ما زلت أذكر الايام التى كنت أجل فيها قبالته . . أنصت اليه كبقية الحاضرين . . كانت علامات الخوف تعترى وجهى طوال النهار فقد كنت أراه فى اليوم عشرات المرات . . وكان صارما ، شديدا . . يهابه جميع الاطفال وكان سريع التحرك . . بامكانه أن يفاجئك في أى وقت وان يصل اليك فى أى مكان تقصده . .
كان وجهه الاسمر المنشغل دوما يطالعني صبيحة كل يوم فأرتجف رغما عنى وأسأل الله فى صدق ان يجعل اليوم يمر بسلام . . وكنت أجهد النفس فى أن أجيد حفظ قطع المحفوظات وفى ان لا اكثر من الاغلاط فى الاملاء . . فلقد كانت صيحاته تزعزع أركان القاعة وكان عقابه شديدا لا يرحم . . كنت تلميذته المفضلة وكان يوكل إلى مهمة توزيع الكراسات وجمعها والاعتناء
بنظافة وترتيب مكتبه ، وفي أوقات استثنائية نادرة جدا ، كان يوكل إلي حراسة زملائى . .فلم يكن من بين الذين يكثرون من مغادرة الفصل لسبب أو لآخر . . كنت اذن وفى نظر أترابى محظوظة لديه . . وكان الجميع يتمنون لو انهم كانوا مكانى . . ولكن وفى حالات كثيرة كنت ألقى منه نفس المعاملة التى يلقاها الآخرون . . وربما عاملنى بطريقة أشد وازرى وأكثر إزعاجا لا تزال لها آثار حية فى نفسى حتى اليوم . .
كان غريبا ـــ وانا فى سنى تلك ـــ أن أحس بحاجة ملحة الى أن أراه . والى أن أسمع صراخه . . والى أن ألمح . . الى جانب ذلك . . نظرات الرضى فى عينيه الى . .
لست أنكر أن أشياء عديدة قد سقطت من الذاكرة وضاعت . . ومع ذلك فما زلت أحتفظ لنفسى بأشياء لصقت باعماقى وعاشرت وجدانى ولم تبرح مطلقا ذاكرتى وإن اعتراها فتور وشبه نسيان . .
اليوم جمعتنى به الصدفة فى احدى الجلسات الرسمية. . سلمت عليه فرد
التحية . . قابل تحيتى بابتسامته المعهودة. . قصيرة ومقتضبة . . تحس معها انه حدير بك ان تصمت . . كان يعلم انى كنت احدى تلميذاته وكنت أعلم أنه كان مدرسا لى . . وكان فى القفل صرير . . كان الصمت يملأ الفراغ الذى يسعنا وكان الشوق مخزونا فى قلبينا . . كان فتى يافعا أسمر له جمال الهنود وكنت طفلة صغيرة لا تفهم من الحياة شيئا . .
لم تكن الكلمات عادية بل كانت لغة الطفل الى الطفل . . ولم يكن الشوق مألوفا بل كان شوق الانامل الصغار الى ثدى الأم . . كان الحلم صغيرا ولكنه ظل يكبر . . كبر فى صمت ونضج فى صمت ملتفا بلحاف من البراءة وصدق العاطفة . .
كان خطأ ان بعث الطفل من جديد فالزمن غير الزمن وان ظلت السماء هى السماء والشمس هى الشمس والمدرسة هى المدرسة . . لم يتغير بها شىء . . أشجار التوت ما زالت كعهدى بها غارقة فى اللون الاخضر . . راسخة الجذور شامخة تمس القلب من قريب . . عشرون سنة مرت والأشياء بالمدرسة ما زالت كما هى . .
لم يتغير لونها ووجدت في طعمها ما كنت أجده فى الايام السالفة . . أسندت ظهرى الى النصب التذكارى الذى يتوسط ساحة المدرسة فشعرت بالخشوع . . كنت ألجأ اليه أيام المدرسة أجلس اليه كلما سنحت لى الفرصة . . فأتصور هذا الرجل الذى منح أرضه وماله هبة فى سبيل العلم فأكبره وأود لو أنى رأيته . . لا بد ان يكون عظيما وسألت مرة معلمي :
هل كان الرجل عالما ؟ كنا فى حصة تطبيق لدرس نحو . . تناولنا فيه التعريف باسم وخبر كان واخواتها . .
قبل المعلم الجملة على انها جملة صحيحة ولكنه سألنى عن الرجل هذا الرجل . . قال : هل معنا رجل فى الفصل ؟ قلت : انه هناك واشرت بيدى الى ساحة المدرسة . . الى حيث يوجد النصب التذكارى . . قال : لماذا تسألنى إن كان عالما أم لا ؟ قلت : أليس هو الذي أهدانا هذه المدرسة ؟ قال : بلى ، قلت : اذن لا بد ان يكون عالما والا لما قدر قيمة العلم ومنح أموالا طائلة ف سبيله !
