نظرت فى عدد شهر نوفمبر من مجلتنا الادبية المحببة (( الفكر )) فاذا هو طافح بالمواضيع من نثر ومسرحية وشعر ، وأحصيت عدد القصائد التى جاءت فيه ، فبلغ عددها الثمانية ، أربعة منها فى (( صلب المجلة )) وأربعة فى (( بريد القراء )) وهى كلها لشعراء شبان مازالوا يفتشون عن الكلمة الاصيلة ، وعن المعنى الجيد ، شعراء تبنتهم ( الفكر ) واحتضنتهم احتضانا ، ورعتهم رعاية الجنان المخلص لزهراته الشابة .
وأنا أشكر لمجلتنا الغراء تشجيعها هذا ، وأعترف - على لسان اخوانى الشعراء بأياديها البيضاء من أجل ابراز المواهب وصقلها . ولنبدأ نقد هذه القصائد محاولين غربلتها بكل تواضع وموضوعية .
صلاة للحرف المناضل ص . ص . 40-42
هذا القصيد الذى كتبه أحمد القديدى على تفعيلة الرجز يذكرنى ببيت للشاعر العراقى معروف الرصافى :
وأجود الشعر ما يكسوه قائله بوشى ذا العصر ، لا الخالى من العصر
لان ( صلاة للحرف المناضل ) أغنية من النوع الجيد جاءت مكسوة بوشى عصرنا ، بحيث أنها عالجت موضوعا حيا له قيمته : هو موضوع الكلمة الحرة والست المناضل والتوق الى الاخلاص للقضية وتمجيد (( حبيبتى الحرية )) ( 1 ) ، والخروج من عهود الرق والعبودية .
المجد للحرف الذى لا يعرف الطلاء
المجد للحرف الذى لا يلبس القناع
. . . فقل معى يا صاحبى الوداع
للكلمات المومياء
للحروف المتعبة
للشعر فى القوالب المعلبه
. . . فقل معى يا صاحبى الوداع
وبارك الشعر الذى يعيش للقضية
وبارك الشعر الذى يفجر المنابع السخية
وقل معى ،
وقل معى المجد للحرية ))
بهذه الابيات ينتهى نشيد أحمد القديدى الذى أعتقد أنه خطا خطوات كبيرة ثابتة فى دنيا الشعر الحر .
خطيب ص 54
هى قصيدة فى عشرة أبيات على بحر الرمل ، كتبها رياض المرزوقى ، عالجت - فى البيتين الاخيرين فقط - فكرة المحب الهائم الذى جفاه الحبيب ببقى ينثر (( الذكرى مع الالوان فى شمس المغيب )) حتى لقى حبيبته ذات يوم ، وعوض ان تبادله حبا بحب ، فانها قدمته - ببرودة غريبة - لرجل معها ، وقالت (( انه فوزى . . . خطيبى )) . أما الصور الشعرية التى وردت فلم تكن جديدة ولا طريفة ما عدا ما ذكر في البيتين الخامس والسادس من أنه بقى زورقا حطمه الموج وانه ظل يشرب (( الماضى مثل تاريخ رهيب )) .
أما البيت السابع فكان غامضا بعض الشئ بحيث تعذر فهمه اذ فيه شىء من التناقض . . . وأنا أعرضه على القارئ الكريم ، فلعله يفك طلمسه ويحل لغزه :
أنت لو ادركت حبى ليس حبى بعجيب !
فتيات سلامبو ص 60
هذا القصيد للطاهر الهمامى ذكرنى - من أول وهلة - بقصيد جعفر ماجد :
ضاع لى عقل وقلب فى صلامبو يا صلامبو !
وجعلني أتساءل : هل كتب الهمامى شعره متأثرا بصلامبو ماجد ؟ أم بتجاربه الخاصة ؟ ولماذا ( سلامبو ) ولا حمام الانف او الزهراء او حلق الوادى . . . ؟ على كل فهذا لا يهم كثيرا ولننظر بكل تجرد فيما كتب ولنعمل الفكر والقلب والذوق معا فى قصيدته لعلها تهدينا الصواب .
