الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

هذه المعركة حول الشابى

Share

ارسل الينا صديقنا الاستاذ الاديب عمر فروخ هذه المقدمة لكتابه " أبو القاسم الشابى شاعر الحب والحياة " الذي سيصدر فى جانفى 1961 وأحب ان تنشر على صفحات " الفكر " ونحن نشكره على اعتنائه بمجلتنا وننشر له المقال عاملين دائما بحرية الفكر واحترام الآراء القيمة المخلصة مهما تباينت الفكر

لما وقف أستاذى يوسف هل ( 1875-1950 ) رحمه الله يودعني وأنا أهم بمغادرة ألمانية ، فى آب من عام 1937 ، قال لى : " اذا اطلعت على حملات عليك فى الصحف فلا تقرأها فى حينها . فاذا مضي على نشرها مدة ثم بدا لك أن تقرأها فافعل ". وسار بى القطار وأنا أسائل نفسي عن ذلك الذى سيحمل على فى الصحف بعد غياب عامين أو يزيدان فى طلب العلم ، وعن الفائدة التى سيجنيها من وراء ذلك .

ووصلت الى بيروت فى شهر تشرين الاول ( أكتوبر ) فكنت أعرف مرة بعد مرة أن فى هذه الصحيفة وفي تلك المجلة تعريضا أو طعنا . وحفظت وصاة أستاذى فكنت أقتنى تلك الصحف وأضم بعضها الى بعض . وبعد نحو عامين عثرت يدى بتلك الصحف فقرأت بعض ما جاء فيها فلم أجد في الذي كتب ما يوجب الحنق أو الاسف أو الاهتمام . ولكنى أحسب أنني لو قرأتها فى حينها ، مع ما كان يحيط بها من الملابسات وما كان يمكن ان يقفز اليه الخيال لكان الامر مختلفا جدا .

وعرفت الحكمة فى وصاة أستاذى فجعلت تلك الوصاة قاعدة لى فى حياتى الادبية . ولم أجد من المستغرب أن يرد أحد الناس ، فوقى أو دوني ، على رأى لى ابديته او ان يطعن فى ذلك الرأى او فى انا ، فلقد قال العرب منذ الزمن الابعد : " من ألف فقد استهدف " ، وقالوا : " ما منا الا من رد ورد عليه " . غير أن النقد الذى وجه الى كتابى شاعران معاصران ، وهو الكتاب الذي سبق كتابى هذا : ابو القاسم الشابي شاعر الحب والحياة ، كان كثيرا متنوعا وكان أحيانا عنيفا .

أما النقد الذى كان عليه اجماع ، فهو أن دراستى لابراهيم طوقان فى شاعران معاصران كانت أوسع وأدق وأعمق من دراستى للشابى فى كل شئ. غير أن الذين وجهوا الى هذا النقد لم يفاجئونى به قط ، فلقد قلت أنا من قبل ( شاعران معاصران 5-6 ):

" ولعل قارئ هذا الكتاب سيأخذ على اننى كنت اكثر تبسطا وتدقيقا فى دراسة حياة ابراهيم طوقان وشعره منى فى دراسة حياة الشابى وأشعاره. ان سبب ذلك ظاهر :

" ان ابراهيم طوقان أخي وصديقى عشت واياه ست سنوات فى بلدى بيروت ، وسنة في بلده نابلس ، وسنة في بغداد ، ثم كانت بيننا فى أثناء ذلك مراسلة لم تنقطع منذ عرفته عام 1923 الى الشهر الذى سبق وفاته نيسان 1941. ولا تزال رسائله كاملة بين يدى أقلبها وانا أضع هذا الكتاب وكذلك كان بين يدى ، وأنا أضع هذا الكتاب ، مجموع شعره بخط يده أو بخط أخية الاستاذ أحمد طوقان منقولا عن نسخة بخط يده هو

أما الشابي فلم اعرف سوى بعض شعره وبعض ما كتب عنه ، ولا يزال لدى مشاكل كثار في حياته وأشعاره لم استطع حلها . واذا كان بعض شعر الشابي المعروف مفروقا فرقين : فرقا قاله الشاعر قبل أن يبلغ العشرين وفرقا قاله بعد العشرين ، فان قصائد ابراهيم طوقان مؤرخة لدى بالعام وبالشهر وباليوم أحيانا . حتى أن هنالك قصائد أعرف تطور نظمها من خطه هو في رسائله الى ، أضف الى ذلك أننى أعرف الملابسات التى أحاطت بمعظم قصائده " .

