الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

هل أنشأ العرب الجامعة؟

Share

لقد سبقت الحضارة العربية الى انشاء مؤسستين كبيرتين عصريتين :

- المستشفى

- والمرصد

ومن المحتمل جدا ان يكون لها فضل السبق فى انشاء مؤسسة ثالثة : الجامعة . ذلك على كل حال هو رأى مدرسين من جامعة ليدز ( بريطانيا العظمى ) وهما السيدان ز. ى. عبيد ( من الدراسات السامية ) وم . ج . ك . يونغ من ( الدراسات العربية ) (2) .

خلفت القرون الوسطى للعالم العصرى ثلاث مؤسسات هامة جدا وهي المستشفى والمرصد والجامعة (3) . ونحن نعلم من عهد بعيد أن الحضارة العربية قد انشأت المؤسستين الاوليين منها . فان كانت الحضارة اليونانية

قد اخترعت عددا لا بأس به من الآلات الفلكية ، فان رعاية الخلفاء من سلف الرسول العربى محمد قد جعلت من المرصد مؤسسة قارة . ان الوثائق التى وصلتنا تشهد بأن المرصد القار الاول هو المرصد الذى انشأه الخليفة المأمون ( 813 - 823 بعد الميلاد ) ببغداد عاصمة خلافته وذلك حوالى 820 م .

ان اهم مساهمة ساهم بها العرب فى علم الطب تبرز فى انشاء مستشفيات عديدة وفى رعايتها . فان لم ينشئ العرب مؤسسة المستشفى فى حد ذاتها فانهم قد تفانوا فى تنظيم المستشفيات وتمويلها ورعايتها اذ أن العديد من منجزاتهم فى هذا الميدان لا تزال بارزة للعيان بالمستشفيات العصرية .

ويمكن أن نبين بطريقة مباشرة أن المؤسسة الثالثة وهى الجامعة تدين بجل مظاهر وجودها للحضارة الاسلامية . أما فيما يتعلق بأصحاب المؤلفات العلميه والطبيه والفلسفية فان العلماء المسلمين من أمثال ابن سينا( Avicenne ) ابن رشد   (Averroes) والبتانى   (Albotenius)   وابن باجة   (Aempace) وابن زهر   (Avenzoar) وابى القاسم   ( Albucasis )     وارزخيل ( Arzahichel)    و       (Alpetragnis)

فانهم قد نالوا المرتبة الاولى منها . ويحتمل كثيرا أن تكون الجامعات الاوربية قد استعملت تلك المؤلفات على ما كان بين الاسلام والعالم العربي من تنافر . ان الادلة تفيد أكثر فأكثر بانه ينبغي أن نبحث عن أصل الجامعة فى حد ذاته ضمن تراث الحضارة الاسلامية القروسطية .

لقد كانت أكبر المراكز الفكرية الاسلامية تعمل منذ ما يفوق القرن عندما كونت الجامعات الاولى باوروبا . لقد كون المعهد المسجد القرويون بفاس (المغرب) سنه 859م . وكون معهد قرطبة فى أوائل القرن العشر الميلادي والمعهد المسجد الازهر بالقاهرة سنة 972 م كما كونت بيت الحكمة بنفس المدينة فى القرن الحادى عشر ميلاديا . (4)

لقد ظهرت مراكز التربية العليا باوروبا بعد ذلك بكثير . ومن المحقق أن جامعات بولونيا وباريس ومنبولييه لم تنشأ قبل القرن الثاني عشر ميلاديا . فلما برزت تلك الجامعات باوروبا المسيحية كانت تتميز بنفس المميزات التى

كانت تتميز بها مثيلاتها من الجامعات الاسلامية . فلقد كان الطلاب منظمين فى غالب الاحيان بحسب " أممهم "  أى أنهم كانوا ينظمون فى سكناهم حسب الاقطار التى ينتسبون اليها . ولقد كان يوجد بالازهر بالقاهرة مساكن مختلفة مخصصة لطلبة المغرب ، ومصر العليا والعراق .. وفى جامعة باريس كانت هيئات الطلاب تشمل طلبة من الامة الانكليزية والامة الفلامية وغيرهما . ان آثار هذا التوزيع الجغرافي للطلبة لا تزال موجودة فى بعض معاهد اكسفورد ( Oxford ) مثل معهد لنكولن (5)        (Lincolen )     وفورسستر                          ( Worcester )  وهرفد ( Hereford ) .

من وجوه الشبه الاخرى أن بعض الاساتذة كانوا يرتدون لباسا خاصا ، وهو الجبة عند القاء الدروس وفي الحفلات الرسمية . ان العادة تستلزم استعمال لباس فضفاض يشابه ما كان يرتديه الناس فى أوروبا المسيحية عادة كانت وجدت من البداية بالمراكز الفكرية الاسلامية .

ان المصطلحات المستعملة فى المؤسسات الفكرية الاولى بأوروبا المسيحية تشابه ما كان مستعملا منها بالبلاد الاسلامية ويبدو ان المصطلح الاوروبى الاول الذي يعنى الجامعة وهو   "Studium Generale"   هو ترجمة للمصطلح الجامعي العربي " مجلس عام " الذي يفيد " الجلسة العامة لمتابعة الدراسة "

الاجازة

ومن وجوه الشبه العادة المنتشرة التى تقر تعليما مجانيا للطلبة . والعادة تقر أيضا ان الطالب المتنقل كان ظاهرة معروفة بالاقطار الاسلامية قبل أن تصبح عادة تميز الحياة الدراسية بالاقطار المسيحية .

