الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

هل هي أزمة أدب أو فكر ؟

Share

اكتب هذه السطور وأملى كبير فى ان تكون اصداء محاضرة الاستاذ أحمد جمال حول (( ادبنا بين الاتهام والدفاع )) قد خفتت او ضاعت بين ضجيج الحياة ، واذا كان  هذا الأمل جديرا بالتشبث به فانني أجد نفسي ميالا لأن صور بعض انطباعاتي ازاء  تلك المحاضرة ، ولو ان الزمن بين هذا التعليق وتلك المحاضرة قد امتد وطال حتى  جاوز الشهرين ، فقيمة الآراء الهادفة تظل فى رأيي متجددة فى كل حين ولن تعدم من  يرصدها او يدرسها على مدى الأيام ، ولذلك لم أجد حائلا يقعد بي عن امعان النظر  في شأن تلك المحاضرة .

واذا الم يكن بد من أن أقدم بين يدى هذا التعليق ملاحظات عامة تكون مقدمة لما يتلوها فاني اسجل بادىء ذى بدء اعجابي بتلك الشجاعة : الأدبية التى تسلح بها المحاضر فجنح الى اثارة نحن أحوج ما تكون إليها لاذكاء روح الجدل والنقاش حول مستوى حياتنا الفكرية . وتلك الاثارة في رأيي دليل قائم على حيوية لن نعدم منها - إذا استمرت اخصابا وعطاء قد يؤديان الى خطوة فى التقدم يضاف الى ذلك ان المحاضرة قد نبهت الى ما اعتور حياتنا الادبية من ركود نتج عن عومل أشار إلى بعضها الاستاذ المحاضر ، وقد اشتملت المحاضرة ايضا مع ذلك كله على صدق النية والاخلاص فى التطلع الى تحقيق

مستوى فكرى جديد . ولهذا فضلت أن أسترسل فى التجاوب مع تلك الاثارة لأوضح موقفا خاصا يدل على ان صوت المحاضر لم يضع فى فضاء وانما حرك فيما حرك قلمى المتواضع ، ولكى أكون موضوعيا فى تعليقى ثانى أحبذ تركيز المقال او تلخيصه امام القارئ فى النقاط التالية :

١ - القضية المطروحة : (( ادبنا )) ويقول عنه المحاضر انه (( موجود وهو واقع ملموس لا مرية فيه ولكنه فى جملته ضعيف وغير متميز وتحيط به عوامل جعلته غير واضح الشخصية وغير مستمر النماء تماما كالرجل المريض فهو موجود ولا ينفي اعتلاله وجوده ولا يمنع ضعفه ان يعود قويا كما كان )) .

٢ - جهة الاتهام : (( شباب ناقمون متجاوزون عن الحدود يتجنون . على ادباء الشيوخ ويقولون : انهم استنفدوا أغراضهم وانهم يعيشون فى ماضيهم يجترون ذكرياتهم ويعتزون بأدبهم الغابر . . ومع ذلك كله لم يقدم هؤلاء الناقمون بديلا طيبا ولم تعرف لهم آثارا أدبية قيمة ، وهم يذهبون شبابهم ويضيعون أوقاتهم الثمينة فى قراءة الكتب والصحف والمجلات ذات الموضوعات الخفيفة مادة ، الضعيفة أسلوبا ، التى لا تقوم لهم تفكيرا أو لا تصلح تعبيرا ))  .

٣ - محور الدفاع : حديث المحاضر حيث يقول :

أ - (( محاضرة العريف قيمة وهو أديب كبير المقام لماع الفكر اخاذ الاسلوب يفخر تاريخنا الادبي بصولاته وجولاته الادبية القديمة والحديثة ويعتز بها الادباء )) .

ب - (( الزيدان فى نظرى كاتب ومتحدث يمتاز بأسلوب فريد وهو ممتع وبليغ فى معظم الاحيان ))

ج - ثم تبرير عدم الاستمرار والنمو والاكتمال وتحقيق الاستقلال بأسباب وعوامل سرد المحاضر بعضها .

د - (( وكانت لشيوخ الادب نشاطاتهم ففكرية وتنظيماتهم الاجتماعية عندما كانوا شبابا وكانت لهم ندوات فكرية محدودة ))

ويذكر اسماء شيوخ الادب ويتساءل : من سيخلفهم ؟

تم يحيل على كتاب ( وحي الصحراء ) الذي يضم مجموعة رائعة من أدب الشيوخ خمسا كانوا شبابا ))

٤ - ما حول القضية وطرفيها : استطرد الاستاذ الى الحديث عن ( الحرية فى الادب )

و ( النقد الادبي عندنا ) و ( دور الجامعيين ) و ( الادب النسوى ) و ( الالتزام مطلوب  الى آخره . بعد هذا التلخيص الذي أرجو ان لا يكون جاثرا على المحاضرة ، ووضعه تمام القارئ أريد أن أحصر النقاش الآن عبر هذا التعليق فى نقطتين فقط على أمل أن أعود لمناقشة نقاط أخرى فى تعليق آخر ، وهاتان النقطتان هما :

