الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

هذه سبل محمد صلى الله عليه وسلم

Share

عاد الاستاذ الاديب أحمد محمد جمال فى العدد الصادر فى ١٣٧٣/٤/٢٢ من ) جريدة البلاد السعودية ( الغراء إلى بحثه السابق فى منع المبيت فى المسجد الحرام والحض على اغلاقه فى وجوه الفقراء وطردهم منه ، تحت عنوان ؛ هذه سبيلي ( وهو عنوان عظيم لأنه يستلزم الدعاء الى الحق على بصيرة كما يدل عليه ذكر ذلك معه حيث شرف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ) قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ( وقد تأكد الامر عند الاستاذ حتى صار يتلو علينا آيات وأحاديث يوجهها ذلك التوجيه ويدعى عليها وعلى جميع تعاليم الاسلام انها لم تأمر بتطهير المساجد الا للمصلى والطائف ولم تجعل لغيرهما من النائم والآكل والمتحدث بالجائز والمريض ، نصيبا ولم تأذن فى إبقائهم بل أوجب طرد الفقراء من المساجد ليلا وجعلت ذلك من تعظيم حرمات الله ويدل مقال الاستاذ الأول أنهما عنده هى نفس هذه السجاجيد اذ إنه لم يظهر التأسف الا على ما تلاقيه بهجنها من أولئك المتلازمين ، من ترك فضلات الطعام عليها ونومهم عليها مع انها لا توجد فى بيته لاستقبال الضيوف فضلا عن استعمالها موائد للطعام .

كاتب هذه السطور يناقش الاستاذ الأديب فما يأتي : ) ١ ( انه لم يبين لنا فى فى مقالته : ) مديرية الأوقاف وتعظيم حرمات الله ( تلك الحرمات التى يقترح تعظيمها فانه ما ضمن بحثه شيئا عن المسجد ولا عن الحرمات من حيث هو مسجد ، ومن حيث هي حرمات .

) ٢ ( لم يبين لنا الاستاذ نفس المتقزز الظان بالمسجد الحرام وبأهله - حيث رأى اكتظاظ جوانبه بالفقراء - أسوأ الظن ، من هو ؟ ويدل هذا المقزز والظن السيئ على عدم استحضار المتقزز لقصة الاعرابى الذى بال فى المسجد النبوى ، فهل طرد النبى صلى الله عليه وسلم الفقراء لهذا ؛ أو ظن احد داخلى وخارجى بالصحابة استخفافهم بحرمة المسجد ؟ لا والله ؛بل نهي النبى صلى الله عليه وسلم الاعرابي عن العود الى مثل ما فعل ، وبين له ان

المساجد لم تبن لهذا ونهى عن طرده مع كونه بال فى مسجده الشريف . . وقد استفدنا بذلك ان الواجب هو تعليم الجاهل لاطرده ، ولا يصلح آخر هذه الأمة الا ما صلح به أولها . فلو فرضنا ان شخصا اليوم ارتكب فى المسجد الحرام ما لا يناسب حرمته فالواجب علينا تعليمه ان كان جاهلا ، ومجازاته ان كان عالما . واما تأثير ذلك فى البلد وعقيدة أهله الغير الراضين بذلك ولا المرتكبين له فمن ابعد بعيد ولو حصل هذا الظن ممن حصل منه .

(3) كيف تصح هذه الدعوى والادلة صارخة ببطلانها وتنادى بصحة خلافها ، من جواز المبيت والنوم والتمريض والأ كل والشرب والتحدث بغير المحرم فى المساجد . وقد أمر الله تعالى برد كل تنازع الى كتابه وإلي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وحينما رددنا الأمر اليهما فعلا وحكمناهما وجدناهما يدلان أوضح دلالة على ان تطهير المسجد الحرام لا يختص بالطائفين والمصلين به بل هو لثلاثة أصناف : الطائفين والعاكفين والركع السجود ، وهم المصلون قال تعالى : ) وعهدنا الى ابراهيم وإسماعيل أن طهرا  بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود" وعطف العاكفين يستلزم مغايرتهم للطائفين والمصلين ، اذ الاصل فى العطف للغايرة ، وتوسط العاكفين بين الطائفين والمصلين يدل على عظيم نصيبهم من المسجد الحرام . . وقد أوفى ابن جرير الطبرى لفظة ) العاكفين ( حقها من العناية والتحقيق حيث قال بعد نقل أقوال المفسرين . ) أولى التأويلات بالصواب ما قال عطاء وهو أن العاكف فى هذا : المقيم فى البيت مجاورا فيه بغير طواف ولاصلاة لأن صفة العكوف ما وصفنا من الاقامة بالمكان والمقيم بالمكان قد يكون به وهو جالس ومصل وطائف وقائم وغير ذلك من الاحوال فلما كان تعالى ذكره قد ذكر فى قوله : ) أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ( المصلين والطائفين علم بذلك ان الحال التى عنى الله تعالى من العاكفين غير حال المصلى والطائف وان التى عنى من أحواله هو العكوف بالبيت على سبيل الجوار فيه وان لم يكن مصليا فيه ولا ساجدا ( . . هذا كلام امام المفسرين ابن جرير الطبري يفصح بعموم هذه اللفظة . . والى هذا العموم المستفاد من كلام ابن جرير وقوله وغير ذلك من الاحوال ترشد جميع تفاسير الصحابة رضي الله عنهم

فقد أخرج ابن ابي حاتم وعبد بن حميد ) ١ ( عن ثانى الخلفاء عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون فى المسجد ؟ فقال ) هم العاكفون ( وأخرجا ايضا عن ابن عمر

