الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

هل "برف الليل" رواية تاريخية ؟

Share

فى استعمال التاريخ في الرواية بصفته اطارا ، او مادة كان على الدوام من الطرق الفنية المفضلة لدى الكاتب العربي .

وإذا كنا نستطيع اعتبار كاتب مثل "جرجى زيدان" او "كرم ملحم كرم" من الذين اسبغوا على الرواية ثوبا تاريخيا مقصودا لذاته بحيث تصبح الرواية  اداة لتلقين المادة التاريخية ، ويصبح التاريخ منطلقا لتعليم مجموعة من القيم الاخلاقية والوطنية، وان كتابا اخرين قد استخدموا التاريخ فى رواياتهم استخدامات اخرى ، ويمكن ان نذكر على سبيل المثال " نجيب محفوط " فى مرحلته الاولى وقد ساد تيار الرواية التاريخية كامل البلاد العربية فى فترة ما بين الحربين ، تحت تأثير الترجمة عن الأدب الاوربى فى القرن التاسع عشر وخاصة الكسندر دوما الكبير والترسكوت واستجابة لمجموعة من واقع البيئة العربية.

ولم تشذ البلاد التونسية عن هذا التيار فوجدت فيها روايات تاريخية مثل بسالة تركية لمحمد الحبيب او اميرة الجم لزين العابدين السنوسي...

لكن هذه الروايات التاريخية ذات النمط الكلاسيكى قد تلاشت شيئا فشيئا ولم يبق منها شئ يذكر اثر الحرب العالمية الثانية.

لذا يكون سؤالنا حول رواية "برق الليل" التى وقع تعريفها بانها " قصة شعبية تاريخية بطلها برق الليل الذي عاش احداثا تاريخية خطيرة ونعتها الدكتور الخميري في تقديمها بالقصة الغرامية التاريخية " محاوله لتصنيف الشكل الفنى لهذه الرواية . واحلالها منزلتها من التيار الذى تعرضنا اليه.

من الواضح  ان الاطار التاريخى لرواية "برق الليل" هام ، ويتجاوز مرتبة  الاطار المادي لان بعض الشخصيات متوقفة عليه توقفا كاملا ، من ذلك شخصية

شعشوع الرئيسية اذ هو " كراكجى " اشتغل مدة فى سفن السلطان العثماني ثم انضم الى فصائل الينشرية وكذلك الشأن بالنسبة الى عدد من الشخصيات الاخرى ذات القيمة الاقل كالكيميائى العجوز مالك برق الليل . كما ان الكثير من احداث الرواية مرتبط بالاحداث التاريخية فلقاء برق الليل بشعشوع ، أو  انقاذ قائد القصبة لخير الدين من مؤامرة السلطة المسمومة يصعب عزلها عن الاطار التاريخي.

ويشكل هذا الاطار كذلك ، مثلما هو الشأن فى الرواية التاريخية الكلاسيكية خيطا قصصيا يربط حلقات الاحداث ، ومصائر الشخصيات ، فهو يساير أو يوازي القصة الرئيسية اى القصة الغرامية ، لكننا لا نلاحظ التركيبة الكلاسيكية فصلا بفصل للتاريخ والثاني للقصة الغرامية (جرجى زيدان).

اما المادة التاريخية فمتوفرة من شخصيات حقيقية كخير الدين بربروس او الشيخ مقوش .. يصفها الكاتب وصفا جسميا ويصف لباسها وسلاحها (ص 50 - 47) واحداث معركة باب سويقة التى دارت بين الاهالى والينشرية لكن الطريف فى القصة استعمال التاريخ والتصرف فيه ، فاذا كان زيدان يورد نصوصا بحذافرها من كتب المؤرخين يدعمها بتواريخ وارقام واعلام ، بل خصص فصلا اوليا فى رواياته له صبغة تعليمية وبحث فان خريف يستعمل " خيالا " خاصا ، فتصور مشاهد لها منطلقات تاريخية دون شك ، لكنه يصبغ عليها الكثير من روحه الخاصة . خذلك مثلا تصوير مخبر الكميائى الباحث عن اكسير الحياة ، وهذه الفوضى الموقعة التى ادخلها برق الليل عليه . او مشهد برق الليل يقذف مكاحل الينشرية بالماء عبر مصران تطبيق نظريات ارخميدس فى السوائل ومن هنا يختلط التاريخ لدى البشير خريف بالفن . والاسطورة الشعبية ليست طرحا عصريا لقضية التمييز العنصري ، او الوطنية.

