لم الحديث عن موضوع كهذا فى هذه الآونة بالذات ؟
لا أقول ان الشعور بأهمية هذا الموضوع يشتد فينا كلما وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام التحديات في بلد أجنبى ، وأن هذا الموضوع تراه العين - هنا - في أعين الناس وعلى جباههم ، وتسمع الاذن ألوف الالسن تتحداه مدحا وذما ، و أنه يلمس في قبضة العربى المهجورة ويشم فى الانفاس المكدودة ومع الدخان تصعده الاجواف المتخمة راحة وتنعما ويذاق فى برتقان " حيفا " وموزها ! . فهذه عوامل شخصية قد لا تتجاوز التعابير العاطفية . ولكن الدافع الاقوى حاجة العربي اليه أينما كان فى مرحلة متأزمة من مراحل تاريخه .
شرط واحد اذا وتعيش الحالة : أن تكون عربيا . وقد يبدو ذلك هينا ميسورا لما اصبح عليه هذا اللقب من ابتذال لم يعهده من قبلنا أحد . فالمفهوم الجديد للعروبة ." وضعية - غربية - استعمارية " تماما كوضعية " اقليدس " الرياضية ، وقع التسليم بها في ظروف معينة واتخذت نقطة بده لكل ما حل بالعالم الغربي من فقدان الذات وموت الاصالة . وقد نجح الغربيون بعد ذلك في ايهامه بأن المسلك الوحيد لوجود هذه الاصالة المفقودة لا يتأتي اتخاده الا باکتساب مفاهيم سبقوه إلى تعريفها تعريفا لا يخضع لمعطياته الزمنية ماضيها وحاضرها ومستقبلها . ثم انهم شدوا ربطها إلى الظواهر المادية حتى لم يعد بد إلى مراجعتها . بل وأصبحت صورة ثابتة مسلطة يقيم بالرجوع اليها قيمه ويعدل أعماله . وليس هذا ممكنا دون الشعور بعقدة كانت عقدة انكماش وانفراد ، ثم استحالت الى عقدة انحلال وذوبان ، وهي في كلتا الحالتين مرضية افقدت العربي حاسة الواقع فاذا الخيال عنده واقع يمكن أن يكون أساسا لبناء هياكل اجتماعية واقتصادية . وعن هذا تتولد - طبعا - صور العمل الوهمي . العربي انسان يعمل حالما أو يحلم عاملا . والحالة الأولى أعم وأقرب. هو كذلك الذي يقوم بدون أى وعى منه بأعمال حركية أثناء نومه ينفيها عنه حال يقظته ، وهذا ما يفسر تنكره السريع المحض أفكاره وأعماله . وقد يكون في ذلك صادق العزم والطوية لانه لا يعى تمام الوعى أنه يعيش في مزيج أسطوري أقل ما يقال فيه : انه عالم أشباح تتضارب فيه الصور تضاربا
منكرا وتنعدم فيه الطمأنينة الى الذات . لان هذه الصور ملزمة تتوارد عليه فى اتجاهين متعاكسين : ماض بعيد لم تعد صلته به حية وفي مستوى الشعور فهى اذا فارغة من قوى الزمن المحركة ، ومستقبل أبعد اختار له من الاسماء: الغرب . واذا كان مستقبل العربى ان يتمغرب ، فهو فعلا أبعد ، لان التفكير العلمي لا يحتمل هذه الامكانية حال تنبهه الى العوامل التاريخية والطبيعية .. أليس معنى هذا أنه ليس لعربى اليوم حاضر . أى انه ليس فى الحاضر عربي ؟
لاشك ان هذه الحقيقة لا تستوجب غير شىء من الموضوعية ليسلم العقل بها تسليما لا يقبل الرد . على أن مرارتها من ظواهر المشاعر المتصلة رأسا بأبعاد زمنية " عمودية " . وهي الرمز الوحيد تقريبا للتعبير عن وحدة الحنين الى مثالية سلفية . تلك حقيقة أو هي على الاقل واقع لان " عربى " اليوم فقد أصالته التى تميز عن غيره من أجناس البشر . والاصالة أساس كل تعريف : أن يكون الشئ مساويا لذاته .