ومن اوجه النقد الذى وجه الى " عدم الاطلاع على بيئة الشابى " ، وقد جاء هذا النقد طبعا من تونس :

فى 59/12/12 و 60/2/6 ألقي الاستاذ مصطفى البحرى فى مدينة صفاقس محاضرة على دفعتين عنوانها " الشعب فى شعر الشابى " ، " وقد صوب الاستاذ البحرى رأى من يقول بان الشابي كان هداما ولم تكن له رسالة بناءة ، أمثال الاستاذ فروخ "( 1 )

وبعد الدفعة الثانية من محاضرة الاستاذ مصطفى البحرى جرت " مناقشات من طرف الشباب والاستاذة حول بعض الآراء التى ذكرها السيد البحرى كتحامل السيد عمر فروخ على الشابي الذي يقول به السيد المحاضر وصادقه عليه بعض الاساتذة في الجمله ، وان كان بعض هؤلاء يرى أن ليس فى رأى الدكتور فروخ تحامل ، وانما هو عدم اطلاع على بيئة الشابى وظروفه وملابسات حياته " .

وكان السيد الهادى حمو ( 1 ) قد نسبني مع السيد خليفة محمد التليسي ( 2 ) الى " التسرع والقساوة فى بعض مواقفى من الشابي "

هذا الوجه من النقد مشابه فى الحقيقة للوجه الاول ، وقد سمعت أمثلة منه فى الاسبوع الذي قضيته فى الجمهورية التونسية ( ايلول سبتمبر 1957). غير أن نصاب الامر ليس فى جهلى للبيئة التونسية ولا في تسرع او قسوة ، فانا قد كتبت عن أمرىء القيس ولم أزر نجدا ، وكتبت عن ابن حزم وابن باجه وابن طفيل قبل ان ازور اسبانية والمغرب ، وكتبت عن ابى نواس وابى تمام قبل ان اذهب الى بغداد واسكن فيها عاما . غير اننى الان استعرض أوجه النقد قبل أن آتي الى تعليلها في آخر هذه العجالة

أما قلة اطلاعى على بيئة الشابى الخاصة ، ان صح بالمقدار الذي يتوهمونه فليس بقادح فى كتابى ما دمت أشرك نفرا كثيرين في ذلك . في نيسان ( أفريل ) من عام 1958 - بعد ربع قرن من وفاة أبي القاسم الشابى - يقول البشير الزريبى (3): " اننا لا نغالى فى شىء اذا ذهبنا الى ان شاعرنا الراحل لا يزال بيننا مجهول " المكانة " . ولما أقيمت المهرجانات في تونس لمناسبة مرور نصف قرن على وفاة الشابى كان المفروض أن يتكلم في تلك المهرجانات الراسخون فى تاريخ حياة الشابى وفى علم شعره . ومع ذلك فقد علق الشاذلى بو يحيى (4) على هذه المهرجانات وما قيل عن الشابي بقوله :

" وهكذا تذوب فى نظر المدعوين الى تلك المهرجانات صورة الشابي الحقيقية بين احاديث العجز مرة والجحود والتزييف أخرى . . . وزادنا علما بمجهولية الشابى ما كان من صدى شعره - بل من عدم صداه بالشرق - وهو الغنم الوحيد الذى جنيناه من تلك المسامرات " .

وسواء أكان رد الدكتور محمد فريد غازى فى مجلة " الاذاعة على الشاذلى بو يحيى وأنا لم أطلع عليه - خارجا عن الحق واللياقة ، كما يقول فرحات الدشراوى (5)، او لم يكن ، فان الكلام الذى قيل على جانبي الميدان يزيدنى اعتقادا فى أن المعركة ليست معركة حول شاعر اسمه أبو القاسم الشابي .

