الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

هل المعرى شاعر فى ديوانة الأول " سقط الزند " ؟،

Share

لعل النقاد لم يختلفوا فى شخصية أدبية اختلافهم في ابى العلاء المعرى ذلك أن حكيم المعرة شخصية معقدة على ما يظهر ، فاذا أردنا مثلا معرفة عقيدتة على وجه التحقيق فاننا نجد عقبات عديدة تحول دون البت في ذلك حتى أن البعض قال : " ان مذهبه هو الشك الدائم " .

والحقيقة ان معتقدات المرء كثيرا ما تدعو الى اختلاف الناس فيها ... ولكن الغريب أن يختلف النقاد حتى فى الاشياء التى تعد مفروغا منها عادة بالنسبة لمفكرين أو شعراء غير أبى العلاء ... أليس يبدو من العجيب أن يطرح السؤال التالي : هل المعرى شاعر فى سقط الزند ؟

والذى يلفت الانتباه هو التحديد الموجود فى هذا الموضوع فلو قيل : " هل المعرى شاعر " فقط لكان الموضوع عاديا ، ولكن أن يقال : هل المعري شاعر فى سقط الزند ؟ فهذا وجه الغرابة . ذلك ان الآراء المتعارفة (1) تفيد أن أبا العلاء الشاعر يتجلى خاصة فى ديوانه سقط الزند حيث يظهر عدم التكلف والتعبير عن مشاعر انسانية خالدة كالأسى عند فقد الاحباب والحنين الى مسقط الراس وبعض الفخر والمدح وهما موضوعان مشهوران فى الشعر العربى .

والمتعارف أيضا أن موضع الاتهام (2) فى شاعرية المعرى هو ديوان " اللزوميات " فالمعرى شاعر في سقط الزند ناظم مفكر فى اللزوميات " (2) هذا هو الرأى السائد .

ولكن البحث العلمى الأدبي يقتضى مع ذلك ضرب الصفح عن كل ما يقال دون تدعيم وطرح السؤال من جديد ومحاولة الاجابة عنه .

فهل المعرى شاعر فى سقط الزند ؟

هذا ما سنحاول بيانه فيما يلى معتمدين أولا على حد الشعر عند النقاد القدماء ناظرين في موقفهم من شعر أبى العلاء فى " السقط " ثم ننظر بالتالي فى هذا الشعر على ضوء المقاييس الحديثة للشعر معتمدين فى كل ذلك على قصائد وأبيات من " السقط ".

وسنري في مرحلة ثالثة هل يمكن التوفيق بين رأى القدماء ورأى المحدثين . فى شعر المعرى فى ديوانه الأول . أهم من عرف الشعر والشاعر من القدماء ابن قتيبة وقدامة بن جعفر وابن رشيق وابن خلدون .

فاما ابن قتيبة فيعتبر شاعرا كل من أجاد فى تقليد القدماء وسبك على منوالهم (3) ، واما قدامة بن جعفر فيعتبر الشعر : كل قول موزون مقفى يدل على معنى (4) ، وتعريف ابن رشيق لا يختلف عن تعريف قدامة اذ يقول : " يقوم الشعر بعد النية من أربعة أشياء : اللفظ والوزن والمعنى والقافية " (5) واما ابن خلدون فلا يكتفى بهذا التحديد للشعر ويقول : " الشعر هو الكلام البليغ ، المبنى على الاستعارة ، المفصل باجزاء متفقة فى الوزن والروى ، مستقل كل جزء منها فى غرضه ومقصده عما قبله وبعده ، الجاري على أساليب

العرب المخصوصة به (6) ... فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الاساليب فلا يسمى شعرا . وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا فى هذه الصناعة الادبية يرون أن نظم المتنبى والمعرى ليس هو من الشعر فى شىء لانهما لم يجريا على أساليب العرب فيه ..."