وجدير أن يزال بعض الالتباس : الاصالة لا تعنى رجوعا مباشرا الى الاصل لان لها محور اتجاه زمنی خاضعا لقانون التطور . فلا تثبت الا بموازاته نحوا وايقاعا . والا فهى خارج الزمن . وفي ذلك افراغ لها من مقوماتها الاساسية وتقصير في أبعادها وجعلها قيدا حابسا ومصدر اقلاق وعقد وهو فعلا ما انتهت اليه بعد أن باعد بينها وبين صاحبها ما لا يقل عن سبعة قرون . وان فشلت نظريات الاصلاح المعروفة في القرنين الاخيرين فذاك لانها مهما قويت لم نقو على معاكسة الزمن في رجوعها الى ما تم اتلافه أو تخليفه . ولقد تنبه محمد عبده أكثر من استاذه الى أن نقطة البدء يجب أن تكون الفرد . وهذا بعض فضلة .
فالاصالة من هذه الوجهة قوة كامنة يجب أن تحضر في الذات حضورا حافزا هى وعي قبل كل شىء وليست بحال أن ينام رئيس الدولة فى ظل شجرة ويوقظه السفراء أو أن يملك قطعا من نساء بدليل أن " ما جاء على أصله فلا سؤال عليه " . فهذا أيضا نفي للزمن . والعبقرية لا تصنع التاريخ بل تعرف اتجاهه . ولا أحد يشك اليوم أن فكرة " القديم " بمعنى الثابت الخالد المقرر نهائيا أوجبت جمودا مثلا لنفس السبب . ومن اساتذتنا من كان يقول جادا مجددا : التاريخ هو ما نصنعه الآن (1) . فالاصالة اذا كاطلاق قار لا يتعلق بالزمن تعريف لا يصح الا اذا اعتبرنا الحاضر نهاية التاريخ . وهو اعتبار خيالي
مردود فرضا ، أى بالمعطيات العقلية . انما هى موقف من التاريخ ومعيار لمراجعته لانها قوة كامنة فى الذات ( بالمعنى الفيزيائى للكلمة : أى قوة لم تصرف بعد ) . على أنه لا يكون لاحد موقف الا بالفهم ولافهم الا باكتساب أدنى . وهذا ما لم نتفق عليه حتى الآن .
فمن البديهيات ان البحث الايجابي يقتضى ايمانا بوجود ما نبحث عنه والا فلن نتتجاوز عمل " سيزيف " الابدى . لهذا وجب التسليم بمعطيات أولية عضوية طبيعية لم تكن محل نقاش لولا طوارىء التاريخ المدلس وهي في اعتقاد النزهاء جد ضرورية الى حد أنه لا يمكن الاصلاح بدونها لانها من عناصر التعريف المبدئى والنهائى وشعار كل أمة جديرة بهذا اللقب . فهى بالتالي عامل انساني مشترك قد يتفاوت احساس الفرد به تبعا لمفهوم الحرية عنده ، ولكنه اساسا روح الجماعة المنسقة الموحدة . هذه المعطيات هى اللغة والدين والوطنية . وليس لاحد أن يدعى اختراع هذا الثالوث ، لان أقدم المجتمعات اهتدت اليه تلقائيا فكان المكيف لهياكلها المحرك لدواليبها . بل وكان في كثير من الاحيان المجدد لنظمها الاقتصادية ايضا . ( ليغفر مار كس !) . لهذا كان كل من دعا الى وحدة قومية استند من أقواله وأفعاله ( بقطع النظر عن صدقها ) الى هذه الدعائم الثلاث ، وان كان يكسبها - حسب الظروف والملابسات - ألوانا خاصة لتيسير التجاوب . كأن يلح على جزئية معينة لها مساس مباشر بما يعالجه من قضايا ساعته .
وقد حاول أخيرا مولود قاسم بالرجوع الى أفكار الفيلسوف الالمانى "فيشته" "Fichite" أن يحلل في محاضرة صارخة (1) أهمية هذه العناصر في حياة الامم عامة والعربية خاصة والجزائرية على الاخص . وهو وان أحسن اختيار المثل كان بامكانه الرجوع الى نداءات متعددة من صلب تاريخنا . على أن اعطاءه الاولوية للغة يعلله كونه جزائريا . فليس هذا من قبيل الصدفة لاننا نعتقد أنه لا سبيل الى المفاضلة بين العناصر الثلاثة لارتباطها وتفاعلها . أما الفصل بينها فلا يكون اراديا ابدا . فهو اما ارغام من الخارج كما فعل المحتلون بغية التفكيك القومى واما ارغام داخلى لتنفيذ مشروع شخصى . وفي كلتا الحالتين تكون المجموعة المعنية بالامر رهن التصرف المفروض . وكلنا يعرف مثلا محاولات الغرب والمتمغربين لقطع الصلة بين العروبة والاسلام . وهي ظاهرة غربية أفضى اليها فشل الكنيسة المتمثل فى اضعاف سلطتها . مما جعلها تلتجئ الى مفاهيم جديدة تنزع الى تعميم يكتسى شكلا انسانيا ولكنه دوما مسوم بسمتها صادر عنها وراجع اليها .