وعاد الشاذلى بو يحيى فى العدد الثامن من السنة الخامسة من مجلة " الفكر " ( 6 ) ليجمع جرحاه فيما يبدو ، واسلابه من الميدان فقال : " غير

أن العلم لم يقل بعد قوله الفصل ، وكل ما كتب عن الشابى ليس الا مجرد اللهج بما فتن به الناس ، وهو ان دل على شىء فعلى ان الشابى لم يزل مجهولا . فهل آن أوان البحث العلمى الصحيح الذى له ، وله وحده ، حق انزال الشابي منزلته بين أعلام الادب العربي أولا والبشرى آخرا ؟ . . . ثم ان العقبة الكأداء فى سبيل تناول هذا البحث التام عدم استقصاء الابحاث ( اقرأ : البحوث ) الجزئية شتى نواحي الشاعر وشعره " .

ان الشاذلى بو يحيى يمس نقطة هامة جدا من الاسباب التى بعثت هذه المعركة فى رأيى الذى سأعود اليه بعد قليل . ثم ان فى هذا كله دليلا على أن دراسة حياة الشابي ودراسة شعره لم تخرجا بعد الى الدراسة المنظمة

وهنالك نوع ثالث من النقد اراد اصحابه ان يناقشوا عددا من الحقائق والآراء التى وردت في كتاب شاعران معاصران . فى عام 1958 أصدرت السيدة نعمات أحمد فؤاد كتابا اسمه : شعب وشاعر : أبو القاسم الشابى لا أعلم اذا كانت السيدة المؤلفة تؤمن بكل ما قالته وتؤمن بالاسلوب التى قالت فيه ما قالته . قالت على الصفحة 62 من كتابها :

" ومن عجب أن هذا الفن ( تقصد الغزل ) لم يسلم من الغبن فكاتب كالاستاذ فروخ لا يكاد يسلم في ص 188 بأن الغزل فن عظيم عند الشابى حتى ندم فى الصفحة المقابلة ، ص 189 ، وقال ( أكثر هذا الغزل عادى صريح ، ضعيف الخيال والبناء ، كثير التقليد ) "

أما الذى قلته أنا فهو ( 1 ) : " على أن أوسع فنونه الغزل والسياسة . اما تأمله في الحياة فمبثوث عادة في هذين الفنين العظيمين من فنونه الشعرية . . واكثر غزل الشابي قاله قبل بلوغ العشرين ، وذلك امر منتظر . ثم ان هذا الغزل عادى صريح ضعيف الخيال والبناء كثير التقليد ، وهذا أيضا منتظر . وفي هذه الفترة - فى السنوات الاخيرة قبل أن يبلغ الشابى العشرين من عمره . . "

لقد كان اولى بالسيدة الناقدة ان تتولى شيئا من الانصاف وتكون احسن امانة ودقة في النقل قبل النقد . اما كان الاجدر بها ان تقول كما قال السيد محمد الحليوى ( 2 ) : " فليس من العدل في شىء أن تحكم على الشاعر بقصائد قالها في سن الخامسة عشرة . . . "

وحملت السيد الناقدة على على الصفحات 78، 80 - 81، 114 من كتابها لانني قلت ان الشابي كان قليل الاحتفال بالدين كله . أى ظلم أو تحامل على الشابي في قولى : " انه كان قليل الاحتفال بالدين " ، بينما رجال الدين في بلاده كانوا قد كفروه وتكلموا فيه من على رؤوس المنابر؟

وحملت على لانى قلت ان اسلوب الشابى ضعيف ، كانها لم تقرأ له :

كل ما هب وما دب وما  نام او حام على هذا الوجود

تلك القصيدة التى قال الشابى نفسه عنها انها سخيفة (1). ثم الم تقرأ للشابى من اول حياته (2):

ان السكينة روح    فى الليل ليست تضام

والروح شعلة نور   من فوق كل نظام

لا تنطفى برياح ال ارهاق او بالحسام . . .

