الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

هل ابتسم الثعبان ؟

Share

أربعة يسيرون . يلاحقون الظلال الساخرة من عنادهم . يتعثرون دون هدى كفلك ضائع في سماء حبلى بالشهب الدكناء ، وسط أدغال غابة نائمة تحت أفنان أشجارها .

تخر على الأرض لاهثة ، متقطعة الانفاس ، صريعة حمى موبوءة المصدر .

- حسبي جهدا وتعبا . نفذت عزائمى . وتحطمت قواى . حاولت أن أتحدى الزمن . اغتصب القدر . لكن الزمن تسلى بتمزيق أيامى . والقدر كان أقوى من أن أقتحم عرينه . يمكن لكم مواصلة السير . دعوني هنا ألف آخر أنفاسي لن أصل . سأموت قبل أن أصل .

انكبوا قربها بين لاهث . ويائس . وضجر .

- لن نصل . أظن هنا كتبت علينا النهاية . سنفنى كالقطط الشريدة جوعا وعطشا . الجنون وحده هو الذي قادنا الى هذه المسيرة المشؤومة ...

- النهاية ؟ أتسخرون من أنفسكم . من منكم يعرف متى وكيف تكون النهاية . لو كنت أعرف النهاية لما حملت نفسي هذه المشاق . ولا سرت خطوة واحدة فى شوط العذاب ... ولكن ....

- ظمأى . هل من قطرة ماء ؟ انى أموت . أموت .. - لم يعد لنا ولا قطرة ماء . ولو قطرة ماء . ولم يصادفنا نهر منذ أكثر من ثلاثة أيام . كارثة جديدة تحل بنا . الظمأ . سنموت بالجملة على الاقل لا خوف علينا من الوحدة ..

- الموت هو أعذب المنى ، لا تدركه غير فئة محظوظة من البشر كتب لها الخير من يوم أن ولدت ، ولا أخالنا نحن سنسعد بالانتماء الى هذه الفئة المختارة ، الموعودة بالسعادة ..

- أتمنى لك اللحاق بقافلة هذه الفئة المختارة ، ان كان مازال المجال قابلا للاماني . وهنيئا لك بهذه السعادة الموعودة مسبقا ، أما أنا فأهفو إلى سعاد على شكل آخر ..

- أتمزحان وهذه البائسة تموت بين أيدينا ؟ - وما عسانا أن نفعل ، ثم أهى الاولى ؟ لقد مات قبلها عشرة ... عشر ضحايا لمسيرة اليأس والجنون . عشرة موتى قد ماتوا . وأربعة أحياء أموات منهم واحدة فى طريقها للالتحاق بركب السابقين الى رحلة المنون . - الكلام لا يجدى نفعا . لا بد أن نفعل شيئا ..

- ألا ترى أننا عاجزون عن فعل أى شئ ، وما أمامنا غير الصمت . الصمت هو الترياق الوحيد الباقى لنا لنضمد جراح خيبتنا . الصمت هو انتقام الايام لنا . اصمت توفر جهدا . ثرثر تفقد أملا ولو كان مخادعا .

- إنى أشاهد مصيري ومصائركم معي فى احتضار هذه البائسة . كما رحل الآخرون ، سنرحل نحن غدا . أو بعد غد . الفناء يترصدنا . وأفظع من الفناء هذا الاحتضار اللعين الذي سنسلك سبيله غصبا ..

- سخافات . لا شئ أفظع من الدنيا . فلا تذرف الدمع عليها كثيرا . هي كالبغى المسلوبة الشعور لا يجدى معها غزل ولا نواح . انظرا . لقد لفظت آخر انفاسها . انتهى بها المطاف . أخيرا اقتطفت ثمرة ما . حققت حلما . انما نحن ...

- عن أى حلم تتكلمين . ها هى ترحل قبل أن تسعد بما تاقت نفسها اليه عاشت عاقرا تعسة تهفو الى طفل يكلل حياتها بالبهجة والحبور وماتت عطشى ترقب قطرة ماء ولا تجدها ...