والذى نستنتجه من تعريف القدماء للشعر انهم يعتمدون على الناحية الشكلية اكثر مما يعتمدون على الناحية المعنوية ، وانهم يعتبرون الشعر العربى فى عهده الاول ، وحصرا الشعر الجاهلى هو النموذج الفنى الأعلى ، له جماله المكتمل وله قيمته المطلقة الثابتة . هو اذن المقياس والقاعدة ، و أصوله نهائية وراسخة لا يجوز الانحراف عنها أو العبث بها أو تخطيها (7) وكلام ابن خلدون يؤكد هذا بوضوح ويشير بصراحة الى أن نظم المعرى ليس بشعر واذن فان المعرى ليس شاعرا والحكم فيه اطلاق وتعميم ولعل هذا وجه الضعف فيه لاننا حتى وان قبلنا هذا التحديد للشعر فاننا نجد ابا العلاء فى بعض شعره وخاصة فى سقط الزند قلد القدماء فأحسن التقليد وسار على منهاجهم فأبدع فى ذلك ، وان نظرة الى بعض قصائده التى قالها فى توديع بغداد أو التى قالها فى الحنين الى المعرة تثبت لنا ذلك فانظر كيف أحكم النسيب فى قصيد " ماء بلادى أنجع " :

مغاني اللوى من شخصك اليوم اطلال       وفي النوم مغنى من خيالك محلال

معانيك شتى والعبارة واحد                   فطرفك مغتال وزندك مختال

أو انظر الى قوله فى قصيد آخر :

نبي من الغربان ليس على شرع             يخبرنا أن الشعوب الى الصدع ...

وفى الحى اعرابية الاصل محضة              من القوم أعرابية القول بالطبع

وقد درست نحو السرى فهى لبة (8)      بما كان من جر البعير أو الرفع

ألفت الملا (9) ، حتى تعلمت بالفلا      رنو الطلاء أوضعه الآل(10) في الخدع

وهكذا يتبين لنا أنه اذا اعتمدنا مقياس القدماء للشعر - فان ابا العلاء

شاعر في سقط الزند أو على الاقل فى أكثر قصائده فيه اذ انه فى ذلك اعتمد الاساليب التقليدية والمعاني القديمة المعروفة وانما حاد عن ذلك بعض الشىء فى ديوانه الثاني " اللزوميات " ولهذا يحسن بالناقد النزيه ان لا يورط نفسه فى التعميم مع أننا لا نتوانى عن ملاحظة أن بعض ما جاء فى "السقط" ايضا خارج عن الاساليب التقليدية المعروفة لما فيها من التكلف وحتى اللحن ( 11 ) .

ولكن من النقاد من لهم فى تحديد الشعر مقياس آخر وهم النقاد المحدثون فهم لا يقصرون الشعر على اللفظ والمعنى ولا يقفون به عند الاساليب التى عرضها القدماء ، وهم يفهمون الشعر تعبيرا موسيقيا مؤثرا مما تجد النفس وترجمة منغمة عما تنفعل به وتهتاج ( 12 ) ، والشعر عندهم تجربة تضىء وضع الانسان وتفتح أمامه ابعادا انسانية مجهولة فالشاعر اذن من عاش تجربة انسانية ثم سبك ذلك فى كلام يجد فيه من قرأه نفسه وتتسع بذلك آفاقه.

فالشعر الحق عند هؤلاء وعلى حد تعبير بعضهم : انما هو ذلك الذى يقتنع بأصالته قائله فيصل بفضل عبقريته الى الدخول بشعره الى مسام نفس القارىء أو السامع فيحدث فى تلك النفس مثل ما أحس هو فى نفسه فيصبح الشاعر والقارىء للشعر فى " حال شعرية " تجعل هذا القارىء "شاعرا" شعورا كليا بما قصد اليه الشاعر ( 13 ) .

