فى المملكة العربية السعودية ثروة معدنية طائلة ، مكشوفة ومطمورة ، وفيها مبادىء ثروات صناعية وزراعية وتجارية طائلة ، ولكنها لا تزال غير جارية ولا دفاقة ولا منظمة . فان هو ( الموجه ) و ( المكيف ) و ( المحصى ) الذي يكون (رائد ) انهمار هذه الانهار الكامنة المقدرة ؟ كيما نفهم بوساطته حقيقة ثرواتنا ، وكيما نسعى من طريقه الى استثمارها على افضل الطرق الحديثة فننهض بمقدرات بلادنا ؟
إجابة على هذا السؤال المضمر انشأت وزارة المالية ، ادارة خاصة للشؤون الاقتصادية ، واوكلت امر الاشراف عليها والنهوض بموضوعاتها الحيوية الى رجل عرف بالمقدرة فى هذا الشأن الحيوى الهام ، وهو علاوة على ذلك اديب وشاعر وناظم ناثر ، الا وهو صاحب السعادة وكيل وزارة المالية المساعد للشؤون الاقتصادية الشيخ احمد موصلي ، وقد سار بها قدمًا الى الامام ، على خير ما يرام ، ولله در من قال :
واذا رأيت من الهلال نموه ايقنت ان سيصير بدرًا كاملا
وها هى الادارة الاقتصادية تقدم لنا اليوم اولى ثمرات عملها المبارك الذى نرجو ان يسمق وان يعمق ، متمثلة هذه الثمرة الميمونة فى هذه " النشرة " الغراء التى سررنا بالغ السرور بالتوفيق الى اصدارها فى هذا الوقت الذى نحن احوج ما تكون فيه اليها ، توجيهًا وريادة واحصاءا ومعرفة شاملة دقيقة واحاطة كاملة بمواردنا الاقتصادية ، ومصارفنا الاقتصادية ، لنلم شعثها ، ولننظم من شؤونها
ولنستزيد مما لنا مصلحة عامة فى الاستزادة منه ، ولنقضى قضائا مبرما على مالا يلزم استيراده ، لنرجح من كفة ما يلزمنا استيراده وما يلزم انتاجه ، حتى تصل الى ما نصبو اليه من استكفاء بمواردنا ثم الى تصدير فياض لمواردنا لا فى عالم الزيوت وحده ولا فى عالم المعادن الثمينة وحده ، وإنما فى عالم سائر المعادن ، وسائر الصناعات والزراعات والتجارات . وبذلك تنفض عن انفسنا غبار النقاعس ، وسرعان ما نضاهى الامم الراقية ، ونفيد من ثروتنا المعدنية والزيتية الحاضرة ، لجانب ثرواتنا الاقتصادية المأمولة الأخرى من صناعيات وزراعيات وتجاريات
وكم كان جميلا ان يتفضل حضرة صاحب المعالي وزير المالية والشؤون الاقتصادية الشيخ عبد الله السليمان بكلمة جميلة موجزة يفتتح بها هذه النشرة ، وكلمة معاليه على ايجازها مسهبة المعانى فضفاضة الدلالات ، تهفو إلى تقدير مجهودات ادارة الشؤون الاقتصادية فى خطواتها الاولى الموفقة ، وتهفو مع ذلك الى رسم الخطط ، او توكيد رسم الخطط التى اختطتها هذه الادارة الموفقة ( لا سيما فى حقل الاحصاء ، إذ بتوافر الاحصائيات وبدقة تنسيقها تستطيع البلاد ان تحصل على نتائج صحيحة ، ومقارنات هامة ، من شأنها ان تحدث اثرها فى جميع المرافق التجارية والصناعية والزراعية ) .
وفى الحقيقة ان اهم شئ ينقصنا هو الاحصاء . . الاحصاء فى شؤون الاقتصاد وفى شؤون العمران ، وفى شؤون العلم والعمل ، والحياة والاحياء ، وبالاحصاء يمكن لنا ان نصلح من امورنا ، وان نقوم معوجنا ، وان نفهم ما ينقصنا وما يلزمنا ، وما يلزم لتقدم بلادنا فى كل شئ... مما لا يحتاج الى تفصيل ، فهذه اللفتة النبيلة من معالي الوزير الجليل ، لها مغزاها العظيم الشامل ، وهى موطن من مواطن التوجيه المنشود ، الضرورى لنا فى كل شئ . . وبهذا عملت ادارة الشؤون الاقتصادية فاصدرت هذه النشرة ، مما يبدو لى معه ان من اول ما تهدف اليه وضع الارقام الصحيحة الشاملة لمختلف وجوه الحياة الاقتصادية حتى نستطيع التحكم فى ازمتها
مواعنتها ، توجيها واصلاحا وتقويما وتنظما وهو مطلب حيوى شديد الحساسية عظيم الفعالية ، تشكر عليه جم الشكر هذه الادارة النشيطة العاملة ، ونرجو لها التوفيق كل التوفيق ، للوصول الى معارج آمالها الواسعة الفيحاء... وهي ان شاء الله تعالى موفقة ورشيدة ، ومسددة الخطوات فى كل هذا .
وقد حليت ( النشرة ) بمقالات غر ، بقلم صاحب السعادة الشيخ احمد موصلي وهي مقالات مملوأة بحميد التوجيه والتكييف واماطة اللثام عن مخبأت شؤوننا الاقتصادية كافة ، فلم تترك شاذة ولا فاذة ، الا وطرقتها ، وجاءت بعد كل مقالة ، الاحصائيات المتفرعة عنها ...