- لقد توج حياتها الغباء . يا للحقارة . عاشت وماتت من أجل حلم سخيف أيستحق طفل أن تحمل نفسها من أجله مغبة مسيرة جنونية . أتحسب أن الآلهه ستهتم بأمل تافه مثل هذا . أحسن المنون اذ اختطفها ، واختطف سابقيها ، ما دامت الآمال التى دفعتهم لا تستحق المجازفة . لقد انتقم الموت منهم لحقارة مطالبهم . وسذاجة أمانيهم .

- يا للقساوة . الرحمة . ألا من ذرة خشوع أمام الموت . قبل هذه البلبلة ، فكرا فى ما سنفعله بالجثة . ان كنا قد استطعنا دفن الآخرين لا اشعر بالقدرة على الحفر لاوارى هذه الجثة الاخيرة . قواى فى فرار ...

- ولا أنا . الاعياء انهكنى . لا استطيع أن أمد يدا . - اذن لا داعي للتفكير فى الامر . فلنتركها كما هى . نقدمها وليمة لوحوش الغاية ...

- أنت على حق . فلنتركها كما هى . ستكون هبة لاله الغابة ، ربما ساعدنا على ايجاد طريقنا ... والوصول الى المعبد المرجو .

- يا لقذارتكما . ألا تعرفان أن اكرام الميت دفنه . أتريدان أن تظل روحها ضالة الى الابد دون مستقر ... ؟

- دعابة . ما ضلت الروح يوما دربا . الجسد وحده منبع اللؤم والضلال وما دام سيذهب قربانا للوحوش النهمة فلا خوف على ما بقى .

- لن تقنعيني بمنطقك السقيم . لا بد أن تدفن . كم أصبحت أخشى أن ألفظ أنفاسى أنا الآخر وتتركاننى مهملا فى الخلاء . أنتما تفوقان الزمن كفرا . وتتحديان الوجود قسوة .

- على كل تستطيع أن تبقى تحرس الجثة الى أن تلتحق بصاحبتها . لا داعى لمواصلة السير ان كان مطلبك حقيرا كمطلبها . وحلمك سخيفا كحلمها . فلن تنظر الالهة فى أمرك .

- مطلبي ! انه أهم ما في الحياة . تذل له كل النفوس . وتخر أمامه صرعي كل الهمم . المال . المال .. ذلك الجبار الرهيب سيخر صريعا تحت قدمى . لن أبقى فقيرا ، معدما الى الابد . سأنتصر على الفاقة . على الخوف من الغد .. ولن يكون ذلك الا بالمال . كل ما ألمسه سوف يغدو ذهبا . هذا ما ستحققه لي الآلهة . سأغرق الدنيا حولى فى وهج العسجد .. - تافه . أما زلت تعيش على الاساطير . كان ذلك ممكنا فى خرافات ألف ليلة وليلة ، انما الآن .. ما عاد فى جوف الارض كنوز .. ولا تعاويذ تجعل من الحجارة ذهبا ..

- لن تغيرى رأيي . سأواصل مسيرتى ولا بد أن تسمع الآلهة شكواى . وتحقق رجائى . سأعود قريبا قويا ، جبارا . أتحدى الجميع بثرائى وأصفع

الكل بالخوارق التى ستتوجنى بها الالهة . سأصبح أشرف أشراف قومى وسيد مدينتى . تلك المدينة التى ما عرفت غير الفقر . ورصدت لمواسم القحط لن يخيب مسعاي . سترين ..

- ألا تكفان عن هذا الهراء . هيا بنا نواصل السير . حسبنا ما أضعنا من الوقت ..

- والجثة ، ماذا سنفعل بها ألن ندفنها ؟ - هل ستجعل من هذه الجثة مشكلة . لن أفقد ما بقى لى من قوة فى الحفر ورفع الاثقال . الاجدر بنا أن نسارع بالبحث عن نهر والا ... - لقد غيرت رأيي . لا بد أن تدفن . لن تبقى ضالة الروح الى الازل . ضالة فى العالمين الفانى والباقى . مهزلة لا تقبل ... - ماذا ؟

- كل يوم أزداد يأسا وقنوطا . كل لحظة تمر ترفع حاجزا بيننا وبين الحياة تركلنا نحو هاوية الشك ... نحن نحث الخطى بسرعة خيالية نحو الموت . ما كان هذا منطلق آمالنا ...

