . . . والتى لم يقلها قبل ان يذهب . . لقد علمته المانيا حسن التصرف ورقة الحاسيسة . . لن تنسى قوله :

- اتعرفين يا مباركة ماذا افتقدت خاصة هناك . . . عينيك السوداوين . . فى المانيا لا توجد امرأة واحدة تملك عينين سوداوين ، وفيهما ما فى عينيك من كآبة انهن هناك ينظرن اليك مباشرة . . . لقد ملأتها تلك العبارات ثقة بنفسها ، لانها ما تزال تملك فى نظره ، رغم ان عينيه مرتا على آلاف من النساء . . الفتنة والاغراء

لكن ما معنى " كورت " بالالمانية . . لو سألته لضحك منها .

لقد ادركت بغريزتها ان " كورت " لن تكون الا اسما لفتاة . . اجل ان لسانه كان ينطق بها بطريقة توحى بذلك . . " فكورت " هى خليلته اذن وليست نيكول . . . وبدأ السؤال يلح عليها مع الايام حتى اقتنعت فى النهاية بأن كورت ليست الا اسما لخليلة حسين زوجها ، لقد ترددت على لسانه مرة ثانية ، وثالثة ، وفى كل مرة ، تشاهد وجهه يصطبغ بحمرة خفيفة سرعان ما يزول ظلها ، ويشرق وجه حسين بآبتسامة كالاعتذار ، ولكنه لا يتلفظ بكلمة . لن تجرؤ على سؤاله ، بدون شك . . ولن تلومه ، فهو فى كل الحالات معذور ، لكن الفضول الى معرفة شئ عن تفاصيل علاقته بها ، بدأ يستبد بها . . تمنت لو يحدثها من تلقاء نفسه . . . ستشعر بالغيرة بدون شك ، ولكنها ستشبع فضولها . . من حكاية غرامهما . وعجبت كيف يتسع قلب الرجل لامرأتين . كلا لا يمكن ان يحبها ، انها عشرة جسد لا اكثر ولا أقل . . اذن فان امرأة أخرى - كورت تشاركها فيه !

- ماذا اعجبك من الهدايا ؟ صوته قد ازدادت نبراته عمقا ورنينا - كلها - خاصة - كل ملابس مراد - ومن بين ملابسك انت ؟ - الفستان الاصفر صمت لحظة - لقد اقتنته " كورت " - من كورت ؟ - زميلة لى فى المعمل كادت تقول له : عشيقتك ! - انتما صديقان - اجل ، وتلك هديتها اليك - بالطبع ، انها تعرف اسمك ، واسم مراد

ثم بعد لحظة :

- وشاهدت صورك - هل أعجبتها - جدا - احسست بها قريبة منها - أشكرها - وانت ماذا ستهدين اليها ؟ - لا ادرى . . سأفكر . . هل هى جميلة ؟ - لا ادرى . . - ألديك صورة لها صمت . . . ربما كان يفكر فى التخلص من الاجابة - اجل قام واخرج من محفظة نقوده صورة لها ، تأملتها . لم تكن كورت جميلة . احست بشئ من الراحة والانفراج

- ما رأيك ؟ - لطيفة اعاد الصورة الى مكانها - اتغارين منها ؟ - لماذا ؟ . . ألم تقل أنها زميلة لك فى المعمل اطلق زفرة وقال

- فى المانيا لا يستطيع الرجل ان يبقى وحده سيحدثنى عن مغامراته . . لا مناص من ذلك . . ليتنى لم اثر هذا الموضوع انه لم يصبر ، لعله يريد تعذيبى . . على اية حال لا بد ان اتظاهر باللامبالاة . . . ليكن ما يكون لكن قلبها كان يخفق . . ثم غلب حب الاطلاع فى النهاية على الخوف من المجهول . عاد الى الكلام

- انهن يشتغلن معنا ، لا تفارق عيوننا وجوههن . . وانفاسهن . . تلفح وجوهنا . اتسأله هل يحبها ؟ كلا . . انها مقامرة خطرة لن تجرؤ عليها واصل :

- ولكنى اخترت على اية حال افضلهن ، فكورت من عائلة طيبة - متزوجة - أجل - وكيف تحمل صورة امرأة متزوجة - ليست بيننا سوى الصداقة - وزوجها يعرف ؟ - اجل لقد دعانى لعيد ميلاده - ولم يقل شيئا - انهم ناس متحضرون اما نحن فناس بدو فى الحقيقة ، ما تزال الغيرة محور علاقتنا .