وكانت النشرة مرتبة خير ترتيب فنى دل على ذوق فنى دقيق . للتجارة باب ، تفرعت عنه الفصول المتعلقة بها ، فهذه فصول عن انتاج الزيت الخام وصناعة تكريره ، ومدى الاستهلاك المحلى منه ، والتعدين ، وحركة الاستيراد خلال الثلاثة الاعوام الاخيرة ، متضمنا ذلك كافة ما استوردناه من مأكولات ومن ضروريات وكماليات ، " وسوق النقد " و " مؤسسة النقد العربى السعودى ، و "التجارة الخارجية " . . وقد اوضحت النشرة " ان بلادنا الآن تعتمد على التجارة الخارجية اعتمادا يكاد يكون كليا ، لضعف المحاصيل الزراعية ولضعف الانتاج الزراعى " ، كما اشادت بان اكثر صادراتنا من الزيت المكرر ، واختتم باب التجارة باحصاء عن كمية التجارة مع الخارج لعام ١٣٧٠ ه .
والباب الثاني فى " الزراعة" وقد ركزت فيه بحوث عن الرى والتعليم الزارعي ووقاية النباتات واعمال الاحصاء وعدد الحيوانات الموجودة فى بلادنا ، والبعثات الزراعية ، والانتاج ، والمساحة . . وجاء فى هذا الباب ان مساحة ما زرع من الحبوب الرئيسية : ( القمح والذرة والشعير والدخن ) لعام ٥٠-٥١ هى (٢٦٠٩١٢ فدان ، وبلغ انتاجها ( ٦٨٥٨٣ ) طن . وان المملكة بحاجة الى استيراد ما لا يقل عن ( ٥٠٠٠٠ ) طن من الحبوب ، و ( ٤٠٠٠٠ ) من الدقيق و ( ٦٠٠٠٠ ) طن من الارز .
وأشير فى النشرة الى الاهتمام باحياء الزراعة فى المدينة المنورة لما فيها من امكانيات في الانتاج معروفة .
وقد بلغ احصاء ما زرع من اشجار الفاكهة على المزارعين ( ٤٣٧٠٢ ) شجرة . وقدمت النشرة توصيت نافعة لتحسين الزراعة وانعاشها بالأكثار من الاستعدادات الآلية والخبرة الميكانيكية وجلب المواد الكيماوية التى تعالج امراض النباتات والحيوانات .
وهناك لفتة جديرة بالتقدير الى " دراسة حالة مئات الألوف من اشجار الزيتون البرى التى تتكاثر فى شعاف سلسلة جبال السراة جنوب المملكة لاستثمارها وتقليمها وتسميدها وتجديد نشاط ثروتها التى جوفتها الامطار واجراء التجارب عليها "
وهذا ثالث الابواب وهو فى ( الصناعة ) وقد استهل ببحث ضاف قيم بقلم سعادة وكيل الوزارة المساعد للشؤون الاقتصادية ويتضمن وسائل النهوض بالحركة الصناعية فى البلاد ، واستعراضا لمصادرها من زيت البترول الى مصنع الصابون والشركة السعودية للدباغة والمصنوعات الجلدية المنشأين حديثًا .
ثم الباب الرابع فى ( موضوعات عامة ) افتتحت ببحث مفيد عن الشؤون الاقتصادية ، فاستعراض لموضوعات الحج واثره فى اقتصاديات البلاد واهم مشروعات الحج كالميناء الجديدة ، ومدينة الحجاج بجدة ، والمشارب وادوات المياه ، والمراكز الصحية ، والاسعاف ، وانشاء المظلات فى طرق الحجاج ، وبمنى ، وعرفات ووسائط النقل المستعملة الآن فى البلاد ، وقد استهل هذا البحث بالقول : " إن تقدم البلاد رهن بتقدم المواصلات " وهي كلمة حكيمة جامعة ينبغى ان يدرك معناها العميق ويعمل بما يقتضيه من كل الوجوه . . وقد عددت وسائل النقل فذكرت السيارات والسكة الحديدية ، ولم نر من يبنها وسائل النقل القديمة : ( الجمال ) ، لقد اختفت هذه ، وانها على بطئها قليلة المحمول . . لقد سرنا اذن قدما مع ركب الحضارة الحثيث فى هذا الباب .
وهناك احصاءات عن حركة السلع فى موانىء الساحل الشرقي ، وبيان ايرادات السكة الحديدية الممتدة الى الرياض لسنة ١٩٥١ م ، وجداول بمسافات
الطرق ، وبمنابع البترول ، وبمواقيت الحج ، وبحث طريف عن الوضع المالي للمملكة لعام ١٣٧١-١٣٧٢ وردت فيه موازنة الدولة ، واردا ومصرفا ، واستعراض شامل للمشروعات الصحية المنشأة حديثا بوزارة الصحة وهي تهدف الى استكمال راحة الوافدين والاهلين وصحتهم العامة علاجيا ووقائيا . . الى غير ذلك من البحوث الطريفة النافعة .
وبعد فان هذه " النشرة الاقتصادية " حدث جديد قيم فى بلادنا هي من خير ما انتجته القرائح وما وجهت اليه الجهود . . انها تكشف لنا عن الحلقة المفقودة فى اوضاعنا ، كشفا يجعله مع مر الايام على المام منا . . فنرجو للقائمين بها توفيقا مطردا فى اصدارها دواما ، ونأمل من المواطنين وخاصة ( اصحاب العلاقة) ان يتمعنوا فى محتوياتها النافعة ، وان يسترشدوا باضوائها النيرة فى مستقبل اعمالهم ومشروعاتهم الاقتصادية ، فان العلم الشامل المستند على الاحصاء الدقيق المنوع خير دليل واضمن وسيلة للنهوض