ولعل هذا التعريف للشعر والشاعر يعاكس تماما التعريف السابق ، فبينما السابق يعتبر الشعر صناعة أساسها تقليد القدماء وأساليبهم والاجادة فى ذلك ولا ضير فى عدم الصدق ( 14 ) فان معيار الشعر فى التعريف الحديث عمق الاحساس الناتج عن التجربة التى يفترض فى الشاعر أن يكون قد عاشها ، فصدق العاطفة يبدو أساسا فى الشعر وأين نحن الآن من تقليد القدماء والوقوف على الأطلال ؟ فالتعريفان يبدوان - لاول وهلة على الأقل -

على طرفى نقيض ، فما قد يستحسنه " ابن قتيبة " ( 15 ) وشيوخ ابن خلدون من نسيب عند المعرى ووصف المنافة ومدح غير صادق " كان على سبيل الرياضة وامتحان السوس " ( أى الطبيعة ) ( انظر خطبة سقط الزند للمعرى ) قد يعتبره المحدثون " ليس من الشعر فى شىء " بينما قد يعتبر هؤلاء رثاءه لأبيه وأمه وبعض أصدقائه ونظمه فى حنينه الصادق الى المعرة ( وان كان مهلهلا ) هو الشعر ذاته لانه ترجمة عن شعور صادق واحساس عميق كامن فى النفس اذ ما الفائدة من كلام يصف فيه دمنا لم يرها قط وحبيبة نعلم علم اليقين أن لا وجود لها البتة فى حياته ووصف مفصل لدروع نجزم بأن المعري لم يرها وهو الرجل الضرير فهل ترى الشعر كلاما يقال بل بعاد بل يكرر فاذا هو كأنه يصدر عن الببغاء ؟ وعلى هذا الاساس يكون هذان البيتان وأمثالهما :

"مغانى اللوى من شخصك اليوم أطلال      وفي النوم معنى من خيالك محلال

معانيك شتى والعبارة واحد                   فطرفك مغتال وزنك مختال "

ليس من الشعر فى شىء . وكذلك قوله :

نبـــى من الغربان ليس على شرع                  يخبرنا ان الشعوب الى الصدع ...

وفى الحى أعرابية الأصل محضة                     من القوم اعرابية القول بالطبع

وقد درست نحو السرى فهى لبة                 بما كان من جر البعير أو الرفع

وقد تعمدنا الاستشهاد بنفس الابيات التى ذكرناها سابقا تمثيلا لأحسن الشعر عند القدماء تأكيدا منا للتناقض الظاهر على الاقل - بين التعريفين وابرازا للمشكل فهل المعرى شاعر أم لا في سقط الزند وما هى سبيلنا بعد هذا لمعرفة ذلك وما هو رأينا فى كل هذا الذي سبق ؟

والذى نذهب اليه أن فى كل من التعريفين السابقين تطرفا نوعا ما وان اطلاق الاحكام والتعميم فيها لا يؤدى الى نتيجة ايجابية فليس سقط الزند قطعة معدن قدت من منجم واحد وانما هي مجموعة قصائد قالها المعرى في فترات مختلفة من حياته .

ولا شك أن احسن طريقة لمعرفة ما فى هذا الديوان تتمثل فى النظر في كل القصائد الواردة فيه ان لم نقل فى كل الابيات وأنى لنا ذلك فى بحث قصير كهذا ؟ فلابد اذن من الاختيار خاصة وأن القليل عادة يغنى عن الكثير وان بعض النماذج يمكن أن تغنى عن العديد من القصائد خاصة إذا احسنا الاختيار .

ولابد قبل هذا ان نعطى رأينا فى التعرفين السابقين للشعر وان نتخذ لنفسنا مقياسا للشعر نسير على هداه فى أحكامنا .