ومما لا شك فيه أن مفهوم العروبة شديد الارتباط باللغة العربية . فالعرب بالتعريف النهائى لا التاريخي ناس يتكلمون العربية . فهي من عناصر الشخصية الاساسية ورمز لتكامل الذات واستقرارها . فاهمالها اذا اعلان باستحال التعاطف بين افراد الامة الواحدة لان اللغة ليست مجرد كلمات بل هى جملة رموز يتحد فى فهمها أهل تلك اللغة ويجدون خلالها أنفسهم لما حوته من أفكار ومشاعر وكل انعكاسات الثقافة ( بالمعنى الانتروبولجى للكلمة : جملة المعارف والمعتقدات والفن والاخلاق والقوانين والعادات وكل الامكانيات الاخرى التى يكسبها الشخص كعضو في مجتمع معين ) . اللغة من هذه الوجهة شرط واجب من شروط الامتزاج الاجتماعى . فهى التى تشير على الفرد بتعديل مواقفه وتنسيقها حسب ما يفرضه المحيط . ولما كان لهذا الامتزاج دافع تاريخي فاللغة الاصلية هى القادرة وحدها على استمراره والمحافظة على توازنه وانسجامه . لان ما نسميه عالم الواقع مقام لا شعوريا على نسيج لغوى خاص بنا . ولعل هذا الرأى كان ولا يزال يدفع علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعى والانتروبولوجيا الثقافية ومن لف لفهم الى دراسة اللغة كوسيلة أساسية لفهم المجتمع الذي يتكلمها . واذا تنازعت لغتان فى مجتمع فاصدقهما أشدهما تأصلا . ولو كانت الدراية بها أقل . وقد يبدو هذا عجيبا ولكن الاعجب منه أن يقدر أحد على اكتشاف عناصر الشخصية العربية خلال انتاج أو حديث لعربى بلغة أجنبية . لان هذه اللغة تفرض عليه أن يعدل من أفكاره ولهجته بل وحتى من حركاته عند الكلام . وهذه التجربة نعيشها يوميا فى بلادنا . لهذا يعتبر تعويض اللغة العربية فى التخاطب بلغة أجنبية مساهمة فى محو أصالة العربى واعتراف بالتبعية وانفصام الذاتية . وهو بجعل السؤال التالي : لماذا انهزم العرب ؟ طرفة من طرائف هذا العصر
وقد تنبه أهل الرأى فى تونس الى خطورة الوضع وجدية الموقف . فكان مما تهتز له الامة قطعا قرار السيد احمد بن صالح القاضي باقحام العربية فى جميع الكليات والمعلن ببدء مرحلة جريئة من مراحل التعليم . يضاف اليه ما جاء فى تصريح السيد محمد مزالي : " اللغة العربية من مقومات الامةالتونسية اذا تلاشت وضاعت أصولها وقل أو صعب استعمالها ، فقد تلاشى جانب من شخصيتنا وضاع الامل فى أن نتمكن من الحوار الحضاري مع العالم في لغتنا وبروح من عبقريتنا " (1)
على أنه يبدو ممكنا تعريب بعض الفنون الجامعية التى لا تمتنع العربية فى شكلها الراهن ، خاصة ما كان منها يتصل مباشرة بحياتنا القومية والاجتماعية
وهذا من شأنه ان ييسر الافادة بها والاستفادة منها .فعل الاجتماع - مثلا لا حصرا - يدرس فى تونس بالفرنسية . وهو على ما عرفناه لا يكلف المعرب أي عناء غير الجهل بالعربية . وليس هذا عذرا فى بلد عربى . ثم انه ما دام مفرنسا يحدو يملقنه الى التعريج فى أغلب الاحيان على ما هو فرنسى أو ما هضمه الفكر الفرنسي . ثم أليس هذا مأتي " الغربة " التى يشعر بها الطالب حال تخرجه لانه لا يجد فى مجتمعه تطبيقا عمليا لما تعلمه ؟ ان اللغة الفرنسية فى ميدان كهذا تخدم فرنسا أكثر مما تخدمنا . وفرنسا كغيرها من البلدان التي سبق ان استعمرت كانت - ولا تزال - حريصة على نشر لغتها . وبما أن مكانة الفرنسية في بلادنا معروفة لدى الجميع ننقل فقرة تتعلق بالامبراطورية العثمانية عامة فى مطلع هذا القرن وتؤكد الشبه بين الماضى والحاضر : " لقد قيل بحق ان من تعلم القراءة قد اجتاز أصعب عقبة فى حياته . هذا صحيح فى البلدان التى تكتب العربية ... ان أرقى مكانة فى كل المدارس الاسلامية والمسيحية تحصلت عليها لغتنا الفرنسية . فللأطفال من هذه اللغة ست ساعات لمدة ثماني سنين . وخلال السنوات الثلاث السابقة للباكالورية تعلم الجغرافيا وبعض المواد الاخرى بالفرنسية . وهذا يمثل أقل من ثلث ساعات التعليم .. وبفضل حب الوسول والقرآن للمعرفة ولاهلها نتمتع بسلطة لا مثيل لها الا في الصين ! " (1) . ولما كانت اللغة حاملة للافكار موزعة لها فقد استطاع فرنسي أن يتحدث عن مصالح فرنسا الادبية فى الشرق فيقول : " يوجد تحت حمايتنا وفي بعض مدارسنا اكثر من 110.000 تلميذ يتعلمون لغتنا ويتكونون حسب أفكارنا " (2) .
المشكلة اذا مشكلة تطوير اللغة العربية وليست بحال مشكلة تعويض هذه اللغة بلغة أخرى . وليس هذا ممكنا الا بتتغيير نظرتنا اليها واكتشاف ما يحببنا فيها . أن ندرسها أولا . أن نتحمل مشقة البحث عن حقيقتها . أن نعترف بوجودها حية . ان نؤمن بأنه فى امكاننا أن نجعل منها لغة المستقبل .
الاستعمال شرط واجب كبدء للتطوير : فمن كان يتصور أن اللغة العبرية وقد أهملها التاريخ منذ ألفي سنة ستبعث حية تسعى ، فاذا هي اليوم لغة اسرائيل قولا وعملا ؟ أتلك من معجزات موسي ؟ أبدا . ويكفى أن نرجع الى جزئية تاريخية تبدو عديمة الاهمية فى حد ذاتها لندرك بعض السر : أول عمل أراد تحقيقه مؤتمر " فينا " الصهيونى المنتهى يوم 10 سبتمبر 1912 تأسيس جامعة ومكتبة
ببيت المقدس لتلقين العبرية وتقريبها من النفوس (1). لقد أدرك اليهود أن اللغة وسيلة لفرض وجودهم . وليس من قبيل العبث أن تعلو بعض الدكاكين اليهودية لافتات عبرية فى معظم أقطار الدنيا وفى الدول العربية بالخصوص . ان هذه اللافتات لا تدعو الى الشراء بقدر ما تدعو الى الاعتراف بلغة التوراة .
أما فى خصوص الدين فليس المهم هنا الدفاع عن الاسلام أو التمييز بين قديمه وجديده . لا ولا الجزم باحتياج الانسان المعاصر عموما الى اعتقاد ما ورائي يضيف الى وجوده المادى ابعادا تتجاوزه ويكسب حياته معنى كلما أعوزه الجواب عن أسئلة حيرت معظم المفكرين والفلاسفة . فهذه نقط جدال تختلف نظرة الناس اليها تبعا لشعورهم بالطمأنينة الباطنية وتأثرهم بما اكتسبوه مما انتجه العقل البشرى حتى الآن.
كل ما يجدر ذكره هنا أن عربي اليوم يحتاج الى تزكية العنصر الدينى من شخصيته لابراز وجوده واستقلاله . لان اللغة وحدها لا تميزه تماما عن غيره . خصوصا بعد ما حدث من تشابك الثقافات ورواج اللغات فى العالم . كما أن الاصالة - ومن شروطها رغبة التميز التى لا تعنى الانطواء والانعزال _ لا تتم الا بمقارنتها بما يخالفها . أى بالمجابهة والمواجهة . لان مجرى التاريخ شاء أن نبحث لا عن أصالة مطلقة ، وانما عن أصالة أكد ضرورتها موقف الغرب منا وموقفنا منه .