كان القصيد فى سبعة عشر بيتا من بحر المتدارك ، بدأه صاحبه على هذا النحو :
فتيات سلامبو الحلوات أفديكن ايا فتيات
أفدى الشعر وتسريحته وشذي ترميه النسمات . . الخ
وقد رسمت البيت الاول عمدا لابين ما فيه من عيوب : لقد كانت ( فتيات سلامبو ) المخاطبات ، من غير أداة ، ولذلك فلا بد ان تكون عبارة ( فتيات ) منصوبة وبالتالى كلمة ( الحلوات ) لابد أن تأتى منصوبة أيضا باعتبارها نعتا للفتيات ، وظاهر من (( السياق )) أن حركة الروى فى الابيات الستة الاولى هى الرفع ولا النصب ، لذا فقد خالفت حركة الروى فى عروض البيت الاول حركة الروى فى ضربه .
أما بقية القصيدة فكان غير منسق من حيث الشكل اذ نرى ان الشاعر يقسم عمله الى أربعة مراحل : تختم الابيات الستة الاولى بألف وتاء مفتوحة ( علامة جمع المؤنث السالم ) ، وينتهى البيتان السابع والثامن بألف وراء ( أحتار - النار ) ، والابيات : التاسع والعاشر والحادى عشر بحرف الراء مرفوع ( البحر - تفتتر - السحر ) ، أما الباقى فقد جاءت أضربها من نوع ( مرميه حوريه - أمنية ) .
وهكذا نرى أن الابيات لم تكن منسقة من حيث الشكل ، على الاقل . أما المحتوى ، فما فيه ؟ وما يتضمن من معان ؟ هو وصف لفتيات على شاطئ سلامبو ، يضيع لرؤيتهن العقل ويحتار ، وهو أمنية يريد أن يحققها شاب مولع مشتاق الى لؤلؤة بحرية ، صنعتها شمس بلادنا الذهبية ، وهذه الامنية غالية نفيسة ، صورها صاحبها وأبدع فى تصويرها ، قال :
لو كان لقلبى أفتحه وأخبى فيه حوريه
هيفاء الظل مراهقة ممراح الظل شمالية . . . !
عيد التلمذة :
هذا نشيد مدرسى جادت به قريحة حسين سقطة ، بث فيه من روحه عواطف صادقة نحو الجيل الجديد ، هذا الجيل الذى فتحت له المعاهد أبوابها فعجت ساحاتها بالشباب الذى جاء يسعى (( لكرع العلم )) حتى يفوز بالعيش (( الرغيد )) ويرفع المستوى فى وطن يحب أن يخصب حقل الفكر وتنضج سنابل العقول . . هى أهزوجة لطيفة اذن ، صادقة اللهجة أعرب فيها ( سقطة ) عن حبه لوطنه وشبابه ، ختمها منشدا :
أهزوجتى شعرى وما شعرى سوى هذا النشيد
من فيض قلبى انه مهدى الى الجيل الجديد
فيه أعيد مرددا بشراك بالعيد السعيد
الى تافهة
(( معلوم أن المتنبى كان غليظ الكبد نفورا من النساء ، داعيا الى مجانبة عشقهن ، اذ يقول :
وما العشق الا غرة وطماعة يكلف قلب نفسه فيصاب . . .
لكن قلبه الصخرى تفجر بالحب لا محالة كسائر البشر . . . وقال من شعر الحب والجمال أبلغ ما يقال :
قبلتها ودموعى مزج أدمعها وقبلتى على خوفى فما لفم ( 2 ) . . ))
و ( الطيب ) الرياحى اراد ان يكون كأبى ( الطيب ) المتنبى فى قسوة قلبه ، وفى كرهه للنساء ، وأبى أن يلين كما لان المتنبى فى آخر الامر ، فهو ( أى الرياحى ) ما زال يعتبر حب النساء تفاهة وما زال ( جديا ) ، لا يعبد النهد ولا يسجد للقد :
أنا أبى وحسبى أقضى الحياة بجد
لم أعبد النهد يوما ولا سجدت لقد . . .