- وما أدراك بآمالى . أنت تتكلم عن نفسك فحسب . هذا ليس رأيي - وما هو رأيك . ألم تلاحظي أن كل شمس تشرق ليوم جديد تكون علامة اندثار أحد منا . ها قد ذهب التائه الاخير . ولم يبق سوى أنا وانت . ومن يدرى من سيكون ضحية الغد أنا أم أنت ؟ رحل الجميع . وانتحرت أمانيهم فى صدورهم ، وما عاد للوهم أى منفذ . ما رأيك في العودة لو نحاول نسيان هذه المهزلة المضحكة ؟ وضعتنا الاقدار فى طريق بعضنا . فتعارفنا . وان كانت قد فرقتنا الانواء فها هى قد جمعتنا صدف الاحلام المعتوهة . أصبح الشك يقينا . والحقيقة باطلا . ضعى يدك فى يدى وهيا بنا نترك الماضي وامه خلفنا ونواجه الغد ... لم أعد أرقب غير العودة . العودة ...

- كفى وهما وتضليلا . لقد سدت كل طرق العودة وما أمامنا الا السير ربما وصلنا . ربما التهمتنا الانواء كما كان نصيب الآخرين . ومهما يكن ، لم يعد لنا لا ماض ولا مستقبل . فقدنا الاول . والثاني نحن فى صدد فقدانه

- لم تحصد مواسمنا غير الجثث . لقد غزا قلبي الخذلان ألم تيأس أنت ؟ - لم اعرف الامل . حتى اعرف اليأس . تساوى لدى الكل ...

- ما تحملت هذه المشاق لو ما كان لديك أمل في شئ . كلنا ما تركنا ديارنا ومدننا خلفنا الا لتحقيق أمنية . وارواء غلة . لا تحاولى خداعى وخداع نفسك أنت حزينة حتى وان كنت لا تجهرين بذلك . بدأ عزمك يفتر . رأيتك البارحة وانت باكية . لم ..كن نائما كما حاولت أن أوهمك . لقد حيرنى أمرك . أنت لغز رهيب الاسرار أشتاق الى حل طلاسمه . مرة عنيدة ، آمرة ، جسورة ، تثيرين الريبة والخشية . وأخرى حزينة ... ضعيفة ... باكية تنتزعين الدهشة والتعجب !! كم أود أن أعرف من أنت . هل خلف هذا الوجه الجميل على رغم كآبته ، حكايا غامضة ومثيرة ؟ .

- أرجوك . لا تشيد لى من الافتراضات الخاطئة هرما . ولا تجهد نفسك بملاحقة خيالك المجنح . لم أبك لاني فقدت الامل كما تتوهم ، فليس الامل هو الذي دفعني لاقتحام المجهول ، انما القلق والسأم ، هما الدافع الاول لمحتنى الراهنة . سئمت الحياة . سئمت الانحناء إلى القدر . سئمت السأم . هل عرفت يوما معنى السأم ؟

- ربما ما عرفت في حياتى سوى الخوف .. والآن خوف جديد ينتابني . اصبحت أشك في وجود الآلهة . من يدرى ؟ ربما ما كانت غير فكرة منحوسة تمخضت في متاهات عقول مريضة أضناها الوهم ؟ - ان كان هذا رأيك ، فلا داعي لمتابعة السير . ما عليك الا البقاء فى موقعك فى انتظار الموت ، اذ أمل العودة أمسى هو الآخر وهم عقل مريض .

- أتوعدينني بالدفن لو مت قبلك . اوعديني .. - هل جننت . أتحسبني قادرة على الحفر ؟ - اذن ستتركيننى نهب الوحوش المفترسة ؟ - خلقنا لنكون نهب وحش ما يفترسنا ، لم الثورة والتساؤل ؟ - دفنت الآخرين . وحملتهم فوق كتفي . وها أنذا سوف أفنى دون أن أجد من يحملنى فوق صدره ، ويوارينى التراب . - لا تبتئسي . حملتك الارض سنوات .. والآن ان تخلت عنك ..