الموقف الاول يدعونا بأشكال مختلفة الى التخلى عن معطيات يجهلها ولا تربطه بها أية عوامل . من ذلك ما جاء فى آخر جملة من آخر كتاب ألف عن العرب ويدعى الشمول والاحاطة : " ليس للثورة العربية الا أن تنمو خارج الاسلام ، لان (!) الطبقات الحاكمة - كما ينبه اليه مكسيم رودنسون - لن تتردد فى ستغلال الدين الاسلامي لتقديس مواقفها الرجعية مستعينة بالقديم " (2) . لقد حدث شئ من هذا ولا يزال يحدث . وهو تعبير عن الموقف الثاني ، موقفنا نحن . فمن حركات التحرير الفلسطينية ما تعلن أنها ماركسية لينينية . وقد ظهرت أخيرا صورة أحد أبطالها وبين يديه صورة ماوتسى تونغ كرمز للحركة (3) . . والجواب هنا واضح : هذه الثورة " العربية " اللائكية ليست عربية . ويضاف : العرب كما يريدهم هؤلاء ليسوا عربا . الثورة نظرة جديدة الى العروبة والاسلام لا تخل عنهما . يجب أن يثور العرب لا لينين وتروتسكى وماووقيفاره . فهؤلاء وليدو أوضاعهم .
ولعل فشلهم يكون ذريعا لو كانوا عربا مسلمين وطبقوا نفس المبادىء والاساليب . فمن أصول التفكير الاجتماعى الواقعى ان ما هو ناجح فى بلد ليس حتما ناجحا فى بلد آخر
ان المذاهب " الانسانية " الآتية الينا من الغرب لا تنفصل عن المسيحية. فهي أما صياغة لمعطياتها فى أشكال عامة متفتحة مغرية واما رد عنها وتخلص منها . وكلتا الحالتين جدال مباشر بين الانسان والمسيحية لا يصلنا الا وقد أخرسه الحزم . فاذا نحن نستهلكه جاهزا بما فيه من بذور دست عمدا أو بطبيعة الاشياء . ومن هذه الوجهة يبدو العالم العربي الاسلامي حتى الآن في طريق التمسح الخفي يتزعمه من المثقفين من أطفأت في نفوسهم واذهانهم أسطورة الغرب طاقة الاسلام كما سبق أن فعلت بالراديكاليين . ومنهم الشبان الاتراك الذين " رأوا فى تقليد الغرب وسيلة للتخلص منه (1)" . بين هؤلاء والعوام توجد طبقة عمياء من انصاف المثقفين الذين فقدوا التوازن ، فاذا هم مسلمون مسيحيون شرقيون غربيون شيوعيون اشتراكيون بعثيون قوميون ثوريون رجعيون يساريون يمينيون وجوديون فى آن واحد !
واعتبارا للحرية الفردية فى الاسلام لا يمكن ضبط العنصر الدينى اللازم مضمونا أو شكلا . ولكن الحد الادنى شعور المسلم بأنه مسلم مع اعتزازه بذلك وعدم تحرجه أمام النقد المسلط عليه الخارج جهلا أو تحديا . فذاك أقوى سلاح لحفظ البقاء الذاتي وللصمود امام الضغط . وهو أنجع وسيلة لمراجعة الدين نفسه ورفض ما يعرقل السير من مخلفات عصور الانحطاط وتزمت الفقهاء وتطرفاتهم . الحب والغيرة أصدق داع للاصلاح الدينى . اذ لا وجود للحياد بل لاوجود للموضوعية المطلقة فى الدين .