أعجبه سؤالى وابتسم وأجاب : هى فرصة وفرتها لى احداكن لكى اعرفكن بهذا الرجل وأشكرها على ذلك . . » هو رجل تقي . . ورع . . وثري . . عاش
مستقيما فى سيرته وسلوكه . . وكان يحب رجال العلم ويحترمهم ومع ذلك فلقد كان أميا . . وذلك ما حز فى نفسه طيلة أيام حياته وكان له نسل وابناء كثيرون غير ان ذلك لم يمنعه من ان يمد يد المساعدة الى الغير وخاصة الى الطلاب الذين يرتادون ديار الغربة طلبا للعلم . . وبعث عدة مشاريع تربوية ومنها تأسيسه لهذه المدرسة . .
اليوم وقد وقفنا وجها لوجه رأيت الفرح ينهمر من عينيه ورأيت الحلم ينطق .
ـــ أتذكر يا سيدى ؟ ـــ نعم ، المدرسة واشجار التوت والنصب التذكارى واسئلتك التى لا تنتهى . . والجائزة . .
ذكرت الجائزة وما سببه لي حلمى بالجائزة . . حين كنا بالمدرسة كان يتركنى أحلم بالجائزة شأن الكثير من الاطفال بالفصل . . صرخ فى وجهى ذات مرة قال : » لم تعدى اصلاح اخطائك كما كان مقررا . . ألا ترين ؟ ما بك اليوم ؟ قلت وقد قتلنى الحياء :
» معذرة سيدى . . كنت متعبة . . « وكان ان حرمني في ذلك اليوم من الجائزة . . فيلت الاهانة وحزنت ولكننى لم استسلم حاولت ان استعيدها فى يوم آخر . . ظلت عصبيتى واضحة طيلة سنوات دراستى الابتدائية وكانت جوائزى لا تعد . . فلقد كان الخوف من ان أفقدها مرة ثانية ، لا يكاد يفارقنى لقد كانت الاهانة كبيرة وكان خجلى منه أكبر. . وكنت وفى مرات عديدة يعجبنى أن تتعدد الجوائز بالفصل . . كنت وكأنى أريد أن أتحدى مدرسي وكان فى قلبى تمرد . . صامت . . أذكر يوما مال فيه على ، ففاحت منه رائحة سجائره . .
كانت قد أدفأتنى وكان فى أوج ساعات غضبه وكنت بصدد اصلاح اغلاط إحدى رفيقاتى ولما تفطن الى العمل الذى أنا بصدد انجازه والذى هو مخالف لقانون الفصل لم يتورع في أن يصفنى لم ترهبنى الصفعة وان كانت قد آلمتنى وخلفت آثارا واضحة بخدى ولكن الذى أرهبنى اننى شعرت بعجزى وبضعفى وانا الى جانبه وازددت يقينا من قوته وقدراته ولم أفكر فى أن أكرهه . . فلقد أحببت ذاك الدفء المتسرب منه الى . .
كأن دنيا غريبة قد احتوتنا اليوم . . لم نألفها من قبل . . أحسسنا كأننا
أجنبيان عنها . . بدت ساحرة وكان ان زينت لنا الاحداث . . زينت لنا الفرحة باللقاء . . وكان ديكورا موسميا وكان قد نادانا عن بعد . .
بدأت النار تسكن فى ذاكرتينا وعاد عطر الاحداث الغابرة ليملأ أنفينا وكان الضوء يملأ المكان . . يغطى علينا الدرب فلا نرى شيئا غير باقات الياسمين تتناثر بيننا . . كانت فى عينيه فرحة وفى عيني فرحة وكانت على شفتي كل منا أنشودة . . أنشودة طفل جريح كبر عليه الوهج المترامى في الذاكرة . .
كان النغم رائعا . . عبقا . . متدفقا . . وكان الموعد خطأ . . كان خطأ ان بمشى فى اتجاه الفرح الحزين وكان خطأ ان نتكلم . . فقدت كلماتنا براءتها كان شيئا قد زاد عليها . . فقدت هدوءها واللون الساكن الذي كان يطغى عليها . . وتغيرت لغتنا . . أصبحت كلمات من نار وبدا الحلم أكبر مما كنا نحسب وبدت الفرحة باللقاء ملتهبة صارخة كقرص الشمس وقت الاصيل . . يومها عرفت ان أشياء كثيرة قد تغيرت . .
ونحن نغادر القاعة ضغط على يدى بقوة قال :
» ما زلت أتمثلك وأنت صغيرة . . هل تذكرين عندما كنت تحتجين وكأنك تدينينى . . هل تذكرين يوما رأيتك فيه تكتبين نص الاملاء خلسة لاحدى رفيقاتك . . صفعتك بقوة وانتظرت ان اراك وانت تبكين . . ولكنك لم تذرفى دمعا . . نظراتك عبرت عن أشياء غريبة حقا . . بدت وحشية الى درجة جعلتنى أعجب . . كيف تصدر مثل تلك النظرات عن تلميذة فى مثل سنك . . ؟
لم تعبئى بشئ فى تلك الايام . . كنت ذكية وكنت أقدر فيك هذا الذكاء ولكن نقاشنا كان دائما مستعرا . .