- لقد هلكت . لا استطيع صعود الجبل . رجلاى لا تقويان على السير . التعب ... واليأس قد نبشا تربة مرضى القديم . ربما عاودنى أشد ضراوة ، والمعبد مازال بعيدا . أليس كذلك ؟

- نعم ما زال بعيدا . بعد السعادة عن الانسان . بعد الخير عن الارض . بعد الراحة عن الوجود . لكننا سنصل . لا بد أن نصل .. - أراك عنيدة . أتساءل أحيانا ، أأنت مثلنا تنتسبين الى الجنس البشرى أم من أية طينة خلقت ؟

- وانت غبي على ما يبدو . أتساءل الى أين سيقودك هذا الغباء . الحياة ليست لقمة نلتهمها ، وركنا ننزوى تحت سقفه . هي شئ اخر . حلم اعظم وأروع مما تتصور ... - لكنني لم أستطع أن أحلم ولو مرة فى عمري . ولا أنقاد خلف الخيالات قضيت حياتى خائفا ، مرتعبا من المجهول ....

- ذنب لا يغتفر . لا تحلم أبدا ، وليس لك أية تصورات . أنت راكد . خامل كأفكار تيس مشلول ... - الاحلام للمجانين ، وأنا لست مجنونا . أنا لا أطلب سوى العيش .  العيش بأمان . ان كان مأربى هذا حلما ، فأنا أحلم .. - العيش والامان عدوان لا يلتقيان في حضيرة الحياة . لو التقيا فهي الكارثة العظمى ..

- سأجلس تحت هذه الشجرة وأرتاح . لن أتحرك مهما كان . شهر ونحن نسير . شهر والرياح تسلخ وجوهنا . والامطار تشوى أجسامنا . شهر والخلاء يتلهى بمصائرنا ، والعواصف تتسلى بنا ، كل ذلك من أجل أمر لن يتحقق ابتلع التعب كل ما بقى لي من صبر وأمل ..

- ألم تتعبك ثلاثون سنة ، وأرهقك شهر واحد ؟ يا للسخرية !! على كل نحن على وشك الوصول .. لن تتخلى عنا الآلهة . لقد كانت تشرق منا مى كل ليلة . تدفعني نحو المغامرة المرتقبة .

وبالامس رأيتها بالليل . كانت تربت على كتفي مطالبة مني عدم التخاذل . تدلني على أيسر طريق يمكن لنا اللجوء اليه حتى لا نضيع ثانيه وسط هذه الغابة الحالكة ..

- ألم تقولى : إنك لم تنامى البارحة ، كالايام الفارطة .. فمتى كان لك اللقاء بها فى اليقظة أم فى المنام ؟

- محقق ابله . قل : بين بين ان شئت . كنت فى غفوة ورأيتها تطل على بوجه صبوح . عيناها زاخرتان بوعود مبهمة الآمال يداها ممتدتان تبحثان عني في رقة حانية . تقدمت . أسرعت نحوها . كانت بيدها اليمني كأس من الذهب. ازدادت ابتسامتها حنوا . قدمت لى الكأس . غمرتني فرحة صاعقة . بريق العسجد ينهب بصرى . اكسير السعادة والحرية يقبع فى جوف الكأس . مسكت الكأس بيدى . قربتها من فمى لانهل قطرة ، فاذا بها ملآى دما قانيا كدم الزنجى الصغير الذي افترسه الليث ثالث يوم التقينا فيه .

سقطت الكأس من يدى تغرق قدمي بالدم الفاقع . استفقت جزعة ، وآهة مشاكسة تتلوى بصدرى . تبشر بأحداث مهولة لا بد قادمة .

- أكثر هولا مما نحن فيه . لا أظن . أنت تتوهمين .. ربما هذا من أثر الجوع . لا ألومك . الجوع والتعب .. ألعن ما يهدد البشر .. - بل الخمول والبقاء هما ألعن ما يهدد البشر .. وأرجوك لا تستخف برؤياى ..