فالتعريفان السابقان وان كانا يظهران على طرفي نقيض فانهما ليسا كذلك إذا تعمقنا فى فهمها وحاولنا تحليلهما واظهار اوجه الاتفاق بينهما فهما يتفقان فى ان الشعر يأتم معنى الكلمة يجب أن تراعي فيه الناحية الفنية فلابد من لغة سليمة فنية يسبك فيها ، بقيت مسألة التقليد وأصالة المعنى وصدق الشعور وعدمه وهو مشكل ليس بالعسير الحل إذا نظرنا فى الغاية التى يرمى اليها الشعر ولا أظن أن الفريقين يختلفان فيها فالغاية هي اللذة التى يحدثها هذا الشعر فى السامع أو القارىء .

فالتقليد وجد وما يزال ولكن ذلك لا يمنع لذة الشعر فهذا التقليد صورى أو سطحي لا أثر له فى الغاية التى يرمى اليها الشعر " وهو احداث ما يطلق عليه اليوم عبارة " حال شعرية " (16) يحس بها الشاعر فتتمخض قريحته عن شىء يقوله : مهما كان نوعه ودرجة الابداع فيه أو التقليد ويحس بها القارىء أو السامع لهذا الشعر أيضا فيحدث الشعر فى نفسه الوقع الذي يريده والاهتزاز الذي يعبرون عنه بالطرب (16) .

وعبارة " حال شعرية " وان كانت حديثة الاستعمال فان المفهوم الذي تعبر عنه قديم وقديم جدا .

وقد جاء فى العمدة لابن رشيق (17) " وقالوا : قواعد الشعر أربع : الرغبة والرهبة والطرب والغضب : فمع الرغبة يكون المدح والشكر ، ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف ، ومع الطرب يكون الشوق ورقة النسيب ، ومع الغضب يكون الهجاء والتوعد .

وقال عبد الملك بن مروان لأرطأة بن سهية : أتقول الشعر اليوم ؟ فقال :

والله ما أطرب ولا أغضب ، ولا أشرب ، ولا أرغب ، وانما يجيء الشعر عند احداهن ! (17) .

أو ليس هذا تعبيرا عما نسميه اليوم " حالا شعرية " ؟ ولهذا نجد الكثير من الناس يتلذذون حتى اليوم بالشعر الذي فيه تقليد الشعر الجاهلى حتى بنسيب المعرى الذى جاء فى سقط الزند لأن الشعر ايحاء والنسيب التقليدى يكون احيانا شعرا وجدانيا .

فأبو العلاء فى لاميته التى موضوعها حنينه الى المعرة قد أتى فى بدايتها بنسيب طويل نوعا ما وهو فيه يحاول ان يظهر مشاعره وعواطفه فى أشياء خارجة عن نفسه وهذا ما يفعله الشاعر " الرومانطيقى " وهذا النسيب نوع من الشعر الوجدانى لان الشاعر يعتنى فيه بعواطفه وهو لذلك يستعير صورا عديدة من الشعر منها الحبيبة المثالية ، وكثيرا ما يعترى الانسان هذا الامر وهو ان يجعل عواطفه تتبلور حول شخص خيالي هو شخص الحبيبة لا فى الشعر العربى فحسب بل وفي الأشعار العالمية ، فانظر مثلا الى شعر "موساى" "Musset" تجد هذا الشاعر الفرنسي كثيرا ما يخلق مثالا يتحدث باسمه    أو يتكلم اليه فينشأ حوار بينه وبين ذلك الخيال وكأن الوجدان يحتاج الى قاعدة تحمله فالانسان تواق الى خلق هذا الشخص المثالى ، هذه الحبيبة المثالية .

