بدأت رجلاك تخطوان تجاه الحديقة .. كان العرق يتدفق من كل انحاء جسدك فيسيل على انفك وعلى عينيك وعلى شفتيك ثم ينحدر الى عضلاتك الفاترة ويتجمع فى حذائك فتبتل جواربك وتصعد من بين اصابعك العفنة رائحة كريهة ..
الطريق خالية الا من بعض زوار لفظهم القطار منذ حين او بعض الاطفال واقف فى مضض تحت عمارة ينتظرون قدوم الحافلة .. امام احدى المقاهى الصغيرة جلس رجل مهدل الشعر ضيق العينين يحدق فى السراب . أخذت تسرع فى مشيتك ولما نفد صبرك ولم تعد تحتمل هذه الحرارة هرولت والقيت بنفسك على حشيش فى يمين شارع مهجور .
فككت ازرار قميصك ثم اخرجت منديلك ومررته فى لهفة على صدرك ، كان وجهك ازرق كهذه السماء الصامتة .. وكانت عيناك الزجاجيتان قلقتين كنت تلهث ككلب متعب .. لم تكن تدرى ان الحرارة ستكون شديدة قاتلة ظهيرة هذا اليوم وانك ستسير على رصيف محترق فى تباطئ كأنما تيبست مفاصلك ، ستسير فى ازقة طويلة متشابهكة لا تفضى الى شئ ...
قطرات العرق المنحدرة من خطوط جبينك العميقة تندس فى عينيك فتعصرها اشفارك فى رتابة .. كنت تحس انك تتلاشى تتمزق كهذه الدوائر العرقية الشفافة .. ظهر لك كل شئ وانت تسير يلتهب مثلما تلتهب انت تحت هذه الحرارة الجهنمية . حركت رجليك الفاترتين من جديد .. لمست مفاصلك ثم فتحت كتابا دون ان تدرى .. نظرت اليه بعينين فيهما هزء واستخفاف فساورك ألم كبير .. كيف ستعود الى القرية هذا الصيف ؟ .. ماذا ستقول لابيك ماذا ؟ عندما سافرت الى المدينة تبعك الى المحطة .. كان الوقت شتاء وكان المطر ينزل فى هدوء على البيوت .. تذكر انه قام عند الفجر فأحضر البغل واودعه كل حقائبك ثم سرتما فى الزقاق المظلم وعندما اقبل القطار امسكك من يدك وقال لك : (( اريدك ان تكون رجلا ، رجلا
كأبيك .. كل ما اطلبه منك هذه السنة هو ان تأتينى بالشهادة ، بالشهادة لا غير .. سنذبح ثورا هذه المرة ستكون الصابة كبيرة وسيكون العام أخضر )) احسست ان كل شئ يسخر منك .. يبتلعك كالفراغ وانك تتيه فى مستنقعات من ضياع ، من وهم .. الشهادة ، الشهادة ! كل الناس فى القرية ينتظرون الشهادة .. ستجدهم يترقبونك فى محطة القطار ، وعندما تخرج من العربة سيسرعون اليك .. سيقبلونك من رأسك من يديك .. من انفك . . سيحملون حقائبك .. سيبتسمون كثيرا .. سينظرون اليك كثيرا .. سيحدثونك عن الحصاد وعن صابة الزيتون وبعد ذلك سيسألونك عن الشهادة . ضحكت كالطفل .. تجاذبت قلبك احاسيس متناقضة .. تجمعت صور الماضى فى رأسك وتذكرت كيف حدثتهم عن سمير الكسول الذى نجح ، تذكر انهم التفتوا الى بعضهم فى صمت وتحسسوا رؤوسهم المعممة ثم اندفعوا يتكلمون
قال واحد : انه درويش . قال أبوك : معجزة .. انها معجزة . قال آخر : سبحان الله . ضحكت من جديد كالطفل ثم قلت : مسكين انا.
بدأت الحرارة تهدأ .. لطمتك نسمة خفيفة فتبخرت حبات العرق على وجهك .. نظرت بدافع غريزى الى الاشياء .. ظهر لك انها فقدت الوانها .. حملقت فى السماء وقلت : انا شئ منحدر من لا شئ .. اعرف اننى سأعود الى هذا اللاشئ .. ما اغرب ان يصبح الشئ لا شيئا .
اغمضت عينيك المتعبتين فداهمك خوف لكن سرعان ما تذكرت ليلى .. اجتررت اوهاما ماضية ثم قلت وقد عكس وجهك طمأنينة ، ما اجملها ليلى .. عينان خضراوان صامتتان .. دائما صامتتان . قلت لها يوما : انك غريبة كهذه المدينة .
لماذا تعود كل صيف الى القرية ؛ اخاف ان تنسى المدينة وان تنحدر الى اللاشئ . نظرت الى عينيها الصامتتين وقلت لها : انا خائف ايضا .. يخيل الى انى أرى الناس لاول مرة . اشعر اننى لا انتمى اليهم .
- ماذا يعجبك فى المدينة ؟ . - هذا الضيق وهذه النوافذ المضيئة عند الليل . حملقت فيك كأنها تتذكر شيئا ثم قالت : - لماذا لا يبيع ابوك البغل والحمار ويشترى جرارا ؟ .. تقلبت على الحشيش فى تثاقل .. دفنت رأسك المشتت بالانفعال بين راحتيك ومضيت فى مستنقعات من ضياع . ليلى ما أجملك يا ليلى .. ما اقواك ..
اتذكر يوم اخفقت فى الامتحان .. كانت تنظر الى الاوراق فى لا مبالاة ، تقف فى لا مبالاة .. تلتفت فى لا مبالاة .. ولما عرفت انها لم تنجح ابتسمت فى هدوء ثم اخذتك من يدك وابتلعتكما المدينة . كانت تمشى الى جانبك على الرصيف ومن حين لآخر تنظر اليك بعينين بدا فيهما شئ من الطرب .. وكلما رأت الطريق خالية اقتربت منك وضمتك اليها فى صمت .. وكنت انت تجر رجليك البطيئتين كأنما فقدت الحركة . كنت تحدق فى المدينة .. ما اغربها فى عينيك ... ازقة طويلة متشابكة .. وأناس يسرعون .. يلهثون يمزقون الحياة فى سكون .. نظرت الى العمارات ثم ضحكت وتمتمت كلها ستزول .. ستتلاشى كفقاقيع الصابون .
فريد .. تبكى . أفى مثل هذا اليوم تبكى؟ رفعت رأسك .. جرت عيناك عليها .. استقرت نظراتك فى عينيها الخضراوين - لا شئ .. تذكرت .. تذكرت فقط. - ماذا ؟ اتخفى عنى اشياء ؟ اتلقيت اخبارا سيئة . . الصابة كبيرة هذه السنة .. استقرت نظراتك من جديد فى عينيها الخضراوين .. رأيت فيهما المدينة بازقتها الضيقة .. قلت يجب ان لا انحدر الى اللاشئ امسكتها من يدها ثم ابتلعتكما المدينة .

