أردناه سجلا آخر لما تم أثناء الاحتفال بالذكرى الثلاثين لصدور مجلة (( الفكر )) وقد كنا دونا فى العدد الاول من السنة الواحدة والثلاثين ما أزمع العديد من الشعراء والكتاب المساهمة به فى هذه الذكرى ولكن تراءى لنا أن إقبال أصفياء (( الفكر ، ومحبيها على المشاركة أكثر بكثير مما يمكن أن يحتويه عدد من (( الفكر )) مهما تعددت صفحاته ولهذا قررنا أن يكون هذا العدد أيضا وما بعده مجالا لتدوين ما جادت به القرائح فى المجلس الفكرى الذى التأم حول الاستاذ محمد مزالى والايام الاربعة التى كرست لهذا الغرض ( من 7 الى 10 أكتوبر 1985 ) .
واذا كانت هذه الذكرى التأمت فى أيام عصيبة كانت فيها تونس هدفا للاعتداء على سيادتها وغرضا خاصة لغارة جوية شرسة شنتها إسرائيل على بلادنا فاننا اعتبرنا هذه الذكرى وما تم التداول فيها إنما هو فى صلب النضال الذى ما فتئت تخوض مجلة (( الفكر )) منذ تأسيسها : سواء فى تسجيل معارك التحرير التى كانت تونس فى ذلك الوقت تشق غمارها لتظفر باستقلالها أو فيما بعد لتركيز سيادتها بشن حرب الجلاء العسكرى والزراعى وبعث المؤسسات ورسم خطى النهضة والتقدم أو فى الكفاح من أجل القضايا العادلة مثل كفاح الشعب الجزائرى البطل ونضال الشعوب الافريقية للظفر باستقلالها أو مكافحة الميز العنصرى وخاصة قضية الشعب الفلسطينى التى هى أم القضايا فى عدالتها وشرعيتها .
وهكذا تبين لنا فى هذه المناسبة التى التقى فيها الادباء والكتاب من عديد البلدان أن مجلة (( الفكر )) لم تحد عن منهجها وأنها لا تزال تعتبر أن ما يجمع أسرتها ويؤلف بينهم ويحدو الذين رضوا الكتابة فيها إنما هو هذا الدأب الذى لا يني لبناء الكيان وتأصيله فكريا وثقافيا وحضاريا والتصدي فى هذا الكفاح المستمر لكل العراقيل والمحبطات ثم هو هذا السعى الاكيد لتجديد رؤيتنا بالاحتكاك بالامم الاخرى وإحلال الحوار بين سائر الثقافات والحضارات حتى يتسنى لنا لا مواكبة العصر فقط بل الاسهام فى ركب الحضارة المعاصرة العصرية .
وإن ما سعت إليه مجلة (( الفكر ) منذ تأسيسها فى الحث على استجلاء المشاكل وتوضيح السبل وبسط القضايا والتحسيس لجوهرى المسائل الاستنكاف من الوقوع فى هوامش الاشياء والاعراض عن الضرب فى سفساف الامور وعن الانزلاق فى عرضى المظاهر وبريق الموضات انما هو الذى مكنها من الدوام والثبات . ولم يفتنا فى يوم من الايام أن هذا السعى لم يكن دائما شاملا لكل ما ينشر وانه ليس فى الامكان ولا من المعقول أن يكون محتوى المجلة على نسق موحد ووتيرة واحدة وغاية ما نصبو اليه هو أن تكون المجلة مرآة للطاقات المنصرفة الى الادب والكتابة فى تونس وأن تفتح صفحاتها للمساهمات المتنوعة والمتعددة فى الوطن العربى من غير التقيد بفلسفة ما أو مذهب مهما كان خطره أو التشبث بعقلية نحلية أو خدمة أغراض زائلة أو قيم زائفة . هذا دأبنا وهذه هى شميتنا .