ثم ان الرومانتيكية التى يقول أنصار الشابى أنه زعيمها الاول أو الصحيح تقوم على مخالفة العرب فى الفاظهم وتراكيبهم واستعاراتهم (3)، فكيف يمكن بعد ذلك أن يكون أسلوب الشابى جاريا على أساليب العرب في المتانة ؟

وحملت على السيدة النقادة لاننى تمنيت ان لو حذف الشابي شيئا من الاشعار طوى عليها ديوانه (4). وقد راينا قبل اسطر كيف ان الشابي عد بعض شعره سخيفا ، وكيف أنه من اجل ذلك عكف على اختيار شعره فديوان الشابى الذى بين ايدينا مختارات (5). وما دام الشابي قد حذف شيئا من شعره ، فما المانع فى أن يزيد فى هذا الحذف ويخلى ديوانه من الاشياء السخيفة كلها ؟ فما الداعى ، اذن ، الى تلك الحمية حمية الجاهلية الاولى والى هذا الانفعال فى قول السيدة نعمات احمد فؤاد ( ص 114-115 ): " هذا هو ديوان الشابى الذى رفعه قوم الى سماء الخلود ، وحكم عليه او على بعضه اخرون بالاعدام - أى والله بالاعدام ! فالاستاذ فروخ - مثلا - يرى ( أن ديوان الشابى لا يجوز أن ينشر كاملا بل يحسن أن ننشر منه مختارات فقط ). وهنالك أربعة مئاخذ أخرى للسيدة نعمات أحمد فؤاد على كتاب شاعران معاصران لا تخرج عن هذا النطاق

وتتبع الاستاذ محمد الحليوى على عددا من المئاخذ

وفى ايلول ( سبتمبر ) من عام 1957 كنت فى تونس وزرت القيروان وفي القيروان زرت الاستاذ محمد الحليوى فى ديوانه - ولم أكن قد لقيته من قبل - وأحببت في أثناء الحديث أن أجر الكلام الى الشابى ، ولكنى شعرت أنه يريد أن يتجنب الكلام فى ذلك ، وان رأيه فى الشابى مخالف لرأيي في كتابي . وكانت الزيارة ودية وأهدانى الاستاذ الحليوى نسخة من كتابه مع الشابى

والذى اتفق أن الاستاذ محمد الحليوى رأى ان ينشر مئاخذه على كتاب شاعران معاصران فى مجلة الفكر ( 1 ) ، فنشرها بعنوان صور غريبة للشابى ، وسأعرضها أنا فى ما يلى على غاية من الوجازة:

( أ ) رسالة الشابى : أنا أرى أن الشابى كان ناقدا هداما لا ناقدا صاحب رسالة ، والحليوى يخطئني في ذلك . ولكن ديوان الشاعر بين أيدينا ، وليس فيه الا نقمة على أهل تونس وعلى البشر أجمعين . ثم لما أقيمت مهرجانات الشابي في القطر التونسى ألقى الاستاذ مصطفى البحرى محاضرة فى نادى الاتحاد الثقافي فى صفاقس " صوب فيها رأى من يقول بأن الشابى كان هداما ولم تكن له رسالة بناءة " ( 2 ) ، فانا لست وحدى فى هذا الباب ، لا خارج تونس ولا فى تونس نفسها

( ب ) فقره وغناه . وأخذ الاستاذ الحليوى على قولى بفقر الشابى . ولعل والد الشابى كان أغنى مما توهمت ، ولكن حياة الشابى فى الزيتونة ثم حياته بعد وفاة أبيه لم تكونا ناعمتين

( ج ) مرضه . وقلت أنا عند الكلام على مرض الشابى : وسواء أكان مرضه قلابا أم سلالا . . . فرد على الاستاذ محمد الحليوى بقوله : " ان الشابى لم يكن رجلا مريضا فى كل حياته ، بل كان بدء شكواه من المرض فى السنوات الاخيرة من حياته ، أى بعد وفاة والده على وجه التحديد " . غير أن الذي نعرفه أن الشابى ذهب الى استشارة الدكتور محمود الماطرى برفقة زين العابدين السنوسي في عام 1928 ، قبل وفاة ابيه ، وكانت حال قلبه منذ ذلك الحين خطيرة . ويبدو أن حالة قلبه بدأت تسوء منذ كان طالبا فى الزيتونة ، كما أن مرض الشابى كان مرض نشأة ، رافقه فى الاغلب منذ صغره (3) . ومع العلم اليقين الآن بان الشابى مات متأثرا بتضخم القلب