ونسيب أبى العلاء فى قصيده المشار اليه ليس جميلا فحسب فى عبارته بل هو مثقل بشعور حقيقي صادق لا تكلف فيه ألا وهو الشعور بالحنين الى بلاده والشعور بالخيبة والألم عند مفارقته بغداد :

متى سألت بغداد عني وأهلها             فانى عن أهل العواصم سأ ال

وماء بلاد كان أنجع مشربا                ولو أن ماء الكرخ صعباء جريال

وخلاصة القول فى هذا الأمران لبعض التقليد جمالا واذا كان بعض المحدثين لا يرون فيه ذلك فلأنهم لم يحاولوا تذوق هذا الشعر أو لأنهم طبعوا بغير الطابع العربى وثقفوا ثقافة غير عربية فليس عجيبا أن يكون ذوقهم مخالفا للذوق العربى وانما المعرى كان يقصد بشعره هذا طبقة معينة .

وهكذا نرى أن التقليد فى مثل هذا الشعر ليس الا سطحيا لا اثر له فى

الغاية التى يرمى اليها الشعر وان فيه ما يرضى اصحاب التعريف القديم للشعر وأصحاب التجديد الحديث له .

ونحن في تعريفنا للشعر نجمع بين رأى القدماء وراى المحدثين وقد رأينا كيف ان اختلافهما ليس الا ظاهريا وانهما متفقان على الغاية التى يرمى اليها الشعر فبما أنه شعر عربي فلابد ان نتبع فيه الاساليب العربية من المفروغ منه أيضا أن يكون الشعر تعبيرا موسيقيا مؤثرا عما تجد النفس وترجمة منغمة عما تنفعل به وتهتاج أى تعبيرا صادقا عما يحس به الانسان أو الشاعر فى ظرف من ظروف حياته . قال حسان بن ثابت (18) :

وان أشعر بيت أنت قائله                 بيت يقال اذا انشدته صدقا

وانما الشعر لب المرء يعرضه              على المجالس ان كيسا وان حمقا

وعلى هذا الاساس فان جزءا وافرا من القصائد الموجودة فى سقط الزند لا تعتبر شعرا خالصا وهذا الجزء من سقط الزند نقصد به أكثر ما نظمه الشاعر فى طوره الاول ، ذلك اننا نجد فى هذا الجزء كثيرا من التكلف والصنعة وأحيانا سوء الذوق ولعل أحسن مثال على هذا بداية قصيده الذى رثى فيه والده ومطلعه :

نقمت الرضى حتى على ضناحك المرن                  فلا جادنى الا عبوس من الدجن

فليت فمى ان شام سنى تبسمى                         فم الطعنة النجلاء تدمى بلا سن

وقد اتفق النقاد على ضعف هذا القصيد وان وجدت فيه احيانا بعض الصور الجميلة ، وقد نقده طه حسين فى كتابه تجديد ذكرى أبى العلاء نقدا نوافقه عليه تمام الموافقة .

وهكذا فلا يمكن أن نعتبر المعري في هذا القصيد وامثاله فى هذا الطور من حياته شاعرا بالمعنى الذي أشرنا اليه بالرغم من صدق عاطفته فنحن نقرأ هذا الرثاء ونعيده ونحاول ان نجد فيه متعة ولذة أو تأثيرا فينا فلا نكاد نظفر بذلك فلا يسعنا الا ان نقول : ان المعرى فى الطور الذى ألف فيه هذا القصيد كان ناظما لم يرتق بعد إلى درجة الشاعر ، ففي هذا الطور طور الطفولة والشبات الى أن عاد من بغداد عبثت الضرورات " بشعر " أبى العلاء - كما يقول طه حسين (19) فوقع فيه حتى بعض الخطأ النحوى فقد سكن المعرى مثلا لام الفعل مع " أن " فى قوله : " فكاد أن يشجو الرحالا " ، ثم انه وضع " أن " بعد كاد فى قوله :

شجا ركبا وأفراسا وابلا               وزاد فكاد ان يشجو الرحالا

فلا يمكن والحال هذه أن نحكم بأن أبا العلاء شاعر " بالمعنى الصحيح فى مثل هذه الابيات كما انه ليس بشاعر فى بعض قصائده فى المدح وقد صرح هو نفسه فى "خطبة" ديوانه "سقط الزند" انى ما مدحت طالبا للثواب وانما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس (20) وطبعي أن لا نعتبر ذلك من الشعر فما زال المعرى فيه يتدرب على " الصناعة " وما زالت الملكه لم تحصل له إذ ذاك .

