الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

هذا الاضطراب الفكرى والاجتماعى، فى العالم، " ماذا يستهدف ؟ والى أى النتائج يصير ؟ "

Share

كانت الحروب فى العصور القديمة ذات صبغة محلية فى اكثر الحالات . وكانت تقوم طلبا لثأر او دفاعا عن ذمار او جرا لغنم أو توسيعا لرقعة ملك الا فيما ندر واذ استثنينا بعض الموجات الحربية التى اجتاحت العالم القديم ممثلة فى غزوات الاسكندر وتيمور لنك وفي صراع الامبراطوريات والشعوب الكبيرة آنذاك لم نجد حربا كبرى ذات نتائج بعيدة الاثر فى حياة الناس خلال جميع العصور التى عرفها التاريخ كما نجد خلال قرن واحد عاصره اكثر الاحياء الدين يضطربون اليوم على سطح هذا الكوكب . . ففي خلال القرن العشرين للميلاد شهد العالم نشوب حربين كبريين اشتبكت فيهما كافة الدول والشعوب اشتباكا عنيفا غير من خريطة الدنيا وأطاح بكثير من التيجان ، وأدمج كثيرا من الشعوب فى بعضها إدماجا طبيعيا او غير طبيعي ، وأحدث من الانقلابات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية ما لم تكن تستطيع احداثه القرون المتواليات . . بل تعدى ذلك الى احداث انقلابات اخطر عدلت من نظرات الناس الى مقاييس الفضيلة والاخلاق ومعايير الحق والعدالة . . فلماذا تبدت هذه الظاهرة الغريبة فى الاجيال الحديثة بشكل مستفحل شامل ؟ وهل كثرة الحروب وشمولها ظاهرة لازمة لتقدم الحضارة وازدهارها ؟ ام ان جنوح الانسانية للحروب فى العصور الحديثة لفض مشاكلها وإشباع مطامعها نتيجة لعوامل لا تدخل فى حساب الحضارة والنضج ؟ وهل باستطاعة الحروب الكبرى احداث انقلابات سياسية واجتماعية واقتصادية سواء بسواء؟وبماذا كان العالم القديم يستعيض عن الحروب في احداث مثل هذه الانقلابات المتعددة !

هذه اسئلة تحوك في نفوس الباحثين وتتوارد على خواطرهم حين يبحثون فى اسباب وعوامل هذا الاضطراب الفكرى والاجتماعى الذى يعانيه العالم اليوم ، وفى الاهداف التى يهدف اليها والنتائج التى إليها يصير . فلنحاول الاجابة على هاته الاسئلة فلعل فى الاجابة عليها ما يفسر حياة القلق والذبذبة التى يحياها الناس فى هذا العصر فما يهنأون بالطمأنينة والسلام إلا غرارا.

فأما اسباب كثرة نشوب الحروب العالمية في الحقب المعاصرة فترجع الى تعدد المذاهب الاجتماعية وتضارب المنافع الاقتصادية وتقلقل الاوضاع السياسية بشكل لم تعرفه الحقب الماضية . فالحرب العالمية الاولى مهد لها صراع طويل خفي بين المصالح البريطانية والمصالح الالمانية انتهى بالحرب التى انتحل لها كلا المعسكرين اسبابا مبررة جرت الانسانية كلها للحرب راضية او راغمة وعالمة أو جاهلة . وما يزال التاريخ حائرا لم يصدر حكمه القطعى بعد على المسئول الحقيقي عن تلك الحرب الضروس بالرغم من ان الفريق الغالب قد حاول بكل الوسائل الصاق هذه التهمة الشنيعة بالفريق المغلوب . . وبالرغم من ان الناس جبلوا على الميل الى تصديق القوة والانصياع الى احكامها .

وقد تمخضت تلك الحرب عن الشيوعية والفاشية والنازية ؛ كما مكنت الرأسمالية فى الارض تمكينا مثلته الولايات المتحدة اوضح تمثيل . . ثم تقاربت المسافة بين الفاشية والنازية لتقارب اهدافهما وشكل الحكم فى بلديهما ، ولان الديكتاتورين اللذين كانا يحكمان المانيا وايطاليا حكما مطبقا تدفع بهما نزعة متحدة الى التوسع والسلطان واحتكار الاسواق ؛ فألمانيا الموتورة المهزومة فى الحرب العالمية الاولى لم تنم عن وطرها ولم تغمض العين على القذى بل ظلت تعمل فى الخفاء عملا جبارا متواليا جندت له كل القوى الالمانية المستطيعة العمل حتى إذا توافر لها من الاهبة والاستعداد ما يكفى لرفع القناع لم تحجم عن رفعه وجاهرت بالعمل السافر المتحدى وطالبت بالمجال الحيوى لسبعين مليونا من العنصر الجرمني لا يجدون لهم مضطربا فى الارض كما يجده خمسون مليونا من السكسون استعمروا نصف الارض واستأثروا بخيراتها واسواقها . . وإيطاليا التى ساهمت مع الحلفاء