فان الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور يقول فى عام 1956 عن الشابى (1): " فاذا جراثيم السل تهجم وتستقر بكلتا رئتيه " . وكذلك يقول عامر غديرة فى مقاله القيم " محاولة جعل اطار لترجمة الشابى " (2): " ويمر شهر سبتمبر ( ايلول من عام 1934 ) وتتتابع الايام والناس يتساءلون عن علته: أداء السل أم مرض القلب ؟ "

فالشيخ محمد الفاضل ابن عاشور يذكر السل وحده ، وانا كنت قد عكست تساؤل الناس ولم ارجح السل او تضخم القلب ، لانني مؤرخ ولست طبيبا. ولكن لما وصل احد الدارسين من سجل المستشفى الى ان الفحص الطبي قد ذكر العلة مرضا فى القلب لم يبق فى وسع الدارس والمؤرخ الا ان يقولا بما ذكر الطب.

( د ) حياته الزوجية . كنت ذكرت - ولا ازال عند رأيى فى هذا الامر - أنا ابا القاسم الشابي كان بائسا فى حياته الزوجية . ومع العلم بأن نفرا من أصدقاء الشابي يقولون بأن الرجل كان سعيدا ، فان غيرهم يرى غير ذلك . ثم ان جميع القرائن تدل على ان زواج أبى القاسم الشابى كان كارثة جسمانية ونفسانية معا . وليس من المعقول أن يكون الانسان سعيدا فى زواجه ثم يتسقط الحب تحت كل كوكب من كواكب السماء . وانا احترم راى الاستاذ محمد الحليوى كما أحترم رأى المخالفين له .

( ه ) حبه . ويلحق بحياة الشابى الزوجية حبه . ان محمد الحليوى وخليفة محمد التليسي مؤلف كتاب " الشابى وجبران " ومحمد بدرى مؤلف كتاب " الشاعران المتشابهان " يقولون بأن الشابي كان يحب حبا روحانيا اما زين العابدين السنوسى - موضع سر ابى القاسم الشابى - وعامر غديرة وسواهما فيعتقدون أن أبا القاسم الشابى قد أحب حبا عاديا كما يحب الناس العاديون . والديوان يصدق هؤلاء لا أولئك . ويبدو أن السيدة نعمات احمد فؤاد قد صرحت في التعبير عن هذه المشكلة فقالت ( شعب وشاعر 60 ):

" وناقد آخر يرى أن ( الشابى لم يكن يحب حبا ماديا يبغى به قضاء وطر أو وصال حبيب . . بل كان قلبه يخفق بحب روحي علوى يتمثل له فى مشاهد الطبيعة الساحرة وفي مناظرها البهيجية . ولكني من دراستى الموضوعية اقف الى جانب الراى القائل بان الشابي كان يحب امراة بعينها رفع اليها صلواته فى هيكل الحب . فهذه الحرارة والدفق والبهر لا تنبعث جميعا ، وبهذه القوة والعمق والذهول ، الا من قلب عميد . . "

ويقف الاستاذ محمد الحليوى من هذه القضية موقفا غريبا جدا !

يحمل على الاستاذ الحليوى لاني لا أقول بأن حب الشابى كان حبا روحيا بل ، حبا ماديا . قال في السطر الثالث من الصفحة العشرين من مجلة الفكر ( ماي 1960 ) : " وبمناسبة حديثة ( يقصد حديثى انا ) عن قصيدة صلوات في هيكل الحب يقول اننا نرى فى هذه القصيدة حبا جديدا لفتاة جديدة فى حياة الشاعر ، ويعارض أبا القاسم كرو الذى يرى أن هذه القصيدة قالها الشاعر في فتاته الاولى " . ثم يقول الاستاذ محمد الحليوى على الصفحة نفسها، ابتداء من السطر الرابع من أسفل : " على أن الذى أوقع الكثيرين فى الغلط في خصوص هاته المسألة انما هو قصيد صلوات فى هيكل الحب . . . الذى رأي فيه الدكتور فروخ وغيره حبا جديدا للشاعر ، بينما رآه آخرون ومنهم الاستاذ كرو انه قبل فى فتاته الاولى . والحقيقة أن الشابى استوحى هذا القصيد ، حسبما ذكر لي ذلك شفويا . . من فتاة انكليزية كانت قد أقامت مدة بتوزر لتصوير بعض مناظر المدينة وواحاتها ، على نحو ما يفعل الفنانون الاجانب في بلادنا . فرآها الشابي تغدو وتروح وتقبل وتدبر فاستولى جمالها وشبابها على مشاعره فرفع اليها تلك الصلوات . . "