كنت بالرغم من ضآلة حجمك تتصورين نفسك محور الاحداث . . لقد كنت تشعين بالحيوية وكانت لك شخصيتك رغم صغر سنك وكان يعجبنى منك تحديك لى . . وثقتك بنفسك رغم الاتعاب الكثيرة التى سببتها لى . . لقد أتعبتنى وكان لتعب تلك الايام طعم خاص . . اننى أشعر وكأنك تعيدين لى أيام زمان . . ما أجمل أن أستعيد ذكريات تلك الايام !!
كان يتكلم وكنت اتفحص وجهه وكأنني أراه لاول مرة . . تجرأت وقلت : » عظيم أن أراك . . أنت الآخر أعدت لى طفولتى . . أجمل مرحلة مرت بى فى حياتى . . أو تدري . . ؟ لقد كنت أشعر وقتها بنفسى مشدودة اليك بقوة
ونفس الشعور داهمني حالما وقعت عيناى عليك داخل القاعة . .
جذبنى من يدى فى خفة . . كان يبدو مرحا سعيدا رغم الشعر الابيض الذى كسا رأسه فلقد بدا مرحه شبيها بمرح الاطفال . .
قال : تعالى نشرب شيئا . . وأنا أرشف من فنجان القهوة قال : » تعجبيننى . . دائما متألقة . . جريئة وذكية . . «
لم أكف لحظة عن مراقبة حركاته . . كان لا يزال جذابا . . ولكن الزمن غير فيه الكثير . . بالرغم مني تمتلئ عيناى بالدموع . . مددت له يدى بفنجان القهوة . . عيناه تتجمدان على الخاتم الذهبى ، الذى التف حول اصبعى قال وكانه تذكر شيئا :
» تزوجت ؟ . . « ـــ ولى ولدان .
عاد الصمت ليلفنا من جديد . . اختلط فى داخلى حبى القديم له وعطفى الحالى عليه ، قلت لأبقى بيننا حوارا . .
» حدثني عن نفسك كيف أنت ؟ . . « ركز نظراته فى عينى . . فى هذه اللحظة فقط رأيت أن فى عينيه شيئا . . ماذا فيهما . . ؟ اية نظرة تلك العالقة بمقليته . . ؟
ارتحف رغما عنى . .أتوه في أفكارى وتختلط علي مشاعرى .
لم يعد حب الطفلة هو الذى يملأ نفسى . . ابدا . . ولم تعد علاقة المدرس بالتلميذة هي التى تسيطر على الموقف . .
ويبدو انه قد أحس بما يدور فى نفسى وانه كان يعانى من مثل ما أعانى وأدركت انه علي أن أحسم الامر سريعا وكأنه أحس بما فكرت فيه شرع يتحدث :
حدثنى عن » نادره « ابنته الكبرى وعن تشبثه الشديد بها . . قال :
» فيها شبه منك . . عنيدة مثلك ومتعبة . . وحدثنى » سامى « وعن الحيوية التى يمتاز بها . . وعن اعجاب أساتذته به . . وعن » ياسر « وخجله المبالغ فيه . . وعن » سمر « طفلته الصغرى والبهجة التى تدخلها على قلبه كلما دخل البيت . .
وعن جودة الطعام فى بيته . . فلقد كانت زوجته طباخة ماهرة كما قال لى . . ولم ينس أن يحدثنى عن زوجته كان احترامه لها كثيرا وربما كان حبه لها أكبر وكان يقول :
» كل ذلك لا يعنى انى رجل سعيد شئ ما يعطل خطاى . . يبعث القرف والملل الى أيامى . . شعور كامن فى أعماقى لاصق بمشاعرى يجعلنى أحس بالغثيان . . «
قلت وقد حز فى نفسى أن أراه على حاله تلك :
» هى الرتابة يا استاذى . . حاول أن تنتصر عليها بأن تخلق فى حياتك أنشطة متنوعة ترفع عنك روتين الايام وتجدد خلاياك « . .
قال لى بألم : » أشعر فى أحيان كثيرة برغبة ملحة فى أن أبكى . . كأننى فى حاجة أكيدة الى فيض من الحنان . . الى قلب كبير يحتوينى بين جنبيه . . الى كلمه صادقة تشحذ عزيمتى وتجدد نشاطى . . لم نلتق الا منذ دقائق ومع ذلك فلقد أحسست بوزنى يخف وكأن بى رغبة فى أن أرقص . . وأغنى . . اني لا أملك أى تفسير لما أصابنى . . كأننى على أرض غير الارض . . «
أسعدنى ما سمعته منه ، ولكن ذلك لم يمنع شعورا بالمرارة من أن يتسرب الى . . لماذا . . لست أدرى قال :
» لى موعد مع دكتور الاسنان . . نهضت قلت : » أراك فى فرصة ثانية « . ضغط على يدى قبل أن يتركنى وينصرف . .
عرفت ـــ بعد حوارات متتالية ـــ أن رفيقى محتاج إلى قدر كبير من الاهتمام والرعاية والحب . .
