الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

هلموا نبن مسرحنا القومى

Share

ان الاقبال الذى شاهدناه خلال الموسم التمثيلى الحالى بغالب الحفلات المقدمة من طرف مختلف الفرق المحلية . من محترفة . او هاوية . باللغة العربية الفصحى او باللهجة الدارجة - مهذبة كانت او غير مهذبة - لدليل على ان الفن المسرحى اصبح من جديد محل اهتمام الجمهور على اختلاف مشاربه ، ورتبه الثقافية ، وان هذا الجمهور ، ينتظر من جميع هذه الفرق - بعد ما وقف منها موقف المشجع المخلص ، والناقد المتسامح ، وبعد ما غض عما صدر منها من هفوات ، او ابدته من نقائص ، فى تقديم مسرحياتها سواء من حيث الموضوع ، او الاخراج او اللغة ، ان تجابه اقباله وتشجيعه وتسامحه ، بجهود كبيرة جدية متواصلة لاصلاح تلك الهفوات ورتق تلك النقائص كى يزداد رضاه ، ويستمر فى تشجيعه .

وهذه الجهود تبدو عظيمة ، جبارة . لا يقدر على انجازها ، فى فترتنا الانتقالية الحالية لا الافراد ولا حتى الجمعيات نفسها . بل تقتضى اشراف هيئة حكومية او بلدية متركبة من اناس ثبتت مقدرتهم وبراعتهم فى الادب والفن المسرحيين . لتباشر قراءة جميع المسرحيات التى تعتزم الفرق تقديمها فى الموسم المقبل ، وتتبين من صلاحيتها بالنسبة للجمهور التونسى ، وتراقب اعدادها واخراجها من جميع النواحى ، حتى يقع التمييز بين العمل الجدى المثمر الصالح وبين العمل المضطرب الذى لا يرمى اصحابه من ورائه الى غاية سوى ابتزاز الاموال بالتهريج ووسائل الاضحاك الرخيصة المشينة لكرامة البلاد .

فاذا القينا نظرة مجردة على المسرحيات التى اتيحت لنا مشاهدتها فى هذا الموسم لاحظنا بمزيد الاسف والاستياء انه لم تقدم مسرحية واحدة راقية تونسية الموضوع والتاليف والاخراج . وهذا دليل على فقر كبير فى الانتاج المسرحى على الرغم من الوسائل التى بذلت لتشجيعه من طرف كتابة الدول للتربية القومية ومن طرف بلدية تونس العاصمة

فالفرقة البلدية التى انفردت وحدها بتقديم هذا النوع من المسرحيات فى هذا الموسم اخرجت مسرحيتين عربيتين احداهما شعرية والاخرى نثرية الفهما كاتبان مصريان ، ومسرحيتين اجنبيتين من التراث العالمى نقل احداهما للعربية

كاتب مصرى والاخرى كاتب تونسى كما اخرجت مسرحية باللهجة الدارجة المهذبة اقتبسها تونسى عن كاتب مصرى

واما الفرق الاخرى ، فقد انههالت فى تقديم مسرحيات تسميها بالشعبية ، هى فى الحقيقة محاولات لا تخرج عن الوصف الذى وصفناها به وهى لا تبدى اى اكتراث بناحية المسرح التربوية والثقافية والاجتماعية . فهى تصور المجتمع التونسى فى بعض من مظاهره ولكنها لا تتناول فى غالب الاحيان الا النواحى البشعة القبيحة وتقتصر على وصفها بدون ان يعرج المؤلف - او المقتبس - عن وسائل علاجها ومقاومتها بالامثلة الحية الناجعة

ومن جهة اخرى فان كثيرا من هذه المسرحيات المسماة بالشعبية والتى ينسبها المؤلفون لنفسهم هى فى الحقيقة منقولة عن قصص او مسرحيات مصرية او اقتبسها كتاب مصريون عن مسرحيات اروبية وغيروا اسماء اشخاصها فاخذها التونسيون عنهم بدورهم وغيروا لهجتها واسماء اشخاصها مرة اخرى فتكون بذلك فاقدة للطابع والواقع التونسيين

اضف الى ذلك ان الجمعيات لا تهتم بالتوضيب والاخراج فتقدم مسرحياتها مشوشة مضطرية وهذا ليس من العمل فى شىء فى حين ان شيئا من الاجتهاد من طرف قادة الفرقة وشيئا من التوجيه من طرف الهيئة المشرفة يدخلان تحسينا محسوسا على هذه الحالة .