فى الحرب كانت ترى انها لم تأخذ حصتها المناسبة من الغنيمة التى ذهبت بحصة الاسد منها انكلترا وفرنسا ، فكان ذلك سببا كافيا للحقد وارتقاب الفرص المواتية للانتقام وقد اذكى هذا الحقد ظهور " الدوتشى " موسولينى زعيم الفاشية وأحد خصوم الامبراطورية البريطانية الالداء ، والذي تقدمت ايطاليا فى عهده تقدما دفع بها الى مصاف الدول الكبرى وجعلها تحلم بإعادة مجد الامبراطورية الرومانية البائدة.

وروسيا التى اطاحت بعرش القياصرة العظام ، واقامت الشيوعية على انقاضه كانت تنظر الى هذا النزاع المستحكم بين الفاشية والرأسمالية فترضى عنه كل الرضا بل إنها تذهب الى ابعد من مجرد الرضا فتعمل جاهرة على توسيع شقة الخلاف بين الفريقين واثارة اسباب الفتنة والصدام لانها كانت تعتقد أن فى اضعافهما فائدة عظمي لها ، فكلاهما عدو مبين ولن تجد وسيلة الى الاضعاف المنشود خيرا من الحرب التى ترهق الغالب والمغلوب . فهى لذلك دائمة التحريش واليقظة والتربص.

ثم هى تريد نشر مذهبها فى كل بقاع العالم للسيطرة عليها من هذا الطريق ولن يتسنى لها ذلك وفى الدنيا دول كبرى كالولايات المتحدة وانكلترا وفرنسا والمانيا واليابان فلا معدى لها إذن من العمل على إثارة حرب عالمية تتصادم فيها هاته الدول تصادما يؤدى بها الى السقوط وقد كان . . و نشبت الحرب العالمية الثانية فأودت بالمانيا وايطاليا واليابان واضعفت ، إنكلترا وفرنسا ضعفا ملموسا ولم يبق فى الميدان الا الولايات المتحدة وحدها تنازع روسيا النفوذ والسلطان على الدول والشعوب . ولن يهدأ لاحدى هاتين الدولتين بال حتى تتغلب على الاخرى وتنفرد بالسيادة على العالم.

وليست الحروب الكونية ظاهرة لازمة لتقدم اية حضارة وازدهارها لوقامت هذه الحضارة على اسس متينة من العلم والاخلاق . فأما العلم فقد اخذت الحضارة القائمة منه بنصيب وافر ذلل لها كثيرا من العقبات الطبيعية التى كانت تحول بين الانسانية وهذا التقدم المنظور ، ويسر لها من وسائل الرفاه والامتاع والسرعة ما لم يتيسر بعضه للحضارات البائدة . فهي من هذه الناحية ادسم

الحضارات واعلاها كعبا . . واما الاخلاق فإن نصيب الحضارة منها جد ضئيل فقد طغت المادة على الروح بحيث شالت كفة الاخلاق فى الميزان . وليس ما نراه من تناحر وتنابز وضغن وأثرة الامظهرا من مظاهر هذا الطغيان الذي سبب اختلال الميزان ومن اجل هذا تقوم الحرب تلوالحرب ما ترمى الا الى اكتساب اسواق وبطر سلطان ونشر مذاهب . . وتتفاعل كل هذه الاغراض المادية بسرعة تفاعل المواد الكيمية فى أنبوبة الاختبار فيفاجأ العالم منها بالكارثة وما نعتقد انه سيتاح له الاستقرار والهدوء إلامتي تعادلت الكفتان وتضافرت المادة والروح على تثبيت اركان الحضارة الراهنة والسير بها الى الامام .

وهذا هو نفس السبب الذي يجنح بالانسانية اليوم الى الحروب فضا لمشكل أو اشباعا لمطمع أو نشرا لدعوة . فالحضارة " الصحيحة لا تجنح للحروب لانها تقوض الحضارات ولاتقيمها . ومهما يقل دعاة الحروب عن فوائدها للبشر فانهم لن يستطيعوا اقامة البرهان الصادق على ان الحروب لا تجر وراءها الإحن والحزازات والخراب . وعلى وجود المشكلة التى تستعصى على الحل السلمي فما يحلها الا الحسام فما من حرب اشتعلت نيرانها فى العالم القديم او الحديث الا كان احد طرفيها باغيا لا يريد الانصياع للحق والرضوخ اليه . . وحتى الديانات السماوية التى يجب ان يؤخذ الناس باحكامها عنوة اذا مافشلت كل وسيلة سلمية للاقناع لم تدع للحرب ولم تدخلها الاكارهة . . ان لكل شئىء حسناته ومساوئه بلاشك وللحروب حسنات فى بعض الاحايين ولكنها لن تعادل مساوئها ولن ينبغى ان يلجأ اليها الناس الابعد استنفاد كل حيلة لتفاديها وإحلال السلام محلها .