ان الطلبة المسلمين لم يكونوا ينتظرون أن يحيط الاستاذ الواحد بجميع وجوه مادة ما . ولذلك فان السفر من مركز دراسي الى آخر كان عادة قارة في حياة هؤلاء الطلاب الدراسية . ويبدو أن هذه الهجرة المستمرة كانت منطلقا لخاصية من أبرز خصائص التربية الاسلامية ويعني بذلك الاجازة أو ما يعبر عنه بالفرنسية ( Le Permis d' Enseigner ) إن الاجازة هى الشهادة التى يجيز

بها الاستاذ طالبه بعد ختم برنامج من الدراسات . وهى تخول للطالب المعنى الحق في تدريس المسائل التى كان درسها . وكانت تلك الاجازات رائجة فى القرن التاسع الميلادي . فلقد كانت جواز سفر وشهادة كفاءة فى مسائل خاصة بالنسبة للطلبة الذين يسافرون من مركز جامعي الى آخر فى سبيل مزيد من المعرفة .

ومن الملاحظ المفيد أن عبارة ( Licence ) التى تعبر اليوم عن المستوى  الجامعي مشتقة من اللاتينية  ( Licentia Docendi )  أى الاجازة . وذلك مصطلح كان يطلق من البداية على الشهادة التى كانت تعطى للطلبة بالجامعات المسيحية .

فى الجامعات الاسلامية القروسطية كان الاساتذة المسلمون يتمتعون فى تدريسهم بنصيب من الحرية لم يكن متوفرا بالجامعات المسيحية الاولى . فلا غرابة عندئذ أن يكون لكل أستاذ الحق فى أن يجيز طالبه . وكان هذا الحق من مشمولات رئيس الجامعة . فان استثنينا هذا الامتياز ، كانت الاجازة و    (Licenti a Docendi)   من العناصر المشتركة بالحياة الجامعية .

ان هذا التشابه بين العوائد الجامعية الاسلامية وعوائد العالم المسيحى الجامعية يفسر فى نطاق الدور الذى لعبته الاندلس فى وضع أسس الاتصال بين الشقين .

كانت الاندلس الاسلامية مركزا من أكبر المراكز الجامعية فى القرون الوسطى . ولقد اصبح هذا البلد بعد أن استولى المسيحيون على طليطلة ( 1085 م ) الممر الاساسى الذي كان يعبر منه نتاج العلوم الاسلامية نحو أوروبا (6) . وفي طليطلة كون الاسقف رايمند ( Raymonds ، توفى سنة 1251 م ) مدرسة لترجمة المؤلفات الاسلامية الى اللاتينية ووضعها تحت تصرف الدوائر العلمية المسيحية .

لقد ترجمت أمهات المؤلفات الفلسفية والعلمية والطبية العربية الى اللاتينية ليستعملها الاساتذة والطلبة المسيحيون . فلا يستغرب عندئذ ان يكون

الطلاب قد استوردوا مع الكتب الافكار المتعلقة بتنظيم الجامعات من الاندلس .

الباكلوريا

ان المأسوف عليه ألفراد غيوم   ( Alfred Guillaume )   وهو شخصية لامعة فى الاستشراق بانڤلترا ، كان يجزم فى النشرة الاولى من كتابه " التراث الاسلامي " (  ( The Legucy of lslam ) أكسفورد سنة 1931 ) أنه يمكن لنا أن نقيم الحجة بما يفيد بوجود صلة قائمة بين الجامعات الاسلامية ومثيلاتها بالعالم الغربى ، ان وفقنا الى تفسير مرضى للمصطلح القروسطى باكلاريوس ( Baccalareus )  أو باكلويوس  (Baccalaureus) التى اشتق منها المصطلح الفرنسي  (Baccalaureat)

ولقد لاحظ الاستاذ غيوم أن الرأى الذى يشتق هذا المصطلح من اللاتينية ( Vassa )   أى بقرة لا يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار وهو يرى أن باكلوريوس يمكن ان يكون نقلا محرفا الى اللاتينية من العبارة العربية التالية " بحق الرواية " التى تفيد الحق فى رواية علم من العلوم لان كثيرا من المصطلحات العربية قد نقلت مشوهة الى اللاتينية فى القرون الوسطى والى اللغات الاوربية الاخرى التى ما انفكت تستعملها الى يومنا هذا .

ومن تلك المصطلحات نذكر كلمات معروفة مثل  (Cheque )  ( في العربية صك ) و ( Tarif ) ( تعريفة ) و ( Amiral ) ( أمير البحر ) وغيرها كثير (7) ولم يعثر غيوم على عبارة " بحق الرواية " فى أية وثيقة عربية ، ولا يمكن أن نعتبر أصل الكلمة المقترح الا افتراضا يهمنا كثيرا .

ان أحدث الابحاث التى يقوم بها الباحثون من المحدثين والمتعلقة بمختلف أنواع " الاجازة " القروسطية قد أقامت الدليل على أن عبارة مشابهة جدا للعبارة التى اقترحها غيوم لم تكن مستعملة فحسب فى الوثائق العربية من نفس النموذج بل ان تلك العبارة كانت مستعملة فحسب المعنى الذى جاء فى التفسير المقترح .

ان الاجازة الاولى ( المحفوظة فى مخطوطة بجامعة كمبردج ) التى تحوى عبارة " بحق الرواية " مؤرخة بتاريخ 1147 م . لكن لا نجد باوربا المصطلح ( Baccalaureus ) مستعملا بمعنى " مجاز " ( Licencie )  قبل سنة 1231 م وهى السنة التى أقر فيه نظام الدرجات الجامعية بصدور القرار البابوى (Parens Scientiarum) فى عهد البابا غريغوار التاسع فيحتمل عندئذ أن  يكون مصطلح ( Bachelier )  " المجاز " مشتقات من العبارة المستعملة فى نظام الشهادات بالجامعة الاسلامية .

اشترك في نشرتنا البريدية