ولكن في "السقط" قصائد تتجلى فيها شاعرية المعرى الفذة وجل هذه القصائد نظمها الشاعر فى الطور الثاني من حياته بعد رجوعه من بغداد من ذلك قصيد "الا في سبيل المجد" حيث يتجلى كبرياء الشاعر وثورته ونلمس عند قراءته نفس الشاعر مكبوتة فى البداية فى ثورة هادئة تتطور شيئا فشيئا إلى ان تصل في النهاية الى حد الانفجار فيطلقها صرخة هائلة لا يملك القارىء تحصل له اذذاك .

فيا موت زر ، ان الحياة ذميمة    ويا نفس جدى ان دهرك هازل

وقد بلغ المعري في هذا القصيد شأوا بعيدا فى التعبير عن معان انسانية خالدة تتمثل في الصراع بين الفضيلة والرذيلة ولهذا بقى هذا القصيد وأمثاله من الشعر حيا أبدا لان الشاعر فيه تعدى حدود شخصيته فعبر عن ذلك المعنى البشرى الخالد وهذا هو الذي يجعلنا نشعر بالطرب عند قراءته ، ونشعر ان الرسالة قد نفذت وان أبا العلا يؤثر فينا .

ومن القصائد التى تجعلنا نقطع بشاعرية المعرى قصيدته المشهورة فى رثاء أبي حمزة الفقيه وقد اتفق أكثر النقاد على أنها من روائع شعر أبى العلاء بل من أروع الشعر العربي ( 21 ) ومطلعها :

" غير مجد ...." فقد جمعت صدق اللوعة وعمق الفكر " وكانت مزيجا من عاطفة خفاقة تتغلغل الى أعماق النفس وحكمة عميقة " تتجلى خلالها قيمة الحياة بازاء الموت ، فى صور رائعة حسنة الاختيار ، انظر الى قوله :

ابكت تلكم الحمامة أم غنــــــ      ــــنت على فرع غصنها المياد

فقد تفتقت قريحة الشاعر فى هذا القصيد بل فى الطور الذى قال فيه هذا القصيد فشتان بين قوله هذا وبين قوله فى رثاء أبيه :

" ونادبة فى مسمعى كل قينة            تغرد باللحن البرىء من اللحن"

ولم نأت بهذه الأبيات على سبيل الحصر وانما على سبيل المثال اذ لا يتسع المقام لاستعراض قصائد أخرى تبين صدى ما وصلت اليه شاعرية المعرى من عمق فى الطور الاخير من حياته .

وجملة القول انه يجب ان لا نصدر حكما واحدا فى ما احتواه سقط الزند من قصائد وانما يجب ان نراعي فيه نوعين من القصائد .

أولا : قصائد نظمها فى الطور الاول من حياته وهذه لم ينجح فيها الا نادرا لانها تضمنت من التكلف والتقليد والمبالغات الشىء الكثير وكأن صاحبها يروض نفسه على قول الشعر فاذا الشعر فيها صناعة واذا المعرى فيها ناظم لا شاعر .

ثانيا : قصائد أخرى قالها الشاعر فى الطور الثاني من حياته بعد رجوعه من بغداد تتجلى فيها نفس الشاعر الذى تمكن من ناصية اللغة وقد صقلت فريحته وارهف حسه فاذا هي صورة لنفسه الثائرة ومرآة لعواطفه الصادقة واذا هو لا الناظم المتكلف وانما الشاعر الملهم الذى ينفعل وجدانه فينطق لسانه بنغمات تبعث القشعريرة فى نفس السامع أو القارىء فيتأثر ويطرب .

اشترك في نشرتنا البريدية