- هذه ليست رؤيا ، انما كابوس مزعج .. لا يهم .. لقد كثرت الاسرار مما جعلنى أفكر ، والاجدر بي أن لا أتحرك من مكاني . كفى عناء .. - لن أسمح لك بذلك .. هل سأبقى تائهة فى الخلاء وحيدة ؟

- ومن أنت حتى تسمحين لى أولا تسمحين . رفيقة سبيل . شريكة مغامرة فاشلة أودت بحياة الآخرين ، وستودى بحياتنا نحن ان لم نفكر فى الخلاص . كيف التقينا ؟ صدفة . في طريق ما . جمعتنا الغابة . وألف بيننا الجنون . سخرية أقدار . عبث فى عبث . لقد كان نصيبى من الحياة بين يدى . لم أقتنع به . دمرتني أوهام معتوهة . سرت نحو المجهول . ولم أكن أدرى أني سأفقد ما كنت أملك . كنت شبه سعيد لولا .

- لو كنت سعيدا لما تركت ديارك لتفر هاربا ، باحثا عن خيال غامض يحاصرك .. أنت لا تعرف ماذا تريد يا فتى .. - نحن لا نحس بالسعادة الا لما نفتقدها . لم أشعر أنى كنت سعيدا حقا الا الآن . الآن فقط عرفت أنى فقدت كنزا ثمينا . فقدت راحة لا تعوض . لن

أشعر بالعطش والماء أمامي . ولن أجوع والرغيف بيدى ، انما فى فقدانهما صرخة على حاجتى اليهما . - السعادة فى المجهول . فى ما نرقبه . فى ما نحلم به . لا فى ما تحصلنا عليه . أو فى ما نعيشه . تلك سعادة التعس المجرور من أنفه . عندما يكون اخرس الصدى وهو يتوهم انه يشدو بأعذب الالحان . رأسه يناطح السحب .. وقدماه غائصتان فى الوحل .

- ألم تشعري أنك كنت فى سعادة وافتقدتها . كنت تنعمين براحة وضاعت منك .. ؟ - لم أكسب في حياتي شيئا كى أفقده . أسفى على ما سيكون ، لا على ما كان .. - أظنك بدأت رحلة الحياة من نهايتها . فاتك الفصل الاول من المسرحية . لا بد أن تقنعي بالفصل الاخير . أو أنت مرغمة الآن على مشاهدة الفصل الاخير نكسة حظ .. مسكينة أنت ..

- لم أخسر الكثير لعدم مشاهدتى الفصل الاول من هذه الرواية السمجة تأكد من هذا . كنت أود أن لا أشاهد هذه التمثيلية قط . ما كانت تغريني كل ما فيها تافه . والممثلون ما كان أحدهم فى مكانه . ولا من فهم دوره . أو حقيقة أمره . انظر ، الشمس قد مالت الى المغيب . وبدأ الظلام يغزو الافق . قد ضيعنا يوما وفرصة . واكتسبنا خيبة وفشلا .. لكن لم لا تموت . أما فكرت يوما فى ذلك ؟ هذه أحسن نهاية لانسان لم يعد يعرف ماذا يفعل . واحتار بين التقهقر الى الخلف والركون الى الماضى .. أو العدو نحو سراب المستقبل ..

- حسبك هذرا . لن أموت . لا أريد أن أموت أشنع ابتكارات الطبيعة : الموت . هل تعرفين . سأبوح لك بالسر الذى دفعنى كى أزج بنفسي في هذه المغامرة الفاشلة . كنت راضيا عن حياتي . فرحا . قانعا بوجودى . لم يكن داء الطموح قد نخر قلبي مثل الكثيرين . لكن حلما ما طوق أفكارى . وسمم عقلي . كنت أحلم بالخلود ولو أنى لم أشأ أن أحلم أبدا .. أود البقاء .لا أريد أن أفنى كالجميع . أذهب نحو نفسي النهاية الغاشمة . لم العذاب والمقاومة . والتشرد ان كانت النهاية واحدة للجميع : الموت .. لقد مات أبي وهو عريس أشهر . ولحقت به والدتي بعد سنة . وراح أخي التوأم وهو فى الشهر الثاني من العمر . راح ضحية حمى قضت عليه في

ثلاث ساعات . وقبلا مات جدى وزوجته تضع أبى فى ليلة عاصفة .. مشؤومة الطالع . نزلت عليه صاعقة وهو متجه الى بيت قهرمانة الحي ليأتى بها ، تساعد جدتى على الوضع . كان الموت بالمرصاد لعائلتى المنكودة .. يحفر تحت أقدامها خنادق الفناء . لم يتركها تنعم بالعيش الهادىء لحظة .