ويظهر من هذا كله ان كل فرقة تعمل بمفردها بدون برنامج مدققق او خطة مرسومة وانها لا تفكر الا فى الظهور على الركح غير مكترثة بالعمل الفنى الجميل الذى يرفع مستواها ومستوى جمهور نظارتها

واذا علمنا ان جميع هذه الفرق بما حسن منها وما فسد ، تتزاحم على مسرح واحد مع ما يتقاطر علينا من الفرق الاجنبية ، ادركنا مدى الاضطراب والتضايق فى فكر النظارة من جهة وبين الفرق نفسها من جهة اخرى

تلك هي الحالة كما وصفناها وصفا صادقا . فهل يمكن ان تدوم فى عهدنا الجديد ؟ وما هى الطرق لعلاجها . فقد تحدثنا عن تاسيس هيئة حكومية او بلدية . او حتى مختلطة . للاشراف على المسرح التونسى من جميع نواحيه . ووظيفتها الاولى هى فى نظرنا تشجيع الانتاج القومى

نحن نعلم ان كتابة الدولة اعلنت عن جائزة قدرها مايتا دينار تعطى عن احسن مسرحية تكتب باللغة العربية الفصحى فى موضوع تونسى : وان البلدية تعطى منذ سنوات عديدة جوائز لا يستهان بها للتاليف والترجمة والاقتباس ، وان جمعية قدماء المدرسة الصادقية اسست ايضا جائزة لهذا الصدد . غير ان

هذا العمل لم يات بالنتائج المطلوبة وقليل من المؤلفين والشعراء من شارك فى هذه المناظرات . ولعل السبب فى ذلك راجع لجفاف القريحة او لعقد فى نفوس الكتاب

وبما ان المسرح القومى لا يتم وجوده الا بوجود المسرحية التونسية الروح والموضوع فانا نقترح طريقة اخرى لحمل المؤلفين على الكتابة والمشاركة فى المسابقات .

يمكن للهيئة المشرفة ان تختار لكل سنة موضوعين او ثلاثة مواضيع لمسرحيات تاريخية وموضوعين او ثلاثة مواضيع اجتماعية او فلسفية او اخلاقية وان تكلف بعض اعضائها بتحرير تصاميم ( Scénario ) لهذه المسرحيات . فتوزع تلك التصاميم على الكتاب ، وتعطى الجوائز للناجحين منهم . فتكون الهيئه بهذا العمل التحضيرى قد سهلت على المؤلفين عملهم بتحديد المواضيع وضبطها ، وهو اصعب شىء بالنسبة للمؤلف - فلا يبقى له الا التبويب والحوارات وهناك يظهر استعداده لتكوين الحوار وربطه وانسجامه مع تطور حوادث المسرحية ، والسير بها مرحلة من بدايتها الى نهايتها . وتشجع الهيئة الناجحين بنشر مسرحياتهم الفائزة . وبتكليف الفرقة البلدية او احدى الفرق الاخرى باخراجها وبهذه الطريقة تظهر المسرحية التونسية الحقة بعد سنين قلائل ويكثر رواجها ، وعدد كتابها وتتنحى عن تونس وصمة الفاقة التى هى عليها الان

