الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

هل كان النبى محمد ، يعلم الغيب ؟!

Share

هل كان النبى محمد عليه السلام يعلم " الغيب " كليا ، ومطلقًا . ودائمًا ؟ اما أنا ؛ فاقول : لا . وانما كان يعلم " الغيب " بايحاء الله له - متى شاء - فى أزمنة وامكنة ، وقضايا محدودة غير مطلقة . وليس الحجاب مكشوفا دائما ، بحيث يرى " غيب " ملكوت السموات والأرض ، ويعلم ما حدث أمس ، وكل ما يحدث بعده . . وان لم يرهما .

ولكن الاستاذ ناصر سعد من العراق - كتب فى مجلة الرسالة الغراء ( ع ٩٩٨) مقالا يجزم فيه بقوله : " إن النبى ولا شك - كان يعلم الغيب ، فيخترق بعقله او بروحه الحجب ، ويعرف حقائق اسرار الكون . . ولا مجال لتكذيب هذا الامر ، بعد ان أقر علم النفس الحديث قراءة الافكار واحضار الارواح ومحادثتهما " الخ .

وذهب الكاتب الفاضل يضرب الامثال على ما زعم : (١ ) اخبار النبى عليه السلام لعمار بن ياسر " انما تقتلك الفئة الباغية " (٢) تحديثه باشقى رجلين : أحيمر ثمود عاقر الناقة ، وعبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن ابى طالب كرم الله وجهه .

(٣) تحديثه عميرين وهب بما جاء من أجله الى المدينة ، وهو ما تآمر عليه هو وصفوان بن امية ، فى الحجر فى اليمامة ، من اغتياله عليه السلام .

(٤) إخباره لعمه العباس ، يوم أسر فى واقعة بدر ، بما خبأه عند ام الفضل بمكة من مال .

( ٥ ) ما حدث به سلمان الفارسي أثناء حفر الخندق ، عندما لمعت برقات ثلاث تحت معوله - عليه السلام - الذى كان يضرب به صخرة اعترضت الخندق ، فقال عن الاولى انها بشارة فتح اليمن ، والثانية فتح الشام او المغرب ، والثالثة فتح المشرق . . وقد صحت هذه البشريات ، فتمت هذه الفتوح .

(٦ ) حديثه عن العاصفة التى هبت فى طريقه الى غزوة بني المصطلق ، بانها لموت عظيم من عظماء الكفار ، فلما وصل المسلمون الى المدينة وجدوا رفاعة بن زيد اليهودى قد هلك فى ذلك اليوم ....

(٧ ) قصة حاطب بن أبي بلتعة ، وعلم النبي بالمرأة التي حمدها حاطب رسالة الى مشركي قريش ينبئهم فيها بمقدم النبي إليهم ...

(٨ ) إخباره لوفد اهل جرش - باليمن-  بما اصاب قومهم من تقتيل صرد ابن عبد الله لهم .

الى غير ذلك من حوادث - ذكرها الكاتب أم لم يذكرها _ اتخذها ادلة على علم النبى " بالغيب " ، وهى - ان كثرت أو قلت - لا تغنى فى تقوية ما زعم ، ولا تكفى لتصحيح ما ادعاه . .

وأول ما نريد نقضه من قواعد زعمه ، ما زين له من الاحتجاج بما أقره علم النفس الحديث من " قراءة الافكار " و " احضار الارواح ومحادثتهما " فليس ما كان يوحى الى النبى عليه السلام من " غيوب " محدودة معدودة من هذا القبيل . . قبيل قراءة الافكار ، واحضار الارواح . وإلا فما الفرق بينه وبين العاديين الذين يحترفون هذين العلمين او الوهمين على الصحيح ؟

ان الحجة يجب أن تكون من جنس المحتج عليه . وعلم النبي ببعض " الغيوب " كان وحيا إلهيا ، لا اكثر ولا أقل - وهذان العلمان أو الوهمان ليس كذلك بلامراء ثم ان علم النبي ببعض " الغيوب " لا يصححه لدينا أو يصوبه ويؤكده لنا شئ من هذه التجارب والمعارف الحديثة ؛ وانما نؤمن به ، كما تؤمن بالقرآن الذى

يذكر لنا ان محمدًا عليه السلام أوتي معجزات عديدة ؛ كما أوتي النبيون من قبله معجزات ايضا . ولا تزيد !!

وعلمه - عليه السلام - ببعض الغيوب ؛ من بعض هذه المعجزات . وهذا " القرآن " الذى نؤمن به ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ ونؤمن بما ذكر عن معجزات الانبياء جميعًا - يذكر في آيات صريحة فصيحة ؛ مكررة مؤكدة : ان النبي عليه السلام كان لا يعلم الغيب كليا ؛ ومطلقا ؛ ودائما .

- " قل انما الغيب لله " و " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدًا الا من ارتضى من رسول " - " قل لا يعلم من في السموات والأرض والغيب الا الله ..." - " قل لا املك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ؛ ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير ، وما مسنى السوء . . "

- " قل ما كنت بدعًا من الرسل ؛ وما ادرى ما يفعل بي ولا بكم . . " - " قل لا اقول لكم عندى خزائن الله ؛ ولا اعلم الغيب . . "

أجل لو كان النبى عليه السلام يعلم " الغيب " كله ؛ لاستكثر من الخير ؛ ولما مسه سوء اعدائه ومكائدهم ؛ ولاتخذ من كل أذى حمى ؛ وحسب لكل هزيمة فى المعارك التى هزم فيها المسلمون حسابا ! ولما أسف على كفر من كفر : وما حزن على مسارعة من يسارع الى الكفر ؛ أو على قول من يقولون له : لست مرسلا او يطلبون منه مطالب الاعجاز والاعنات ؛ لان من يعلم ما سيحدث له لا يبالي به اذا حدث ؛ لان نفسه قد استقرت على تلقيه واستقباله .

ولكن النبي كما يذكر القرآن فى عدة مواضع - كان يأسف ؛ وكان يحزن ؛ وكان يحاول أن يبخع نفسه ؛ وكان يضيق صدره ؛ بما يفاجأ به من احداث .

وبعد : فما كان همي أن اقرر ما قررت من عدم علم النبي بالغيب مطلقا ؛ فى ردى على من زعم هذا العلم فذلك واضح فى القرآن والسنة ؛ ولكن همى ان

أفرق بين علم النبى ببعض الغيوب ؛ وقراءة الافكار واحضار الارواح وغيرهما من تجارب العصر الحديث ؛ التى لم تصل بعد الى درجة اليقين ؛ أو التى لا تعد علما بالغيب _ بالمعنى الصحيح _ وإنما تعتبر من قبيل التفهم والتفرس واشتداد قوتهما عند بعض الاذكياء من الناس . .

وهى كذلك الا يتخذ بعض المحترفين ما زعمه الكاتب حجة لهم فيما يحترفون من قراءة افكار ؛ واحضار ارواح . وشتان بين معجزات الانبياء ؛ وترهات الادعياء

اشترك في نشرتنا البريدية