انتزع الخلود عنوة هو مأربى ، الآلهة ستهبني اياه .. ولكن .. لعنة قريتنا أن أهاليها يموتون سريعا . يتساقطون تباعا كأوراق الخريف الجافة لم أنس ابدا نبوءة تلك الغجرية المشروخة الشفتين . لقد قرأت في كفى أني سأذوي كزهرة عطشى قبل أن أتخطى الثلاثين . لم تحدد متى وكيف .. ؟ . نكبة عائلتنا الموت قبل الثلاثين . وقد بدأت هذه اللعنة تتفشى فى القرية كلها . قرية الموت .. وأنا الآن لا يفصلنى عن الثلاثين سوى يوم واحد .. لذا لا داعى لمجاوزة الاحداث . اندثر وهمى . وسبقني الواقع بالطعن .. أليس كذلك ؟

- خرافة طريفة ومسلية . لكنها مقرفة . لقد كنت من عائلة سعيدة . محظوظة . محبوبة من إله الموت . فماذا تريد اكثر ؟ أتغرك ترهات البقاء . الحياة سلسلة لعنات تطوق أعناقنا . يوم نستطيع كسر هذه السلسلة - يكون لنا الانطلاق المنشود .. لعنة عائلتنا انهم لا يموتون . ومصيبة مديتنا التشرد ، وكارثة البقاء ..

الموت هو نكهة الوجود وسر تجدده ، لولاه لما كان للحياة معني . ولا للانسان رغبات يناضل للوصول إليها . انه الحرية المطلقة . الانطلاق من قمقم الزمن الذي نحن سجناء فيه رغما عنا . هو كسر لكل القيود . هروب من المألوف المضجر . من الجوع . من الفقر . من التعب . من السأم .. انه التحرر من المادة التى تسمم شرايين العالم . من الجسد الذى فرض على الانسان ليغرق فى قاذوراته . انه التحليق فى عالم الروح . عالم النقاء والطهر ، والبعد عن كل ما هو دنس ومبتذل . الخلود لا يكون الا خلف الموت . يبتدئ أول الرحلة من تحت الارض ، لا من فوقها . كل ما فوق الثرى فناء وعدم . لا شئ سيبقى ولا حتى الاحلام . أنا وانت متضاربان فى مطالبنا . متناقضان فى رغباتنا أنا أهفو الى الموت . أقتحم الخلود من المنطلق الرحيب الذي افهمه واعرفه وانت تصبو الى الخلود وترمقه من الافق الضيق الذي تعيش فيه ، أى رأي ارجح عقلا . وأكثر صوابا .. ؟

- طبعا رأيي أنا . أيعقل أن تتعبى . وتتشردى وتزجى بنفسك في هذه المغامرة المشؤومة من أجل الموت . اطمئني لا داعي للآلة أو زيارة المعبد . وفرى هذا الجهد . يمكن لك البقاء هنا معي . سموتين رغما عنك . كما سأموت أنا ، وكما مات الجميع رغما عنهم .

ثم لو انتظرت قليلا فى مدينتك للحق بك المنون الى مضجعك دون عناء كنت صائبا فى حدسي . أنت عابثة ، ومجنونة . منذ رأيتك عرفت ذلك .

- أيها المعتوه ألم أقل لك : إن الناس فى مدينتنا لا يموتون ، ومن يصبو الى الرحيل لا بد أن يتحايل ، ويفكر فى الامر بجدية ، وربما قضى الدهر دون أن يصل الى مبتغاه ..

- اذن ما أجمل الحياة فى مدينتك . هذه المدينة التى يخشاها الموت اه لو اعرف كيف الوصول اليها . لو كنت من أهاليها . حتما هي الجنة الموعودة !

