الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

هل من سبيل الى الخروج من هذا الوضع ؟

Share

التأمت بالبلاد التونسية فى غضون شهر افريل 1978 (*) ندوتان اعتبرهما هامتين من الوجهة الفكرية والحضارية ، الأولى بقفصة فى نطاق الملتقي الخامس لابن منظور الافريقي (أيام 30 ،31 مارس و 1 ،2 أفريل 1978) حول دور التعريف في تطوير اللغة العربية . والثانية بقمرت ضمن أول لقاء يجمع بين الجامعيين المصريين والمتونسيين بتنظيم من المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة ومن مركز الدراسات والابحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس (من 12 الى 17 أفريل 1978) حول الذاتية العربية بين الوحدة والننوع .

فملتقى دور التعريب فى تطوير اللغة العربية كان فرصة لتداول عدة مواضيع تتعلق بلغة الضاد لا فيما يختص بالتعريب فقط بل تطوير اللغة وفهم اسرارها ايضا ذلك ان موضوع التعريب أصبح فى بلادنا أمرا لا يناقش فيه الكثير نظرا الى انه أصبح من المسلم به أن يستعمل أهل العربية لغتهم فى كل شؤونهم سواء كانت تعليما أو ادارة أو حياة عامة لأنه لا خلق ولا نهضة حقيقية لا فى اللغة الأم حسب ما أكده جميع علماء العالم . اذ الانسان لا يمكن له أن يستوعب وينتفع بغذاء خارج عنه الا اذا امكن لمعدته أن تحتويه وتهضمه وتوزعه فى نسق دقيق على كل أعضاء البدن وكذلك نتاج اللغات الاجنبية الذى هو غذاء الحضارات لا يثمر ولا يعطي أكله الا اذا انصهر فى بوتقة اللغة الأم وتلاقح معها وقدرت هذه على هضمه وتكييفه لبثه فى شرايين المجتمع . هذه الحقيقة أصبحت لا منازع فيها اليوم .

كسب آخر تجلى لى من هذا الملتقى هو ان جيلا شابا من الجامعيين التونسيين تحمس لهذه الحقيقة وتخلى عن كل احتراز فى شأنها وهو أمر عام ، نظرا الى الدور الاساسي الذي تقوم به الجامعة فى هذا الشان . وليس معنى هذا ان الصعوبات قد زالت واننا سوف نتخلى عن اللغات الاجنبية بل ان المطلوب من اطاراتنا العليا العارفة باللغات الاجنبية والمتشبعة عن طريقها بالعلوم والمعارف الجديدة أن لا ترضى بدور المترجم الببغاء أو المترجم عنه في مباشرتها للحياة العامة وفي افادتها للجماهير بل ان مجهودا يتعين القيام به لتجاوز ذلك بحذق اللغة الأم وتفادى اضاعة الوقت والمصاريف الزائدة والمجهودات المهدورة شأنهم فى ذلك يجب أن يكون كشأن الفرنسي والروسى واليابانى الذى يتلقى مستحدثات الأمم الاخرى فيستوعبها ويفرزها فى مجتمعه بصور متعددة من دون ان يتقمص نفسية المترجم السلبى الذى يقتصر على القيام بدور الناقل وهذا فى الواقع وجه الازدواجية القاتم الذى تشبثنا به فى جل البلدان العربية ، بينما الوجه الآخر المشرق الخلاق أعرضنا عنه لأنه الأصعب والمتطلب لمجهود أكبر للخروج من طور المستهلك للجاهز المقدم فى قالب حقن أو أمصال للأبدان العليلة غير القاردة على الغذاء الطبيعي .

أما الملتقى الثاني الذي تناول موضوع الذاتية العربية بين الوحدة والتنوع فانه كان مجالا خصبا للتدول فى ثلاثة أغراض هامة هي الشخصية العربية والشخصية التونسية والشخصية المصرية . وبالطبع كان الملتقي مفيدا جدا لأنه نبه التونسيين والمصريين على حد السواء الى دقائق هامة اذا سهى عنها أو أهملت لا تعين على المضى خطى ثابتة فى سبيل الوحدة المنشودة . وقد أسهم في هذا الملتقى الاستاذ محمد مزالي وزير التربية ومدير هذه المجلة برأيه الاسهام العميق المستوفى .