وهنالك في مقال الاستاذ محمد الحليوى أمور كثار اخرى تجرى هذا المجرى ، أو قريبا منه جدا ، فلا جدوى من اطالة الكلام بتعدادها والرد عليها . ولكن الذى لفت نظرى وأثار دهشتى أن معظم الذين كتبوا فى حياة الشابى وشعره يحملون سيفين ويقاتلون الناس . ثم هم يسلكون مسلكا عنيفا فاجا في ذلك كله . وهب أن محمدا الحليوى الذى كتب عام 1960 بعد أن قرأ لنفر لم يحرقوا بخورا فى هيكل الشابى ، معذور فى حملته القاصفة وان السيدة نعمات أحمد فؤاد التى كتبت فى عام 1958 ، فى مثل الجو الذي كتب فيه الاستاذ الحليوى ، معذورة ايضا ، فمال بال الاستاذ ابي القاسم محمد كرو والاستاذ مصطفى رجب. ألا يستطيع الاستاذ مصطفي رجب أن يكتب عن الشابي من غير أن يستعمل التعابير التالية : الشابي تحدى الخليل بن أحمد وأتباعه - الشاعر العربى يناطح القوافى - فليس هنالك شيطان رجيم ولا ملك كريم - اشمأزت وتقززت - اناس يضعون اقدامهم على عتبة الكتابة ؟ اليس بامكانه ان يكتب عن الشابى من غير أن يحمل على الشعر العربي حملة منكرة : أصحيح أن القصيدة القديمة ، كل قصيدة قديمة كشكول ؟ وان كل قصيدة حديثة رومانتيكية ليست كشكولا؟ اصحيح أن الشاعر العربي ، كل شاعر عربى ، كان سطحيا قصير النظر الى الاشياء ؛ اصحيح قول الاستاذ مصطفى رجب ( شاعران 87 ): " خبرونى ، يا سادة ، أى شاعر عربي يستطيع أن يحدثكم حديثا مغريا صادقا . . بل أي شاعر عربي يستطيع أن يحدثكم حديثا شعريا صادقا عن نشوة الحب . . واى شاعر ( عربي ) يقدر ان يحدثكم عن الامل ؟ اصحيح ما يقوله الاستاذ مصطفى رجب ( ص 92 ) : " كأنما ( الشاعر العربى ) اله حاكية ليس لها من النفس البشرية حظ ولا نصيب ؟ "

اصحيح ما يقوله خليفة محمد التليسي فى كتابه " الشابى جبران " ( ص 124 وما بعد ) أن الشعر العربى لم يعرف الزوجة الوفية والاخت الجنون والام الرؤوم " .

ما الذى حمل أبا القاسم محمد كرو على أن يقول في كتابه الصغير المختصر " كفاح الشابى " ، بعد أن أصدر طبعتين من كتابه الكبير المفصل ( بالمختارات على الاقل ) " الشابى " : " كان الشعر العربى ولا يحفل بالمجرى الانسانى الرفيع لحياة الانسان ولا يزيد عن خواطر عابرة . . . أما بعد ظهور الاسلام وانتشار العرب فى انحاء العالم القديم واختلاطهم بأقوام حضارات قديمة . . واذا كان العرب قد أبدعوا في أيام شباب حضارتهم في الشرق والمغرب ، . . فان الادب عامة والشعر منه بوجه خاص قد احتفظا بروحهما القديم ، فلم تتغير أهداف الشعر ولا رسالة الشاعر ، وظل الشاعر ( العربي ) مهرجا كبيرا يحرز قصب السبق فى المبالغة والكذب ومن المؤسف حقا انهم ( يقصد العرب ) لم يعرفوا الشعر الا بقولهم : الشعر هو الكلام الموزون المقفى . وبالرغم من ذلك كله فقد وجدنا محاولات كريمة للتحرر من هذه المفاهيم المنحرفة والطرائق المحنطة ، فقد ثار عليها بشار وأبو نواس ، وكذلك فعل المعرى وأبو الطيب المتنبى ، وان حرق هذا الاخير عبقريته الباهرة بخورا عند أقدام العروش وقضى حياته الغالية ينظم المدائح الرخيصة ويسجل تاريخ فرد واحد فى مبالغة مكشوفة وكذب فاضح ، بينما الملايين من أفراد امته تاكل الحرمان وتعيش على الصبر الكئيب والمسغبه الحزينة وتتعزى بأفيون الغيبيات القاتل وثواب الله فى جنة الخلد " ( 1 )