أما الوطنية فارتباطها بالاسلام أكيد . وكلنا يعرف ان " حب الوطن من الايمان " وأن الايمان من حب الوطن أيضا . فكثيرا ما تكون الوطنية دافعا قويا الى التشبث بالمبادئ الدينية والرجوع اليها . وهذا ما يظهر خصوصا عند الازمات . لكن الوطنية هنا لها مفهوم خاص . فهى تعنى أولا شعور الافراد بانتمائهم الى أمة متجانسة مهددة دوما وبلا انقطاع بشتى العوامل الداخلية والخارجية . وهذا الشعور بالفزع كفيل بزرع الطمأنينة لانه نداء الى الوحدة . والوحدة قوام التعريف . اي مرجع من مراجع الاصالة . وكلما تمكن منها الفرد كان معيار التعديل الذاتي أشد حساسية وأبعد عن التشويه والاضطراب
اعتراف مقنع : أصالة القمودى رياضة وقرآن
هذا المفهوم يجعل من الوطنية أعظم تراجيديا عرفها الانسان . وفى اعتقادنا أن العرب على تفتحهم لثقافات الاغريق لم يكتسبوا " الضمير التراجيدى " منذ البدء . خصوصا وقد أوجد لهم الفقهاء كل الحلول الممكنة فاستساغوها وبنوا عليها حياتهم ونظرتهم الى الدنيا . لهذا كانوا لا يفيقون غالبا الا اثر الصدمات فيكون التعليق وطنيا ! ويتاح للعالم أن يرى مشهدا من مشاهد " البسيكودرام ولعل هذا ما أراد أن يعبر عنه مفدى زكرياء تعبير فنان :
ومن مهازل هذا الدهر ... منتصر يبكى على حائط المبكى بمدرار !
وخاسر ... يعقد الافراح مبتهجا كالطير يرقص مذبوحا على النار !(1)
واذا اعتبرنا ما فى الاصالة من مواجهة الغير كانت الوطنية أقوى سلاح للدفاع عن الذات وللصمود أمام التحديات وأصدق مرشح للمعطيات المكتسبة
والمستوردة أو المفروضة فرضا . ولما كانت الظروف تقتضى أن نقارن أنفسنا باسرائيل يكفى أن نعرض فقرة من قصة لشاب يهودى تبين عمق الوطنية وتميزها عند هذه الامة التى لا نبالغ ان قارناها بما ينجم من أشطاء حول شجرة قص جذعها مرارا ولكنها قويت على الزمن " أنت الآن فى بلد حديث جدى نشيط . من تل أبيب الى البحر الميت ومن حيفا الى ايلات لم يعد أحد يهتم بحمي اليهود وقلقهم أو بدموعهم وأوساخهم . لا أحد ! لم نعد نحب استماعا الى حديث عن الفكر اليهود الناقد أو عن ذكاء اليهود وشكهم أو عن التنكيل بهم وعن عارهم وشقائهم وعن غير هذا وذاك . ( يفيض الدمع على وجهه ) . كل هذا نتركه أروبا الذين هم من نوعك ! أما نحن فعناصر قوية . أشداق مربعة . ق . لسنا مغنيات " يديش " (1) على غرار بروست وكافكا وشابلان. الى أننا أحرقنا فى ساحة تل آبيب الكبرى انتاج بروست وكفكاوشر كأنه لوحات سوتين وموديقلنياني وغيرها من اللافقريات . كل هذا أحرقه الذي لا يغبط شباب هتلر . شبابنا الاشقر ذو العيون الزقاء والاكتاف العريضة والسعى المركز . الراغب في العمل والمشاجرة !(يصرخ) بينما كنت تنمي أمراض أعصابنا وتبكى كان يفتل سواعده ويعمل فى " الكيبوتزيم ألا يخزيك هذا يا شلا يمو لوفيتش ؟
- بلى سيدى الجنرال " (2)
هذه المواجهة والتميز والرجوع الى الذات بحثا عن اصالة أمة كان التاريخ أذابها فانصهرت لا نكاد نجد لها أثرا قويا متصلا فى تاريخ العرب الحديث ، لا في ميدان الادب والفن فحسب بل وعند كثير من أهل الزعامة والسياسة . لقد جاء فى مقال لفرحات عباس تحت عنوان : " فرنسا هى أنا " كتبه عام 1936 ما يلى : " انه لا وجود لهذا الوطن (الجزائري ) فانا لم اكتشفه لقد سألت التاريخ . وسألت الاحياء والاموات . وزرت المقابر . فما من أحد حدثني عنه. إننا رفضنا الاخيلة لآخر مرة لكى نربط مستقبلنا نهائيا بمستقبل العمل الفرنسى فى هذه البلاد . فنحن أبناء عالم وليد انتجه الفكر الفرنسى وجهده. شعارنا اذا : الي الامام " (3) .