كما ان في الرواية ظاهرة اخرى ملفتة للانتباه ، هى الخروج عن الاطار المحدود للتاريخ الرسمى تاريخ الملوك والامراء إلى التاريخ اليومى للشعب فى اعماله وحياته العائلية ، وافراحه واتراحه ومواكبه ، وفي كفاحه للغازى . وما شخصية برق الليل الا محاولة لخلق شخصية شعبية محببة بفطنتها للبطولة والمرح .. تعوض عن شخصية الامير او ابن الشعب الذي يكتشف نسبه المجهول فاذا هو امير (فتاة غسان) .

ونلاحظ كذلك المحافظة على عنصر هام من عناصر الرواية التاريخية والكلاسيكية وهو ايجاد شخصية مرحة وخلق مواقف مرفهة لقطع التازم ، وقد كانت هذه الشخصية برق الليل نفسه ، بينما جرت العادة ان تكون تابعة للشخصية الرئيسية (خادمة مثلا) ، فقد حطم خريف التوازن الكلاسيكى بين الشخصيات كما انه خلط طبع برق الليل المرح بجانب تراجيدى واضح ، وهو ما يخالف التخطيط الكلاسيكي ، وان حافظ على هذا المزج بين الحلو والمر وهو من خصائص الدراما والميلودر الكلاسيكيتين.

لكن الاهم من كل ما ذكرنا من عناصر تشابه بين برق الليل والرواية التاريخية الكلاسيكية او عناصر تطوير ان نتساءل عن توظيف البشير حريف للتاريخ في روايته ؟

والأمر يتطلب دراسة طويلة ولكننا نبدى بعض الملاحظات الاولية :

ان النزعة التعليمية لم تختف من برق الليل ، فهناك نزعة واضحة لذكر اسماء الاماكن التاريخية وتحديدها ووصف الملابس والاسلحة ونقل تفاصيل الاحداث التاريخية الكبرى.

لقد عوضت نزعة وطنية واضحة (انظر النفس الملحمي في صراع الشعب التونسي لاعدائه ومواقف شعشوع بانضمامه الى ابناء وطنه ، النزعة التراثية المحلية في روايات زيدان مثلا..)

لم يبق التاريخ مجرد اطار وقصة موازيا لغرام البطل بالبطلة بل اصبح متداخلا ومآسي برق الليل في كفاحه من اجل انعتاقه، وحريته ، والحصول على هذه الحسناء البيضاء التي تمثل الحرية ، واصبح جزءا من النسيج القصصى بحيث يمثل تطويرا للاحداث ومعرقلا لها ومشكلا لظروف الشخصيات.

تلك هي ملاحظات عنت لى . ولم تسمح لى الظروف بالقيام بدراسة اكاديمية تدعمها ، وانني اعتبرها مجرد تحية اكبار وتقدير لاستاذنا الكبير البشير خريف ، على انني ارغب فى النهاية فى اعطاء اجابة اولية على تساؤلى : هل ان برق الليل رواية تاريخية ؟

من المؤكد ان فى برق الليل عناصر من الرواية التاريخية بالمفهوم الكلاسيكى للكلمة ، ولكنها تميزت بعناصر كثيرة ليست بالتطوير لذلك المفهوم الكلاسيكى بقدر ما هي سبك جديد له .

اشترك في نشرتنا البريدية