ولسائل أن يسأل بعد هذا ما علاقة هذا كله بعنوان السانحة : هل من سبيل الى الخروج من هذا الوضع ؟ والوضع بالطبع هو وضع العالم العربى الاسلامى الفكرى والحضارى الذى لا يحسد عليه . العلاقة واضحة هو ان اهل العربية الممثلين فى نخبتها السياسية والفكرية والعلمية يعانون نفس القضايا التى اصطدموا بها فى العصر الحاضر ولم يجدوا حلا لها منذ ان بدؤوا نهضتهم في النصف الثانى من القرن التاسع عشر . وهذه القضايا تتمثل في ثلاث حسب رأيي :

- المعاصرة والأصالة وركضهم الحثيث للالتحاق بركب الأمم المتقدمة والمحافظة على روح حضارتهم .

- شعورهم بالانتماء الى أمة واحدة لشعورهم بخصوصياتهم الوطنية . - البترول الذى احدث أخيرا فروقا فى البلدان العربية وعقد الوضع السياسى والاقتصادى والاجتماعى .

واعتقد ان كل المشاكل العربية الاخرى بما فيها القضية الفلسطينية ناجمة من هذه الفضايا الحضارية التى لم تقدر المجتمعات العربية بقياداتها السياسية والعلمية والفكرية على تجاوزها . وما دمنا نلتقى للخوض فيها والتعرف على الجزئيات منها والدقائق الكامنة فيها تبقى فى طور البحث والدرس وطرح المشكل بينما الوضع يقتضى القيام بهذا كله بالطبع ولكن المهم هو ايجاد الحل والظفر بالسبيل الذى بفضله يمكن لنا الخروج من طور التردى في المشاكل إلى طور التجاوز للانصهار فى الحضارة العصرية والمساهمة فيها كما امكن لليابان أن يقوم به . وليس معنى هذا ان نقف نفس الموقف الذي وقفه اليابان بل المقصود هو ايجاد التوازن الذي بفضله نخرج من هذا الوضع .

ولقد كنت نبهت (*) الى الظاهرة اليابانية الفريدة فى نوعها فى العالم الثالث وسقت ما كتبه زائر اوروبي عن هذه الأمة عندما تحير من درجة الحضارة التى فاقت بها الغرب في ثقافة ابنائها وفى المعجزات التقنية الحاصلة بفضل " جدهم في العمل وحنكتهم وفعاليتهم بدون انقطاع ولا طفرة كأنهم ارضة الكترونية " ولكن الذي حيره ليس هذا فقط ولا انهم يعدون مائة مليون نسمة بل الذى حيره هو ان هذه المائة ميلون نسمة يخرجون أغلبهم فى الصباح من القرون الوسطى ليدخلوا فى ظرف عشر دقائق القرن الحادى والعشرين من دون صدام ولا ضجة . انه لأمر محير بل هو مأسوى " .

هو مأسوى حقيقة بالنسبة لهذا العقل الاوروبى لكن العقلية اليابانية التى تعودت نمط التفكير الاروبي وبقيت متشبثة بأصالتها لا تعد هذا مأسويا . لان الفكر الياباني " لا ينحو المنحي الاستدلالى المنطقى بل هو حدسي ولا يهمه المبدأ الذي يستنكف مما بعد تناقضا كما دأب عليه الغرب فى منطقه " فالفكر الياباني هو أبعد ما يكون عن العقلية الرياضية لان اليابانيين يميلون الى المعرفة عن طريق القلب اكثر من المعرفة عن طريق العقل . " وان عقلية مثل هذه لا تعجبها الدقة المنطقية ، اذ ان كل معطى هو فى حد ذاته كامل ومن واجبنا ابقاؤه

كما هو لأن تحليله وتدقيقه هو تجزئة له وتشويه وتسليط ضرب من العنف على كليته . ومثل ذلك موقفهم من الواقع الاجتماعى . فالنظام والسلم الاجتماعية من المعطيات المسلم بها فلا فائدة اذن من ادخال التشويش عليها " ولهذا فان المشاكل الاجتماعية تلقى مسؤوليتها على الجميع والواجب يدعو الى تلافيها لأن اليابانى يكره الحلول القاضية بتغليب شق على شق .

وفى هذا السياق أسوق نادرة تشرح هذه العقلية ...