ثم يمضى ربع قرن فيردد غيره : " نحن عرب . نحن عرب . نحن عرب... "
غير ان الوطنية الواقعية المنبهة للاصالة تتجاوز تعابيبر الغريزة لتكون وعيا وعملا :
وعيا لواقع الوطن وعملا بمقتضياته : فمن الاكيد أن معظم الازمات التي حلت ببعض البلدان العربية ، حصوصا فى الميدان السياسى والحربى ترجع استجابات غريزية لم تصعدها الاحداث بعد الى مستوى الشعور . لقد اثبتت الايام الستة بصفة قطعية أن ما ينقص هذه البلدان ليس العتاد ولا التصفيق الآلى لاولا الردود الجماعية " القومية " غير الواعية . وانما هو الشعور المركز بشدة انتمائهم الى وطن معين يتحد مصيرهم ومصيره . هذا الشعور المركز هو الدعامة الاولى للشعور بالاستقلال الفعلي . وهو سبيل مباشر الى مراجعة الايدولوجيا العربية وتوضيح ما فيها من جوانب النقص والخور . وجديرة هنا الاشارة الى أن فكرة الوحدة العربية ضرب من الخيال ما دامت البلدان المعنية بالامر لم تجتز هذه المرحلة الاساسية من الوعى الذاتي . فهي تصطدم بمعطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية تختلف باختلاف البلدان . خصوصا وأن التاريخ - لاختلاف النظرة اليه - لم يعد من دواعي الوحدة أو من مقوماتها .
ان الفترة التى يمر بها العالم العربى هى من أدق الفترات التى عرفها . وهي وان صدمت العام والخاص بملابساتها السياسية تجد لها أسبابا سابقة للازمة مهيئة لها ، وترجع أساسا الى انعدام الشخصية العربية الاصيلة كرابط حي بين ماض عامض يحتاج يحتاج الى توضيح وبين حاضر أكثر غموضا لاغني له عن حس واقعى ونظرة علمية الى المعطيات . على أن هذا الرابط الدقيق العسير يتطلب اولا ايمانا بالذات واقتناعا بوزنها ولن يتم هذا إلا بمحو الاساطير الموضوعة وحل العقد الموروثة . أن نرفض الصورة المشوهة التى يعكسها الغرب منا وكأنه أصدق مرآة لوجودنا . اذ لم يعد بوسع العربى أن يتعرف على ذاته الا من خلال الغرب . وهو لا يؤيد عملا سياسيا أو أخلاقيا أو فنيا الا اذا أيد الغرب . على أن هذا الرفض لا يعنى قطع الحوار العادل وغلق نوافذنا المفتوحة لتجارب الغرب ومزاياه العلمية والحضارية . فذاك مما تجاوزه التاريخ فلا رجعة فيه ولاحياة بدونه . ولكنه نداء الى تغيير المواقف وتبديل النظرة الى الذات أولا والى الآخر ثانيا . فما دام العربى عديم الثقة بنفسه غير قادر على ابراز أصالته الشخصية استنادا الى معطيات لغته ودينه ووطنه فهو أعجز من أن يفهم الحوار وأن يشت فيه وأعجز من أن يصنف المستوردات وما تهب به الرياح . خصوصا اذا كان من جيل الانتقال . هذا الجيل الذى لم يدرك من تاريخه الا آخر اللحظات التي يعيشها . فاذا هو ينقم ولا يكاد يتحسر . ثم اذا هو يفر فى غير احتجاج ليفتح ذراعيه متلهفا عطشا الى كل ما يلقى به الغرب اليه . لكأنه يجمع على الركح ما استعمل الممثلون وانتفت حاجتهم اليه : سراويل وفساتين ولحى واقنعة ...
لا لشئ الا لاعجابه بروعة التمثيل وبراعة الممثلين . وعبثا يحاول اجادة الدور . فالموقف سخيف ساذج والتقليد مضحك نادر ! الرفض وعي لحقيقة اثبتها التاريخ المعاصر : ان استعمال الجديد لا يخلق عربيا جديدا .
فالمهم صنع الجديد لا استهلاكه مصنوعا . ذاك ما قاله الغربيون أنفسهم حينما كتبوا : " يخطئ ويغالطنا من يدعى أن الامة العربية أخذت عنا اليوم مشعل أفكارنا الانسانية . انها تستعمل كلماتنا التقدمية المثالية ولكنها تقوم باعمال اجتماعية رجعية . هي ضد الاستعمار ولكنها أمة عبيد " (1).
فمتى أصبحت للعربى كلماته أمكنه بحق أن يسمى الحدث : "ثورة عربية "