- انت معجب بهم - اجل - ولكنك قلت مرة انهم يكرهون العرب - ليسوا كلهم . . على ان ذلك لا يمنعنا من الاعتراف بتفوقهم علينا استرسل كالعادة فى حديثه على المانيا بشئ من الفخر . وكانه ساهم فى بناء حضارتها . ولكنه كان فى استنتاجاته حزينا مهموما يرثى لبنى جنسه

من العالم ، فما يزال جنسهم اعتقادها افضل جنس ولكنها اكتأبت لاكتئاب زوجها ، غير انها لم تواصل التفكير فى هذا الهموم . انها للرجال . . . بل انصرف ذهنها الى التفكير فى " كورت " . . وفجأة اعتراها احساس باللاجدوى اذن فهو غير محتاج لى ما دامت " كورت " بجانبه تغدق عليه عطف الروح ودفء الجسد . . والرفقة ، الم يقل انها افضلهن ؟ لم يعود الى بلده اذن اشوقا الى شورعها وبنيانها وناسها ؟ . وعذبها هذا الاحساس " بالثانوية مدة . . حتى كان يوم

- لقد قررت أن أحملك معى الى المانيا - الى المانيا ؟ - نعم لم افاتحك بهذا من قبل لانى كنت مترددا ، والآن اقتنعت تماما بانه لا بد من حملك معى الى المانيا

- انا وابنى فى المانيا ؟ - لست الاولى والاخيرة لم تجب . . بل انها لم تتصور انه جاد فيما يقول ، لكن وجهه كان صارما وملحا .

- سأؤجل العودة ريثما اتم الاجراءات . وأعد لك جواز سفر الم تشعر فى البداية بالرهبة وكأن تلك الكلمات لم تنفذ بعد الى المنطقة الواعية فى دماغها لكن الخوف من المجهول سرعان ما اجتاحها . عاد هو الى الموضوع مرات اخرى وشرع فعلا فى انجاز الاجراءات

- لم فعلت كل هذا ؟ . . - لانى لا استطيع ان استمر فى العيش بعيدا عنك كان كاذبا اذن ذلك الشعور بثانويتها ولا جدواها جعلها هذا تغفل عما ينتظرها . . لكن بعد ايام ادركت خطورة المغامرة التى هى مقبلة عليها ستفارق أهلها وأقاربها . . وعالما ألفته وألفها . عالما لا تشعر فيه بالغربة الزمنية او المكانية . . . ألم يقل زوجها انهم متقدمون عنا اشواطا . ستفارق بيتها وأثاثها وفراشها . . سيلقى بها فى عالم غريب محفوف بالمخاطر بين ناس يفكرون بطريقة مخالفة . . ويرون الحياة . . . بعين اخرى . . عالم قال عنه زوجها انه متقدم وبدا لها ذلك التقدم فى صورة وحش كاسر يبتلع البشر الضعاف امثالها . احست بالوحشة والعطف على المنزل الذى ستفارقه . وعلى اثاثه المتواضع ، ليت زوجها يعدل عن حملها معه . . وتذكرت

- وامك . . اتتركها وحدها - امى . . ستذهب الى بيت ابنتها - وهل خاطبتها فى الامر - بالطبع - ورضيت ؟ - بعد ممانعة - رضيت مكرهة .