- يحكى ان جباسا أضاع وهو مار بالطريق كيسا به ثلاثة ريو (السكة فى عهد الامبراطور توفوكاوا ) وخاتما ووصلا . فعثر على هذ الكيس نجار ودله الوصل على عنوان صاحبه . فتوجه رأسا الى منزل الجباس وسلمه ما وجده . ولكن النجار لم يتوقع موقف الجباس الذى أبى أن يسترجع المال بعد ان احتفظ بالخاتم والوصل وقال للنجار : " ان الثلاثة ريو فارقتني عن طيب خاطر لتدخل حوزتك . لهذا فانى استنكف ان استرجع شيئا هو في مثل هذا العقوق . ان هذا المال لك وحدك " فاستشاط النجار غضبا لما تجشمه من مشقه للوصول الى منزل الجباس ونجمت خصومة بين الرحلين كان مآلها الوقوف أمام القاضي . فحكم هذا بافتكاك المبلغ المالى واعطاء كل واحد من المتشاكيين اثنين من الريو . ثم شرح لهما أسباب هذا الحكم قائلا : " اني مسرور أشد السرور بما تتحليان به من أمانة . ولهذا قررت جزاء لأمانتكما اصدار حكم سميته : كل من ثلاثتنا يخسر ريو ، لماذا ؟ فالجباس خيسر ريو لانه لولا اضاعته لكيسه لأبقى على الثلاثة ريو والنجار خسر ربيو لأنه لو قبل عرض الجباس لربح ثلاثة ريو وأنا خسرت ريو حتى تمكنت من اعطاء النجار والجباس اثنين من الريو " .

هذه النادرة تدل على انه ليس هناك ربح وخسارة حسب المفهوم الاروبي اذ الطرفان رضيا بالحكم فلا غالب و لا مغلوب . بينما الجماعة ضحت بشيء من أجل استتاب السلم حتى الحاكم ، وهذا هو المثل الاعلى في الحياة الاجتماعية المتمثل فى الاعراض عن اثارة اى نوع من الخلاف . واذا اتفق ان وقع خلاف فان واجب المعنيين بالامر يقتضى الوصول الى اتفاق مهما كان الأمر .

لا أريد أن افيض في هذا الاتجاه وفي هذا المقام لان الحديث عن اليابان يستدعي فصولا وفصولا . وانما الذى أغرانى بذكر ما ذكرت هو قدرة الياباني على تذليل ما عجز عنه العربي وتخطى ما بقى فيه أهل العربية من تردد دائم وبحث طويل عن الحلول التى تخرجهم من هذا الوضع المشين .

لذا فانه يتعين علينا جميعا فى درس القضايا المذكورة - ويجب قتلها بحثا ودرسا ما في ذلك شك - ان نخلص بسرعة من هذا النوع من الدراسات والبحوث وان نصل إلى اقناع الرأى العام العربى الاسلامى وبالتابع السياسات بضرورة تجاوز هذه المرحلة فى أقرب وقت والاقدام على عقد ندوات طيلة عام تقوم بها اليونسكو مثلا وتكون سنة التجاوز بالنسبة للعالم العربي تجاوز الخلافات والهامشيات والقضايا العاطفية المصطنعة مرة واحدة . اذ يظهر ان الوعى باليديهيات في هذا المجال بطئ جدا حتى فى بعض القيادات الفكرية .

وأقصد من هذا ان يتفق أهل الحل والعقد في العالم العربي الاسلامي على رؤوس الملأ وبمشاركة وسائل الاعلام كلها وفى البلدان العربية جميعها لا فى القاعات المغلقة على تجاوز هذه المتناقضات والاصداع بالطرق التى يجب توجيها لصنع مستقبل الجماهير العربية في الوضوح التام وبالعزم الاكبر والانبل .

واعتقد ان هذا الاقتراح يظهر من قبيل الخيالات والاوهام نظرا الى الخلافات الموجودة في العالم العربي سياسيا ولكنى أومن بأن الفكرة مهما كانت خيالية فانها كالبذرة التى تنتظر الظرف الملائم لتينع وتزدهر . ولا مناص للعالم العربى من ان يشق طريقا أخرى غير التى سلكها منذ النهضة الاولى والا فانه حكم على نفسه ان يبقى طويلا وطويلا فى هذا الوضع المقيت المزمن الذى لا يشرف أمة أسهمت في حضارة العالم بقسط وافر .

فهلا دقت ساعة التجاوز ؟ .

اشترك في نشرتنا البريدية