واذا وجدت المسرحيات التونسية ، وتكاثر عددها ، وجب فى نفس الوقت الاكثار من تقديمها بالعاصمة وبضواحى العاصمة وبمختلف مدن الجمهورية وقراها . وهذا الغرض الحيوى بالنسبة للتمثيل لا يتم الا ببناء مسارح باحياء العاصمة وضواحيها ومدنها وقراها وهو عمل جبار لا يمكن انجازه الا اذا اشتركت فيه الحكومة والبلديات وحتى بعض الافراد او المنظمات . فالمسرح تسلية . والتسلية تحمل لصاحبها كما تحمل اليه بطاقة الضريبة او بطاقةاستهلاك الماء اوالبار الكهربائى ووسائل التسلية قد وجدت فى عصرنا بغالب المنازل ان لم نقل بجميعها بفضل الاذاعة والتلفزة وهما منافسان كبيران للمسرح .

فاذا اردنا التغلب عليهما وجب علينا ان نخفف من اتعاب رائد المسرح كى نحمله على حضور حفلاتنا ، فبتعديد الحفلات وبتقريبها من النظارة يدخل الفن المسرحي فى عاداتنا وتقاليدنا

فكيف العمل وليس لدينا لحد الان الا مسرح واحد تتزاحم وتتداول عليه جميع الفرق التمثيلية من اجنبية وتونسية ؟ وكيف العمل وجميع انواع المسرحيات يقدم فى آن واحد على ركح واحد . فاذا وقفت مثلا امام باب البهو من المسرح البلدى رايت لافتات تتضارب مع بعضها تضاربا فاحشا من شانه ان يحدث فى فكرك اضطرابا كبيرا . فانت ترى لافتة لمسرحية فرنسية تقدمها احدى الفرق الجوالة يوم الجمعة ليلا ويوم السبت ليلا وعشية يوم الاحد . وترى لافتة لمسرحية (( مرتى كلاتها القطوسة )) تقدم يوم الخميس ليلا وعشية يوم الجمعة والى جانبها لافتة (( لاهل الكهف )) تقدم عشية السبت ويوم الاحد ليلا .. فاين رشدك

فالنظام يقضى بان يتكاثر عدد المسارح وان يختص كل مسرح بنوع من المسرحيات طيلة بضعة اسابيع من الموسم على الاقل حتى يعلم الناس اين يقصدون وحتى يختص كل نوع بجمهوره . والاضطراب الموجود الان بمسرحنا البلدى مضر بجميع الانواع وعلى الاخص بالنوع الراقى الذى اختصت به الفرقة البلدية

وريثما يتم هذا البرنامج الواسع النطاق فوظيفة الهيئة الثانية هى ان تجعل المسرح البلدى خاصا بالمسرحيات الراقية مهما كانت الفرقة التى تقدمها . فيطالع اعضاء الهيئة المسرحية ويراقبون اعدادها واخراجها ويحضرون تمرينها العام ، فاذا ثبتت صلاحيتها تاليفا ولغة وتمثيلا واخراجا رخص بتقديمها على مسرح البلدية والا بعث بها الى مسرح قصر الجمعيات وهكذا يقع التمييز بين العمل الجدى المثمر الصالح وبين غيره من الاعمال

وليس فى هذا الصنيع ما يمس بكرامة الفرق حيث انها تحظى بتقديم عملها على مسرح البلدية كلما ثبتت قيمته الادبية والفنية . واما اعطاء المسرح بدون رقابة ولا توجيه فقد تبين انه عبث لا بد ان تجعل له نهاية

فبفضل الاكثار من عدد الجوائز ، وبفضل التوجيهات الصادقة والمراقبة الصارمة ليعطى كل ذى حق حقه يمكن لنا بعد سنوات قليلة ان نبنى صرحا متينا لمسرحنا القومى ذلك المسرح الذى نريد ان نباهى به الامم كما نباهيها برئيسنا الجليل وبنظام حكومتنا ومختلف المعارك التى نخوضها للالتحاق بركب الامم الراقية وما ذلك على رجال حمهوريتنا بالأمر العسير

اشترك في نشرتنا البريدية