- لا تترك نفسك نهب الاوهام المخبولة . الناس لا يموتون فى مدينتى لانهم أموات . ماتوا وهم أحياء . ألم تسمع بمدينة الموتى الاحياء . انها مدينتى التى هربت منها قبل أن ادفن حية فى مقبرة التحنط .

- أنت مذهلة . تأكدى الآن سيتحقق الحلم . حلم الحرية . حلم الراحة المطلقة . والانطلاق اذ لن نقدر على مواصلة السير . ولا على العودة . سنخنق بحبال هذه الظلال . ولن نجد من يوارينا التراب . سيتحقق حلم . ويتحطم حلم . وسيلتقى الحلمان في مقبرة الامانى الشهيدة .

لست الخاسرة على كل حال . أنت كاسبة فى كلا الامرين . وأنا الميت فى كلتا الحالتين . حاولت اغتيال الايام فاغتالتني . وحاولت أنت مغالطة القدر فغالطك .

- لو وضع للبقاء قانون . لا يعيش المرء الا الى سن معينة . الى الثلاثين مثلا . يفعل ما يود أن يفعله قبل هذه السن . ينعم بالاعوام القليلة التى بين يديه ، ثم يرتحل سريعا قبل أن يجرعه السأم كؤوس الويل . ويأتي آخرون واخرون ، والعجلة ، والعجلة الزمنية تدور لات لاتحمل في مدارها غير القلوب الشابة . القلوب التى لم ينخرها اليأس ، ولم يمتص دمها بؤس السنين .

- لقد فعلت الطبيعة ما وافق مزاجها . وظل البشر من أول النشأة ثائرين ، ناقمين على حكمها القاسى . كل يهفو الى وضع ما يصبو الى ما لا يستطيع تحقيقه . لكن لا شئ تغير . ولا أحسبه سيتغير .

أخيرا اقتربنا من النهاية . وسننعم معا بالراحة الكبرى . هذا ما بقى لنا . الحق الوحيد الذى اكتسبناه وسنتحصل عليه رغما عن الاحداث . احساس مبهم يقول لى : إنى لن ألمح نور الغد ..

- سعادة لا ينالها غير المحظوظين .. - لا تسخرى منى ، الموقف لا يسمح بالسخرية . لو لفظت أنفاسى الليلة أتواريننى التراب .!؟ عديني بذلك .. ألا تجيبين ؟ الافضل أن نبقى معا نرقب الموت ، ما دام حلمك قد انتصر على رغبتى ..

- ليت ما تقوله حقيقة .. علمتني الحياة أن لا أنتظر أن يتحقق أى حلم لى مهما كان .

الغيوم تزداد قتامة . السماء تحترق بالسحب السوداء . ومضة صاخبة من البرق تصفع عينيها . تبقى لحظة تتساءل فى أية ساعة هي من النهار . تأكدت مرة أخرى أنها فقدت زمام الاشياء . اجتازت السد الزمني ربما هى الآن واقعة على عتبة العالم السرابي الذي لن تجده الا فى ما بعد النهاية .

تواصل الصعود بخطى مشحونة الآمال . يواجهها المعبد ، زوبعة ظلال غامضة ، متراقصة فى يم عتمة موحشة ، فى أحشائها تربض الحياة ، أو الموت . الراحة الابدية .. أو الشقاء السرمدى .

الحثة خلفها . تحذيها نحو القاع . ترجمها بلعنة مجهولة . الجثة الاخيرة فى مسيرة الضياع . قبل أن تتركها لمصيرها المحتوم ، أغرقت الجثه فى غلائل الاوراق الجافة . جعلت لها من أوراق الشجر كفنا . لم يعد يلمح منها غير نعلين ، ممزقين أضناهما السير تبزغ من أحداهما اصبع متورمة تخدش سحنة الكون بتهكم لاذع .

تحث الخطى نحو الفراغ . الفراغ حولها . أمامها . يجتاح أفكارها . يكحل مقلتيها . فراغ . فراغ حالك . قاتم . المعبد كتلة خراب واحجار مرصوصة تترقب من يزيح عنها شبكات الرتيلاء المعششة فى الزوايا المعفرة .