- اذن ستسافرون جميعا الى المانيا

- نعم ولن تبقى وحدك يا اماه . . ستذهبين الى بيت ابنتك - لن اصبر على فراقكم يا ولدى . . لم تحرمنى من مراد ؟ . شاهد الدموع تترقرق على خديها واحس بالالم يحز فى قلبه . لكنه كان لا يملك القدرة على التراجع ، لقد اعد كل شئ

- لا تحزنى يا اماه . . . سنعود فى الاجازة القادمة - لم فعلت بنا كل هذا يا بنى ؟ - انظرى يا اماه لقد فكرت طويلا ورأيت انى لن أنجز شيئا بمرتبى ولن اتخلص من ديون منزلى الذي ابتنيته بمرتب واحد . . وستطول بذلك غربتى . . فاحببت ان استعين بمباركة لاقصر غيابى عن بلدى - اذن فمباركة ستشتغل هناك . - اجل

الناس يتحدثون عن سفر مباركة وزوجها والنساء يكثرن من زيارتها والحديث اليها وفى الايام القليلة التى سبقت موعد السفر ، اخذت تشتغل باعداد نفسها ، واشتغل خيالها بحشد التفاصيل ، وتكوين صورة عن المانيا لكن ذلك لم يفض بها الى تكوين مشكل متكامل عنها . مباركة التى لم تعرف من المدن سوى المدينة المجاورة ستطير الى المانيا

- ستسافرين على الطائرة احست بالخوف الحقيقى . . الخوف من الموت . . ستظل ساعات طويلة معلقة بين السماء والارض . . ليتها تصاب فى الطريق بالاغماء حتى تجد نفسها فى غمضة عين هناك فى البلد الغريب . . . اخذ شبح الخطر يتضخم كلما اقترب موعد السفر حتى كاد ذلك يطغى على لوعة الفراق . . وبدت لها الطائرة هى الاخرى شبحا مرعبا . . صنعته يدا ذلك التقدم الوحش . وتتحدث الى زوجها عن خوفها فيضحك منها ويقول لها :

- معك حق . . كل الناس يتهيبون ركوب الطائرة اول مرة لكنها الدقائق الاولى فقط ، وتتعودين - وهل حصل لك انت ايضا ذلك ؟

- طبعا . . لكن بدرجة اقل ، لانى رجل احست بفضل الرجولة على الانوثة . . وتفوق الجنس الخشن على الجنس اللطيف وتمنت لو كانت رجلا . . ان انوثتها تثقل عليها . . تمنت لو كانت على الاقل امرأة عصرية ، انهن اكثر شجاعة وخفة . . لا شك ان كوريت لا تعانى عقدة الضعف هذه . . وجرها ذلك للتفكير فى نوع الملابس التى سترتديها .

- مثلهن طبعا . . انك ستشتغلين - سأشتغل ؟ - بدون شك - أمن أجل هذا اذن تحملنى إلى هناك ؟ - من اجل هذا وغيره - لم لم تخبرنى من قبل ؟ - ربما لانى لست متأكدا من أنك ستشتغلين - ومراد من سيعنى به . صمت - ما رأيك لو نتركه هنا لامى - لن اوافق مطلقا لانى لا اتحمل فراق ولدى - تتعودين - كلا

حل يوم السفر عادت لحسين المشاعر القديمة وجاء الاقارب يودعون ويبكون . . وفى ساعة متأخرة عادوا الى ديارهم وخلا حسين الى زوجته : - تجلدى لست ذاهبة الى الجحيم ، كلها بضعة اشهر ، ونعود فى اجازة . تذكرى ان نساء كثيرات سبقنك الى هناك . . ولم يمتن

نظرت اليه بعينين مغرورقتين بالدموع ولم تجب . . واحس هو بالشفقة عليها ، منذ الغد سيكون هو الوحيد المسؤول عنها ، امسك يدها بحنان وقال لها :

- ستكونين الى جانبى دائما ألا يسليك هذا ! ستتعرفين على حياة جديدة وستندمجين فيها بسرعة ، وستكون لك هناك صديقات . . تذكرت طيف كورت الذى صنعته على ذوقها وتصورتها ممسكة بيدها ترعاها وتهون عليها لكن باية لغة . .