أنه قال له عبد الله بن عبيد بن عمير ) ما أرانى الا مكلم الامير أن امنع الذين ينامون فى المسجد الحرام يجيبون ويحدثون ( قال : ) لا تفعل فان ابن عمر سئل عنهم فقال هم العاكفون فهذه نصوص السلف الصالح تدل على انه ليس المصلى والطائف أولى بالمسجد الحرام من غيرهما . . على أن لفظة الطائف بنفسها قد فسرها الامام سعيد بن جبير ( بأنه من أتاه من غربه) (1)

وانا ارى هذا القول وان لم يمل اليه ابن جرير مناسبا للاستعمال فان استعمال الطائف فى الطارئ واطلاقه عليه اصح استعمال واقوى اطلاق قال تعالى : ) ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ( وقال : ) فطاف عليها طائف من ربك (

ويناسب هذا التفسير ايضا الآية الاخرى : ) سواء العاكف فيه والباد ( والطائف هنا هو البادى هناك

هذا دليل القرآن واما الاحاديث فكثيرة منها : ما أخرجه البخارى وأحمد وأبو داوود والنسائى والدارمى عن عبد الله بن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب فى المسجد . ويفيد الدارمي فى مسنده الذى هو أقوى من ابن ماجه ) أن نومه فى المسجد طول الليل فلا يستيقظ حتى الصبح حتى رأى رؤيا قصها على أخته حفصة فقصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ) نعم الفتى أو نعم الرجال لو كان يصلي من الليل ( فكان بعد ذلك يصلي بالليل . وعبارة اجمد تدل على عموم نوم الشبان بالمسجد في زمانه صلى الله عليه وسلم ولفظه : ) كنا فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ننام فى المسجد ونفيل فيه ( بوب للبخارى فى جامعه بابين للنوم فى المسجد وقص علينا قصة الصحابية ذات الوشاح التي كانت تنام فى المسجد ثم ذكر حديث ابن عمر وحديث على بن ابى طالب الذى كان تسميته بابي تراب اشرف اسماء علي رضى الله عنه واحبها اليه ثم قال البخارى : ) وقال ابو قلابة عن انس قدم رهط من عكل على النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا فى الصفة وقال : قل أبو عبد الرحمن كان اصحاب الصفة فقراء)

وغرض البخارى من ايراد هذا الحديث تبرير النوم فى المسجد قيلولة وبيتوتة كحال أهل الصفة وقد سبقه الى هذا الاحتجاج ، سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار حيث سئلا عن النوم فى المسجد فقالا : كيف تسألون عنها ؟ وقد كان أهل الصفة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد ؟ وذكر الطبرى عن الحسن قال رأيت عثمان

) رضي الله عنه ( نائما فيه وليس حوله احد وهو امير المؤمنين وقد نام فى المسجد جماعة من السلف فقير محذور الانتفاع به فيما يخل كالأكل والشرب والجلوس ) ٧ ( بل روى الطبرانى فى الكبير والاوسط عن الى الدرداء رضى عنه انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المسجد بيت كل تقى وكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط الى رضوان الله الى الجنة ( ورواء البزار ايضا وحسن أسناده ، واقره الحافظ المنذرى فى الترغيب والترهيب ، ومنع المبيت فى المسجد والنوم مما يعود على شعيرة الاعتكاف بالابطال وفي ذلك انحراف عن الهدى . .

هذه أدلة النوم والمبيت فى المسجد واما التمريض فى المسجد فدليله ما روى الشيخان عن عائشة رضى الله عنها قالت ) اصيب سعيد بن معاذ يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة فى الأكحل فضرب عليه رسول الله خيمة فى المسجد ليعوده عن قريب ( وفى كتابى البخارى : ) المفرد ( ) والتاريخ ( ان الطبيبة الصحابية " رفيدة " كانت لها خيمة فى المسجد اليها حول سعد وكانت تداوى فيها جرحى من جملتهم هذا السيد الكريم سعد بن معاذ فيمر به النبى صلى الله عليه وسلم فى تلك الخيمة يسأله كيف امسيت اذا امسى وكيف اصبحت إذا اصبح فيخبره ( وقد صحح الحافظ ابن حجر العسقلاني في الاصابة فى تمييز الصحابة هذا الحديث ففي هذا الحديث دليل على تمريض المريض فى المسجد والتخييم فى المسجد لمداواة المرضى ، ومكث المريض في نفس المسجد

وأما الأكل والشرب فقد بوب ابن ماجه بابا للأكل في المسجد وأخرج عن ابن عمر قال : " كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد الخبز واللحم " وقد حسن الحافظ الهيثمي سند هذا الحديث ووثق رجاله وذكر الاختلاف في يعقوب ابن حميد وهذا الاختلاف لا يضر لان الحديث رواه حرملة بن يحيى

وأما التحدث فى المسجد فقد أخرج الامام احمد بن حنبل عن جابر بن سمرة : قال ) شهدت النبى صلى عليه وسلم أكثر من مائة مرة فى المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من امور الجاهلية ( ورواه ايضا الترمذى فى جامعه بلفظ : ) جالست ( وقال ( حديث حسن صحيح (

فهذه النصوص القاطعة تبين ان بناء المسجد لما بني له لا ينافى جواز وقوع هذه الاشياء فيه . وهذه سبيل محمد صلى عليه وسلم .

اشترك في نشرتنا البريدية