السكون يبتز حواسها . الصمت يلفها فى أسترته . الصمت الذى عاشت العمر تتمنناه . هي .. والصمت . والوحدة . بعيدة عن كل الدني . فوق صخرة مفتته الارداف تجلس وعشرات العيون فى أعماقها تبكى دون دمع تنعى دنيا لئيمة لم ترضخ أبدا لسخف مغزاها .. تصلي لدنيا طافحة بالمني ، ستبني للخلود عرشا فوق طيب ثراها .

وقفت مرتعدة وصل مصفوع الذقن يهرول مسرعا تحت قدميها خوف مفاجي يعتصرها . تتقدم مطعونة المشاعر . الغرفة الفسيحة تجذبها بعتمتها المغرية . تسير نحوها ورعود تخترق سماء أفكارها تقصفها بوحشية رعناء . لا تتخاذل تواصل التعثر . ما تكاد تضع قدما وسط الغرفة النصف مهدمة ، حتى تقف وقد انهار الوجود تحت قدميها مخنوق الانفاس .

جسم الالهة مقطوع الى نصفين . مفتت القوائم . ملقي على الارض ، قد غاص فى بركه من الدم المتجمد . فوق الرأس المنكسر ، قد انتصب بكل اياء ثعبان ضخم الجسم قد التوى حول نفسه فى دائرة مرعبة السواد . عيناه تشعان ببريق فتاك نهب ما بقى من قواها المحتضرة ، تكتم شهقة فنعة وهى ترتمى على الحائط تطارد عزائمها الشاردة . ترمق التمثال المتحطم بهلع وذل متزاوجين . تجيل بصرها فى ما حولها . الجدران مطلية ورسومات دموية لوحوش كاسرة ، فاتحة أفواهها منتظرة القرابين الآدمية .

فوق الثرى المحفر تكدست هياكل منخورة العظام كانت في يوم ما لبشر دفع بهم السأم والخبل لمسيرة جنونية ، فراحوا للدهر والضياع ضحية .

تظل ترقب ما تلمحه . تجاهل فى فك الرموز الغامضة . تستكين لحظة فوق صدر الصمت ، تنشد راحة حائرة بين الرحيل والبقاء .

الثعبان يلاحق نظراتها بعينين نفاذتين . تتابع انعكاستهما بغل ، أصم . تكاد تغرق وسط ضباب السخرية الراكنة فى أعماقهما . سكينة مؤلمة ..

تتمركز بنفسها . سكينة الموت ، أم فاجعة العودة الى الحياة . لا تدرى تضحك . تغوص فى بئر جافة من الضحك الملوث باليأس والغضب .

يبتسم الثعبان . تضج عيناه بضحكة حزينة ، كئيبة الرعب تقاسمها غبطتها المباغتة . تعيد اليه الابتسامة . شعور ما يقربهما من بعضهما . يدفعهما عمدا اليه . فجأة تحس أنها ما جاءت الا من أجله .. ربما حتما هي ما جاءت الا من أجله !!

تقترب . ترتمى تحت قدمى الآلهة المتحطمة . الحلقة الحالكة تنحل . يزحف الثعبان نحوها . يتكور قربها . يعود يلتهمها بنظرات نهمة . تكور قبضتها تطرد طيفا لا مرئيا يحاول أن يجذبها الى الخلف . تضحك ضحكة أخيرة . تلقى بنفسها فى حضن الثعبان الرابض قبالتها فى اطمئنان جسور . تزداد ابتسامته اتساعا واشراقا .

أصوات مجهولة تتبع من خلف الجدران المزخرفة بنقوشات دامية ، تسيح فى شدو موسيقى أثيرية .

تتساءل ثانية ، حقا هل ابتسم الثعبان لها ؟ هل .. ؟

جسد لزج يطوقها فى حنو مدمر وهمسات من أفواه خفية تتماوج مع اللحن تحكى قصة ثعبان ابتسم فكان الخلود ، وكانت الحياة الحق فى ما وراء عذابات الحياة .

ثم لا شئ . صمت . صمت .. وظلام دامس يبشر بميلاد ليل جديد فى عالم قاتم الرؤى .

اشترك في نشرتنا البريدية