بهذا الكلام افتتح أبو القاسم محمد كرو كتابه " كفاح الشابى ، وأنا لا أحب أن أتوسع فى الاستشهاد خوف الملل . وقد تركت الاماكن التى يذكر فيها الاستاذ كرو " القماقم والجحور والاقزام والافكار العفنة والضمائر النتنة ، أو شيئا مثل هذا ، كما تركت الحملة على رجال الدين والدنيا ورجال العلم والادارة فى تونس حبا بالاختصار ، ولان ما ذكر دال على ما لم يذكر

ورجعت البصر فى ما كتب فى الشابى ، مما وصلت اليه يدى ، فرايت كثيرا منه لا صلة له بالشابى ، وأن دراسة الشابي قد تستقيم على وجه اسلم لو استغنى نفر من الدارسين عن تلك الحواشي التى يظن بها انها تزيد طريق دراسة الشابى نورا فاذا هى تزيدها ظلاما . وقد وضح لى ، في حل هذا اللغز ، ان صدق حدثى ، ان واحدا من هؤلاء الدارسين بعثى ، وثلاثة من القوميين العرب ، واثنان من الغربيين . ولا ضير على الانسان ، في رأيي ، أن يكون بعثيا أو شيوعيا ، قوميا عربيا أو قوميا سوريا ، تحريريا او من الاخوان المسلمين ، ما دامت الفلسفة السياسية حق شخصى متصل بحرية

الفرد ، وما دام الانسان - من الناحية النظرية على الاقل - لا يستطيع أن يعيش بلا لون اجتماعى فى هذه الحياة . ولكن من غير المعقول والمألوف في عالم البحث والحقيقة ان يقحم الانسان رايه السياسي فى دراسته العلمية أو الادبية وحيث لا مدخل لمثل هذه السياسة . والعجيب ، أو مما ليس بالعجيب ، ان يشرك بعض هؤلاء الدارسين الستة الذين عنيتهم بعضا فى الامور التالية :

1 - تسويد صفحة الادب العربى القديم وتزيين الادب الغربى .

2 - التهكم بالحياة العربية الحاضرة ، فى الدين والاجتماع والحضارة ، والاعجاب بالحياة الغربية .

3- النفرة من أساليب العرب المألوفة وتحبيب اللجوء الى الالفاظ والتعابير القريبة من العامية .

4 - طي العنصر الوطني القومى ، بالمعنى المألوف ، وبالاضافة الى المجموع الذي ينتمي اليه الفرد ، والالحاح على ابراز العنصر الانسانى فى الفرد

5 - وصم الدين ، والمقصود بالدين هنا الاسلام ، بالرجعية ، بينما هم يتساهلون فى أمر الصور والخرافات الوثنية على اعتبار أن ذكر هذه في الشعر يرجع الى الناحية الفنية فى الادب .

6 - رفع مكانة الشابى بالحط من معاصريه ، ومن الذين سبقوا عصره او جاءوا بعد ذلك .

