قد أتيت المرآة صبحا وعندي
أن وجهي يفيض كالصبح بشرا
فأرتني المرآة وجهي يبدو
قاتم اللون كالدجى مكفهرا
وعلى جبهتي سحابة يأس من قطوب تكاد تمطر ذعرا
وأرتني أشواك وجهى تنمو يا لوجهي قد كاد يصبح وعرا
يا لوجهي عهدته روض حسن ومكان الاشواك أعهد زهرا
فاستشاطت لذاك نفسى غيظا ورميت المرآة باللحظ شزرا
كدت أرمي بها الجدار فتهوي قطعة في الصعيد تندب أخرى
ثم ألقي بها بموقد باري فأراها فى الجمر تصهر صهرا
فتجازى جزاء كل مراء شوه الحق أو به رام كفرا
هدأت ثورتي ، وعدت لشأني باعثا فيه نظرة تتحرى
فأزلت الذي تغشى جبيني من قطوب ، فلاح طلقا أغرا
ثم حكمت فى عذاب مولى (*) ماضى الحكم ليس يقبل عذرا
ثم أركبت مفرقي ذا سنان (*) فائق الظرف ينظم النثر شعرا
فاذا بي أرى محياي يبدو عكس ما كان مشرق الحسن نضرا
قد أرتني المرأة وجهي ليلا وأرتنيه بعد ذلك فجرا
فتضاحكت فرحة بمصيري وتضاحكت من غروري سخرا
وتبينت أنها قد أصابت فى انتقادي وانني كنت غرا
فاستمحت المرآة عفو كريم ثم وفيتها على الصنع شكرا
وأرانى ما عشت أعرض للمرآة أمري ولا أعارض أمرا
مرحبا بالذي يريني قبحي قبل حسني ، ومن اذا ساء سرا
مرحبا بالذي يريني نفسى من تهاويل وهمها تشعرى
ان وهم النفوس يأبى عليها أن ترى أمرها على ما استقرا
يرهب الضعف ذاته فيلاقي في حمى الوهم ملجأ ومفرا
كم مهين الجناح في قعر واد طار فوق الآكام بالوهم سرا
وذليل النشاط في كسر كوخ عاش بالوهم في مقاصر كسرى
أن جهل النفوس ما هي فيه علة منك بالمداواة أحرى
كن صريحا ، أن الصراحة تؤذي ومن النفع تسارة أن نضرا
لا تلقب بغير أسمائها الأشياء والنطق بما تسميه جهرا
قل لذي السوء أنت أنت مسئ ربما يحسن الفعال فيطرى
قل لذي السقم أنت أنت سقيم عله يطلب الشفاء فيبرا
أن من يخدم الحقيقة يأبى أن يبالى في الناس سخطا وزجرا
كم ترينا المرآة ما نحن فيه من عيوب ، وليس ترهب كسرا
تألف النفس صحبة الشئ حتى لترى النكر أنه ليس نكرا
أنت أدرى بما ببيتي مني ضل من قال صاحب البيت أدرى ! !
لا تخبوا المرآة عن ذي عيوب أعرضوها لديه كي يتمرى
لو رأى القبح نفسه صار حسنا أو رأى العبد قيده صار حرا ! !

