الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

هل تكون الأجيال القادمة أسعد منا حالا ؟،

Share

ما " السعادة " ؟

لئن اختلفت الفلاسفة فى تحديد مفهوم " السعادة " فان الاعتقاد السائد هو ما ذهب إليه فريق كبير منهم ، ومختصره " أن السعادة هي مرحلة " الواحدية " التى يتوق إلى بلوغها الانسان ، بعد تخطيه مرحلة "الثنائية" مصدر ما يعاني من ألم ، وتمزق وضياع . "

"السعادة المطلقة" هل يمكن أن نوجد ؟

والسعادة المطلقة ، لا يمكن أن توجد . . بهذا أقر اغلب الفلاسفة ، القدامى منهم ، والمتأخرون لاعتقادهم أن " الموجود البشرى " لا يمكن أن " يتوحد " وهيهات أن " يتوحد " من طبعه " الانقسام " ، هيهات . . يقول المثل الاجنبي " إنه ليس للشعوب السعيدة من تاريخ "

إنسان الأمس ، كان حظه من "السعادة" أوفر ، لماذا ؟

ومن الغريب أن الانسان ، بالرغم من هذه "النتيجة المسبقة" ظل ، فى كل  زمان ومكان مصرا على بلوغ السعادة ... ومن العجب انه كلما ازداد الانسان سعيا " لتحقيق السعادة " زاد عنها بعدا ، وزادت هى شرودا ... وهذا ، فى اعتقادى ، السر في ما كان " السلف " ينعم به من " دعة " و " هنا " . . إن " النضج الحسى " هو ، فى ما أرى ، الجسر الذى يفضى بالانسان إلى "الشقاء" وإن وعى الانسان " بالتوزع " هو الباعث الاصلى لتحقيق " التأليف "

جيلنا ، هذا . . . الشقي

ولبس غريبا ، بعد الذي ذكرنا ، أن يكون حظ جيلنا من " الشقاء " حظا لا يحسد عليه ونحن لا نعرف جيلا من الاجيال الخالية أشد تحمسا " لقضية

السعادة " من جيلنا هذا الحاضر ، زاده " التقدم التقني " الذي خص به غرورا وسعيا رخيصا وراء " السعادة " وتوهمنا أن " المخترعات الحديثة " ستأتي لنا بالسعادة كما يأتى كلب الصياد بالقنيصة . واندفعنا على حساب أعصابنا - نرهق النفس ، ونبذل العرق تدعيما " لسلطان الآلة " ولكن سعينا ، لسوء الحظ - لم يصل بنا الى غير " التمزق " و " القلق و " الضياع" ... وانه لمن نكد الدهر أن تكون حصيلة جهادنا درجة من " الشقاء " لم تبلغها سالف الاجيال ممن هم دوننا تحمسا لتحقيق السعادة.

والاجيال القادمة ، ماذا نتوقع لها ؟

لئن تمكنت "الآلة" من التغرير بأجيالنا هذه الحاضرة ، فالظن كبير انها لن تتمكن من التغرير بكل الاجيال اللاحقة ، ذلك أن " النصر التقنى " الذى باغت إنسان هذا الجيل وخدعه نشك كثيرا فى قدرته على مخادعة إنسان المستقبل ، وأزعم أن انسان الغد سيرتد عن " تقديس الآلة " وظني أن الانسان متسائل يوما : إلى متى هذا السعى الاحمق ؟ ... ما أشبه إنسان اليوم بالصغير الذى يقفز ويقفز معتقدا أن قفزة من قفزاته ستمكنه من الطيران حتى اذا كل تيقن انه يحاول عبثا ويطلب مستحيلا . . .

وأختصر فأقول مع من قال " إن الانسان اليوم فقد إنسانيته " فهو يحيا حياة غير طبيعية ، ونحن لا نعرف شيئا ، فى الدنيا ، غير طبيعي ، كتب له البقاء والدوام . . والانسان لن يعود إلى " طبيعته " إلا " بتجاوزه الآلة " . . . ويزيدنا يقينا بما ذهبنا اليه مظاهر " العودة " المحتشمة إلى الحياة الطبيعية التى بدأت تشهدها أيام الناس هذه . . ويقيننا أن هذه العودة "ستتأكد" وتتعمم يوما بعد يوم . . . والذي يزيدنا اطمئنانا إلى هذا الرأى أيضا ما يؤكده اليوم بعض علماء " التكنولوجيا " من أن " المسيرة التقنية " نفسها لن يكون تقدمها فى المستقبل الا دبيبا . وختاما فأنا أكاد - لولا التواضع - أجزم بأن الاجيال القادمة ستكون أسعد منا حالا . . فهل تقولون معي ليت أيامنا ، فى الحياة، قد تأخرت لتجيء فى أيام الاحفاد ؟

اشترك في نشرتنا البريدية