ولم تكن الحروب فى الماضى بالتى تحدث احداثا كبرى فى حيوات الناس لانها كانت حروبا صغيرة ذات صبغة محلية . فكان اثرها ضئيلا لا يتعدى محيطه وزمنه وذلك فيما عدا بعض الحروب الكبيرة التى مر عنها القول . ولكنها اليوم بعد ان اصبحت حروبا كونية وبعد ان اصبحت تستخدم وسائل جهنمية مبيدة وأصبح اثرها شاملا للانسانية جمعاء فى شئونها السياسية والاجتماعية و الاقتصادية وحتى فى الخلق والفكر البشرى العام . فمن المحقق ان الحربين العالميتين اللتين

شهدهما البشر خلال ثلث قرن قد احدثنا من الانقلابات فى حيوات الناس على اختلاف الوانها ما لم تحدثه القرون الطوال التى كانت السلم العالمية فيها باسطة راوفها على الارض . وأن الفكر والخلق - كسواهما _ قد تأثرا بهما تاثرا بالغا . ومن المحقق ايضا ان حرباكونية ثالثة ستكون اشد إمعانا فى اذى الناس وخراب العمران وضعة الحضارة من كل ما سبقها من الحروب .

ويبقى سؤال واحد هو ان العالم القديم قد حدثت فيه انقلابات عظيمة تناولت الفكر والخلق والسياسة والاجتماع والاقتصاد فماهي بواعث تلك الانقلابات التى لم تأت فى اعقاب حروب كبرى ؟ والجواب على هذا السؤال من السهولة بمكان لكل ذى المام بسيط بالتاريخ العام . فالعالم القديم كان يستعيض فى انقلاباته الكبرى عن الحروب بالديانات السماوية التى كانت تواتيه بطريق الرسل . فالموسوية والمسيحية والاسلام كان لها من الآثار الخطيرة فى حياة العالم القديم ما لا يقل عن آثار الحروب العالمية الكبرى فى حياة العالم الحديث ان لم يزد عنه . والفارق الوحيد بين الحالتين هو ان الديانات كانت لا ترهق الدنيا وتربكها كما ترهقها وتربكها الحروب . فكانت لا تأتى متتابعة متلاحقة تسيل من جوانبها الدماء ولكنها تتمهل وتستأنى فماتطالع الناس الابعد فترات زمنية طويلة ، وماتطالعهم الا وهم فى امس الحاجة الى عونها وهداها . ثم هى تطل عليهم بوجه باسنم ودليل يحمل اغصان السلام والاخاء ، لا كالحروب الكالحة المدمرة التى تفاجئ الناس وهم لها كارهون .

وبعد فإن العالم الحديث منذ ان استبدت بشؤونه ومقدراته عصبة تقدس الحرب وتعمل لها وهو يعاني قلقا نفسيا ممضا ما تحتمله الاعصاب حتى لقد أصبح يفضل الحرب على هذه الذبذبة والتأرجح . . وهو حائر فى غمار هذه الدعايات المتعارضة الصاخبة التى تصم الآذان وتستهدف الاستجابة لها والانضواء تحت لوائها . . وليس يدرى احد الا الله ماستسفر عنه حرب كونية جديدة . هل ستكون اذا ما اشتعلت نيرانها حربا مطهرة للبشرية من هذه الادران التى تغشى حياة الناس وتلوث معايشهم وافكارهم واخلاقهم ؛ يحيون بعدها فى ظل السلام

المستقر والخلق الكريم والسعادة الشاملة ؟ ام ستكون حربا تذكى المطامع والشهوات وتؤجج الضغائن والاحقاد ولا تتميز إلابهول الابادة والتخريب ان كانت الاولى فسيدفع البشر ثمنها من دمائهم واموالهم وامنهم وسعادتهم وهم راضون لان نفاسة البضاعة تهون بهاظة الثمن . ولانهم فى وضع ما على سوئه من مزيد ، الا ان تكون الفوضى الشاملة أو الفناء المريح . . وان كانت الثانية - وكل الدلائل تنذر بذلك - فاللهم ارحم البشرية مما يدبره لها اعداؤها القساة.

اشترك في نشرتنا البريدية