- ستتعلمين الالمانية . . . أليس هذا أمرا مدهشا امرأة قروية تتحدث بالالمانية لا يقع هذا الا فى عصرنا ضحكت وسرى عنها . وقال لها بلهجة دافئة

يجب ان ننام الآن لكى نصحو باكرا استلقيا على السرير جنبا الى جنب ، واطفأ حسين النور ، وقرر ان ينام لكن النعاس تمانع عليهما همست بعد ساعة :

- حسين ، هل انت نائم - كلا . . لم استطع النوم - انا كذلك . . - يجب ان تحاولى ، ان امامك يوما متعبا . . . . صمت ، واحس بجسمها يتحرك لتنأى بعيدا عنه ، مرت ساعة ، وظن انها نائمة ، لكنه احس بالسرير يتحرك وسمعها تتنهد . . فقال : " لن تنام حتى الصباح " انها سفرتها الاولى وتذكر سفرته الاولى غدا سيقطع المسافة من جديد

نقم على نفسه لانه لم يستطع التغلب على الارق لكنه فرح لما استمع الى انفاس زوجته الرتيبة المنتظمة . . فايقن انها نامت . . لن تكون غدا شاحبة الوجه تعانى الغثيان بفعل السهر

استيقظ على رنين جرس المنبه . فى الوقت الذى كانت والدته تقرع الباب بعنف وتنادى حسين . . حسين !

امتلأ قلبه عطفا عليها . حتى بللت الدموع اهدابه . مسكينة ! . لقد قضت الليلة دون ان يغمض لها جفن حتى لا يفوت الوقت وتمر الحافلة . . تلك هى عادتها ، كانت لا تثق مطلقا فى المنبه ولا تؤمن كثيرا بالآلات

وافاقت مباركة مفجوعة ، وبقيت لحظات شاردة ثم تذكرت لما شاهدت حقائب السفر جاهزة . فنهضت سريعا وهى ترتعد غسلت وجهها على عجل وأعدت القهوة . . شربا معا ولم يأكلا شيئا آخر . قدمت له أمه قفة صغير فيها بيض مطبوخ ليتناولاه فى الطريق . . . تناول القفة ونظر اليها فأشاحت بوجهها بعيدا عنه ، وتذكر عزلتها المنتظرة ، وفاجأه خاطر سريع مخيف . قد لا يجدها حية عندما يعود خفق قلبه احتجاجا حتى كاد يخرج من صدره ، لكنه تصدى لذلك الهاجس المغير بشجاعة ، وتحامل على نفسه . . عاد اليه شئ من الطمأنينة نظر الى تلك السلة الصغيرة فخيل اليه أنها تشبه والدته ، واغرورقت عيناه بالدموع وقرر ان يحتفظ بها . . . ذكرى

تجلد وتظاهر باللامبالاة حتى لا تتفطن مباركة الى ذلك فتنهار ، وتناول الحقيبتين وقال لامه .

- لا تتعبى نفسك يا اماه ابقى هنا لكنها أبت كالعادة الا ان تصاحبه حتى المحطة ، ووجد لها فى هذه المرة عذرا فسمح لها بأن ترافقهما . . .

عندما اقبلت الحافلة وهما بالركوب اجهشت الام بالبكاء وانقضت على ابنها تلثمه ، واشفق حسين من ان يطول وقت الوداع ، فصعد الى الحافلة .

وعندما انطلقت الحافلة القى بنظرة اخيرة وراءه فشاهد طيف امه يغوص ويتلاشى فى غسق الفجر ، ثم اختفى عنه

أحس بشبه حجارة مستديرة روح وتجىء عبر حنجرته . . كأن الشوق ولوعة الفراق قد تكلسا هناك . . . . فرح لما تذكر ان مباركة ومراد بجانبه ، انه يسافر لاول مرة مع عائلته .

بعد شهر علمت ام حسين ان مباركة حصلت على شغل باحد المعامل وان حفيدها مراد . . فى طريقه اليها لتقوم على تربيته لان الزوجين لا يجدان الوقت للعناية بالطفل

18 مارس 1975

اشترك في نشرتنا البريدية