7- اتخاذ دراسة الشابي وسيلة الى مهاجمة المؤسسات الاجتماعية فى الاسلام والشرق الحديث ، بقطع النظر عما اذا كانت مهاجمة تلك المؤسسات في ذاتها صوابا أو غير صواب

8 - استعمال كلمات وتعايبر ليس من حسن الخلق ولا من اللياقة استعمالها في تلك المواضع

9- الاستطراد من الكلام على الشابى الى الحملة على الادباء العرب ، من امرئ القيس مرورا بالمتنبي الى الشاذلى خزندار وأحمد شوقى ، سواء أكانت الحملة في نفسها حقا أو باطلا

10 - النظر إلى أدباء المهجر على أنهم نموذج الابتكار والرومانتيكية ، وعلى أنهم أساتذة الشابي : الى حد تنبه الشابى الى محاسن الرومانتيكية أو الى حد الاستعباد للادب المهجرى

وانا لا ادفع أبا القاسم الشابي عن حقه من العبقرية ، ولا عما فى شعره من القيمة بالاضافة الى شعر معاصريه ، ولكنى أرى أن هذه المغالاة فى تفخيم أمر الشابى راجعة في جذورها الى الاتجاه الغربى الذى خلفه الافرنسيون في تونس ، والا فان في محاسن الشابى كفيلا بتبويئة مكانا مرموقا بين الشعراء المجددين في العالم العربى ، من غير حاجة الى حملة على الاسلام

والعروبة ، بالمفهوم المألوف . وأنا لا أنكر أن النفر الذين كتبوا في الشابى ونوهوا بالادب الغربى ( بالغين المعجمة ) يعرفون اللغة الفرنسية أو الايطالية ويستكثرون من أسماء الادباء الاجانب منذ عهد اليونان الاول الى جان بول سارتر ، ولكن كتاباتهم لا تبرر الاعتقاد بأنهم عرفوا اولئك الادباء الذين سموهم معرفة وثيقة

اما هذه المعركه على الادب القديم فقد افتتحها أبو القاسم الشابى نفسه بمحاضرته " الخيال الشعرى عند العرب " . وأنا لم أحصل على نسخة من هذه المحاضرة لا فى شكلها الاول ولا فى شكلها الثاني كتابا مستقلا . ولكنى استطيع أن أقول ، بالاستناد الى المقتطفات التى مررت بها في عدد من الدراسات عن الشابى ، أن هذه المحاضرة كانت فى شكليها ردا على كتاب " الخيال فى الشعر العربى (1) " ، لمحمد الخضر حسين التونسي المولود في نفطة ، على مسافة يسيرة جدا الى الغرب من توزر

على أنى لا أود أن يفهم عنى أننى أصم نفرا من الذين درسوا ادب الشبابي يوصمة سياسية ، فاننى لم اقصد ذلك . ولكن الذى قصدته ان في تونس وفي المغرب وفى لبنان أيضا اتجاهين أو أكثر : من هذه الاتجاهات الاتجاه الغربى ، وهو اعتقاد نفر من الناشئة فى الاكثر " أنهم يجب ان يحيوا في كل شئ حياة عصرية واقعة ، وأن كل تمسك بقديم أو محافظة عليه يبعدهم عن ثمرات هذه الحياة التى يتمتع الغربيون بها " . وبما أن الشابي بفتح المجال بشعره الى التعبير عن هذا الاتجاه ، من غير ان ينكشف اللون السياسى عند الباحثين ، فى بلاد لا ترضى عن ألوان سياسة معينة ، فقد اندفع هؤلاء الى ديوان الشابى واتخذوه دريئة يناضلون باسمه ومن ورائه . من اجل ذلك نرى المعركة حامية الوطيس حيث لا ضرورة الى معركة قط !

وأود أن أقطع الكلام هنا لئلا أذكر تفاصيل لا حاجة بي اليها ، وليس هذا الان مكانها . وأنا أعتقد أن هذه المعركة لا تفيد الشابي لانه لن يستفيد من غنائمها ، ولان هذه المعركة ستتوقف اذا حقق نفر من القائمين بها بعض المكاسب التى يرجونها . ففى عام 1957 تخلى احد المناضلين عن موقفه فى الميدان وأخذ فى تدريس التاريخ ، كما يجب أن يدرس التاريخ ، في ما يبدو لى !

جديتا - شتورا ( لبنان ) 20/ 8/ 1960

اشترك في نشرتنا البريدية