كانت تتردد على منازل الاغنياء باستمرار باحثة عن عمل يوفر لها ما يضمن بقاءها فكانت قلبا حنونا لتلك الطفلة الوحيدة التى أنجبتها منذ أكثر من سنتين وعضدا لها بعد ما فارقها زوجها منذ أشهر بلا رجعة ولا اخبار وطواه البحث عن العمل الى حيث لا تعلم . . وكانت تقضى ساعات النهار منحنية تنظف الثياب او تعتنى بالاطفال او تغسل الاوانى او تجمع ما تبقى من الصحون فى آنية لها ، ثم تصرف ساعات من الليل مهدهدة وحيدتها فى زاوية من دكان حقير هو كل ما أبقى لهما الفقر ، مهدهدة وحدتها تائهة مع خيوط من الامل الكاذب يبشرها بعودة الأب القاسى البعيد ، وبانتهاء عملها الحقير فى منازل البقية الباقية من الاغنياء الاشداء وجمع بقايا الطعام . .
تلك البقايا التى تغذى دماء فتاتها الناشئة وتقتل ثعابين الجوع التى لا ترحم ، وتصنع فى ثديها المتدلية قطرات من الحليب المنعش المغذى . . كانت المسكينة تنام على نغمات هذا الامل الخادع ولكنها تصحو على ذبذبات البأس المرير تعانق الشرود وتتنفس الشقاء ثم تتخذ البحث هدفا منذ الصباح الباكر . . مفكرة فى فتاتها التى كانت تتركها شبه مطمئنة فى منزل جارها الشيخ الذى كثيرا ما كان يسليها بكلماته وحركاته المبعثرة وشعر لحيته المتتراقص فى اضطراب .
عملت فى المنازل حتى كلت وأكلت من بقايا الاصحن حتى ملت وتنفست تعاسة الحرمان حتى أصبحت تحيا بوجه تجمدت عليه صور العذاب وبرزت على أديمه آيات الشقاء . . والحنين الغريب الى زوج بعيد كانت تخفى له بعض المليمات التى تتحصل عليها من عملها . .
ولا أحد حاول قط ان يتعرف الى ما فى أعماقها من تناقضات ولا الى ما فى ضميرها من سكنات مخفية وأوهام قاتلة . .
عادت فى احدى الامسيات الى حيث تركت فتاتها كعادتها ممتدة على خرقة بالية من الصوف فى زاوية من زوايا البيت المتداعى . . ولاشد ما كانت دهشتها حين استقبلها الشيخ بنظرات حائرة يرسل من فمه تمتمة كئيبة لم تفهم منها حرفا واحدا .
وحدقت فى وجهه الاغبر فاذا بها تواجه عينين مغرورقتين بالدموع ،
و انفلتت من فمه كلمات مبعثرة حينما كانت تستعد للسؤال ، كلمات عرفتها بما عليها ان تفعله . . فعرفت وفهمت ، ومضت تحمل الفتاة والخرقة والحيرة الجديدة الى دكانها الحقير . .
واذا بالظروف تضيف الى حياتها حيرة اخرى جديدة بعد ما عرفت ان على الشيخ أن يرحل مع ابنه العامل البسيط الى حيث توجد الحياة والعمل . .
وكانت ساعة رحيل الشيخ وابنه من أحرج المواقف وكانت طريقة نوديعهم من أكبر اللحظات الرائعة الحزينة التى يودع فيها الشقى الشقى بكل حسرة وأسى . .
وتناثرت فى مداها الضيق لقطات من التعاسة واليأس بعد ما اضمحلت خيوط الامل الكاذب وتجسمت هياكل الواقع بما فيه من مرارة دامية . . كثيرا ما حاولت ان تزيفها وتنتصر عليها بالصبر والرجاء . . وكانت تعلم أنها ليست آخر ولا أول " شئ " يلفظه ويهمله المجتمع . .
ومع مطلع الصباح الجديد خرجت مسلولة الامل خائرة القوى حائرة الظنون تقطع الانهج والازقة حاملة فتاتها على ظهرها تصلى عذاب الحيرة لا تعلم شرقها من غربها ولا شمالها من جنوبها . . ومضت تبدو حريصة على الاقدام على شئ ما ومترددة فى اتخاذ اتجاه جديد يقذف بها الى أمتهان خطة حقيرة اخرى تدر عليها بعض النقود . . وما أشد حاجتها الى النقود .