وبالرغم من ايماننا بعدم (( التدخل )) فى عواطف الشاعر ولا فى طريقة كتابته ، فلنا أن نستغرب لم حصر ( الطيب ) نفسه فى هذا القالب (( الجدى )) ؟ وهو يعلم - كما نعلم - أن خير الامور الوسط ، وأن أفضل قاعدة فى الحياة هى : لا تكن لينا فتعصر ، ولا يابسا فتكسر ؟
أما فيما يتعلق بصوغ القصيدة ، فقد وردت فى عجزى البيتين الثالث والرابع هفوة ( عروضية ) تتمثل فى تسكين كلمتى الطريق . . . والعشيق , وبما أن الشاعر أراد التخلص من غلطة نحوية ( العشيق لا يمكن أن تكون مكسورة نظرا لانها مسبوقة بلست ) ، فقد وقع - كما قلت - فى هفوة عروضية لذلك أتى الوزن مختلا ، والقصيد أعرج اذ كان كل ( صدر ) وكل ( عجز ) منه على وزن مستفعلن فاعلاتن خلا الصدرين المشار اليهما ، فقد جاءا على وزن مستفعلن فاعلات - بتسكين التاء المفتوحة - وهذا ما أنقص من قيمة القصيد .
أجساد تحترق
ومن غريب الصدف أن يرد هذا القصيد العمودى ( على بحر الخفيف ) والاباحى الى حد كبير ، مباشرة بعد قصيدة الرياحى الذى يرى العمر نضالا ( وثورة واباء ) . . . وقصيدة محمد خالد مليئة بالصور الشهية والثمار الجنية : فالصدر يعلو والنهد يتدلى والعطر يتضوع ، والفراش يحترق ، والجسمان فى عناق . . . وهى محاولة حملت لنا حكمة قديمة فى صورة جديدة مقتبس ولاشك عن بودلار فى الغرب ، والرصافى فى الشرق ( مثلا ) ، وهذه الحكمة التى انتهى اليها السيد محمد الخالدى هى :
هوة هذه الحياة واثم فلنغص علنا نستنير !
وأود ان الاحظ للشاعر هفوة تتعلق بالوزن ، جاءت فى البيت الاخير .
شاعرى هذه الحياة ضلال تهنا فيها . فكيف كيف المصير ؟
فاليقين أن ألف ( تهنا ) زائدة فى الوزن ، قد أدخلت على بحر الخفيف الضيم كل الضيم ، اذ لو قطعنا البيت لقرأنا : فعلن فعلن مستفعلن فاعلاتن عوض فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن .
رسالة الى خطيبها المغترب
كتبها السيد عمر السعيدى الغريبى ، وجعلها كتابا موجها من صبية ولهى الى خطيبها الذى غادرها وهو قصيد ليس فيه طرافة ولا عذوبة سوى هذا البيت
وللطير فى كل فجر غناء لذيذ كآمال قلب شفوف
أما التكلف فهو ظاهر ، أسوق منه أمثلة ( سواى سوى خافقى - الى قريتى عد يعدلى . . . ) وأما أغلاط النحو فلا أثبت منها الا ( لتشدو ) فكان الحق اظهار الفتحة على الواو ، لان الفعل منصوب بلام التعليل .
بطاقة مزيفة
ونختم جولتنا هذه فى رياض الشعر بهذه ( البطاقة ) الغريبة (( ذات الوجهين )) كما يقال ، والتى قدمها لنا أحمد المختار الهادى : فهذا الحبيب يقسم بالنفاق ، وهذه الحبيبة تنافقه عند العناق ، ونحن فى حلقة مفرغة , فراغها غيوم وضجر وأمواج وسفر ، ونهاية هذا الفراغ بداية بلا نهاية . . . الا أن القصيدة غريبة الصور . غريبة المشاعر ، قوية حينا ، باردة فاترة أحيانا .