وترددت مرارا وتكرارا فى مديدها للتسول والاستعطاء . . لكنها قررت أن لا تمدها مطلقا وأن لا تسأل أحدا أبدا . . ومضت لكن فكرة أخرى تراءت من خبايا عقلها المضنى فلم تكد تكتشفها حتى صفق لها عقلها وزغرد لها شعورها واضطربت أقدامها مسرعة نحو الاحياء القديمة ولم تكد تصل حتى علا صوتها يخترق حجم السكون الممتد ويدوى فى فضاء المدينة المستيقظة هذى التقازة . . هذى التقازة . .
وتكرر نداؤها باحثا عن أشقياء مثلها تتنبألهم بخبايا مصيرهم ، وكم كان حريا بها ان تتنبأ بمصيرها ومصير فتاتها وزوجها البعيد فتعرف ماذا عليها أن تفعل لتحيا ليس أكثر . .
ولكن السعداء هم فى غير حاجة الى معرفة خبايا مصيرهم ما دامت تهدهدهم أرجوحة النعيم وتشملهم حياة الرخاء وتحنو عليهم ظلال السعادة . .
وقضت معظم يومها باحثة تحترف الكذب دون ان تجد أصحاب عقول سخيفة يدفعهم حب الاطلاع في عصر وفى مجتمع تفتحت فيه كل البصائر .
لكن صوتا مناديا اشعل فى عينيها بريق أمل خافت فاتجهت نحو مصدره لتواجه شابا ضخما وقف على عتبة دكان أشار الى داخله حين اقتربت قائلا .
- هلا ابتدأت بمن في الداخل يا أم وتكزت لهم . . ونظرت اليه مدهوشة وتراجعت الى الوراء لكنه كرر دعوته الى الداخل متظاهرا بالتعجب . .
واضطربت خواطر عقلها لكنها اقتحمت ظنونها حين تأرجحت أفكارها التائهة وتمتمت :
- لا يمكن أن أتكز تحت السقوف ، لا يقع التنبوء الصحيح الا تحت السماء . . والح عليها الشاب حين تطلعت نظرات أصدقائه الثلاثة اليها جائعة ظامئة ، متململة . . وطأطات رأسها ومضت متمتمة : لا يمكن فى حين شيعها الشاب بقهقهة مخيفة عالية . وأسرعت في مشيها المضطرب رأسا الى دكانها الحقير تسابق الظلام اليه . . وتهالكت فى زواية مظلمة فى حين استمرت فتاتها الحالمة فى نومها . .
وعادت اليها بعد لحظة استراحة خيوط الامل الكاذب لكنها صرفتها عنها هذه المرة واحتقرت نفسها وهزأت بما فى أعماقها من أخلاص لمبدأ مقدس . وأفاقها من هواجسها أزيز رعد متصل لم يلبث ان امتزج بصوت قطرات المياه المسترسلة وشعرت بخوف غريب فاحتضنت فتاتها النائمة تحاول أن تحميها من غضب العناصر والزمهرير الهائج وسيول الرياح التى بدأت تتسرب اليها من ثقوب الباب . . وتسللت قطرات عديدة الى داخل الدكان من ثقوب السقف المتداعى وشقوقه حتى غمرت جزءا كبيرا منه .
واتصل ازيز الرعد واستمر نزول المطر حتى ساعة متأخرة من الليل . .
وانتفض السكون الصباحى على ضجة انبعثت على أثرها صرخات مكتومة ملتوية لم تلبث ان تلاشت . .
وعند ما كانت غيوم ذلك النهار تنقشع شيئا فشيئا وشمسه الخريفية ترتفع فى مدى الافق كما اعتادت ذلك منذ اعوام طويلة كان بعض سكان المدينة قد تلقوا نبأ سقوط الدكان فهرولوا بآلاتهم يزيحون الحجارة ليجدوا مزيجا من الدماء والدموع والماء والتراب . .