١ - طريقة العرض وتقويمه الحركة الادبية

٢ - وجود النقد فى بلادنا

وفي النقطة الاولى أريد ان اقرر او الاحظ ملاحظة سريعة وهي أن الاستاذ احمد جمال بتطوعه للدفاع وحماسه لأدب الشيوخ قد حاول ان يجول فى اطار موضوعي ولكنه رغم ذلك لم يؤد كل عنصر من عناصر موضوعه ما يلزمه من استيفاء واستقصاء ، ولعل هدف الاحاطة بعدة أفكار متوالية هو الذي أدى إلى ما يشبه عدم التكافؤ بين أجزاء محاضرته ، ولأضرب مثلا على ذلك القضية التى جند الاستاذ قلمه للدفاع عنها ، فماذا نجد ؟

أولا : اننا نضع أيدينا على فراغ كبير كنت اتمنى أن لا يظهر على سطح المحاضرة ، وهذا الفراغ يظهر لأن أسئلة كثيرة تواجهنا وكان لا بد من أخذها فى الاعتبار ، وهذه الاسئلة مثل :

أى اجناس الادب اراد صاحبنا الدفاع عنه ؟ وما هي مقومات ذلك الادب وأين نماذجه ؟ وعلى أى مقياس اقام المحاضر أحكامه ؟

لو بحثنا عن أجوبة دقيقة شافية لهذه الاسئلة بين سطور المحاضرة فاننا لن نعثر عليها . فالاستاذ لم يخصص نوعا من

الأجناس الادبية شعرا كان أو قصة أورواية أو فن ترجمة أو فن مقالة الى آخره وانما كان يدافع عن شئ عام وفي دائرة غير محددة ، وهذه الظاهرة فى اصطناع أسلوب التقويم قد لا تكون مقبولة في مثل أيامنا هذه التى يجنح فيها كل من يتصدى لتقويم أى نشاط فكرى الى لون من التخصيص والتحديد بفيدان في تناول النوع الادبي وقد يتمخضان عن نتائج ذات أهمية وجدوى .

ثانيا : يبدو لنا ان الاستاذ قد أدان القضية التى يدافع عنها حين وصف ( أدبنا ) عامة بالضعف وعدم التميز وانتفاء وضوح الشخصية الى آخر ما سجلناه له آنفا . ان جهة الاتهام وصفت أدباء الشيوخ كما ذكر المحاضر بأنهم استنفدوا أغراضهم والاستاذ وصف أدب هؤلاء الشيوخ بما وصفه ، فهما اذن يبدوان شبه متفقين على حكم عام والضحية فى ذلك هى القضية نفسها ( أدبنا ).

ثالثا : ان تلك الاحكام التى ألقاها المحاضر لم تصحبها أية تشخيصات لمقومات ( أدبنا ) ولم ترافق بنماذج قد تخسرس الخصم وتقوى حجة الدفاع بتحليلها وابراز مميزاتها ، وانما استعيض عن ذلك بذكر آراء نظرية تضمنت ( الاختلاف حول أدبنا ) وزادفي التشكيك فيه رغم الاصرار الظاهر من الدفاع على الدود عن حياض القضية ( أدبنا ) وفى خلال ذلك لم يتضح لنا المقياس الذى أصدرت على أساسه تلك الاحكام .

ومن هنا كان الاستاذ نظريا فى آرائه وأحكامه كما انه أدان القضية التى يدافع عنها . ولعل سبب ذلك كله هو غياب الاسنئاس بمادة القضية وأعنى بذلك

تخصيص نماذج تنتمى الى لون او لونين من نماذج ( أدبنا ) يدير الاستاذ حولها تقويمه ويستند اليها فى أحكامه .

ودعنا الآن نتجاوز هذه النقطة الى اخرى هى قضية ( النقد الادبي ) التى طرحها الاستاذ هكذا :

قضية النقد :

(( هل لدينا نقد ؟ )) ثم يجيب بنعم ويستدرك : (( لكنه قليل وفى نطاق محدود )) ثم يقول : (( وهناك من ينكر وجود النقد فى ادبنا ))

بهذه الاسطر القليلة أثار الاستاذ مسألتين هامتين :

اولاهما : اثبات وجود النقد وقد جزم الاستاذ بها ، وثانيتهما الاختلاف حول وجوده وقد تجاوزها الاستاذ ، ولكى يدلل الاستاذ على وجود النقد عندنا . نجده يستشهد بالنقاش اللغوى القيم الذي دار بين الاستاذين الانصارى والجاسر ، ويشير ايضا إلى ( التناقد ) الذي دار بين الاستاذ الانصارى من جهة والاستاذ ابن خميس من جهة اخرى ( فى موضوعات لغوية وتاريخية وجغرافية ) وأنا لا اختلف مع الاستاذ جمال في الفوائد والمتعة من حصيلة ذينك النقاشين ولكني اختلف معه فى اطلاق اصطلاح ( النقد الادبي ) على مثل تلك المناقشات ، فالنقد الادبي اصطلاح يطلق على عمل ليس منه ذلك النقاش اللغوى ، ويكفي أن أورد هنا كلمة لسيد قطب رحمه الله حول وظيفة النقد يقول فيها : (( وظيفة النقد الادبي وغايته تتلخص فى تقويم العمل الادبي من الناحية الفنية وبيان قيمته الموضوعية وقيمته التعبيرية والشعورية وتعيين مكانه فى خط سير الادب وتحديد

ما أضافة الى التراث الادبي في لغته الخ )) ( النقد الادبي وأصوله ص ٤ )

فهل تنطبق هذه الوظيفة على ما كتب فى شأن ضم جيم جدة من كلا الجانبين حتى نستشهد به على وجود النقد الادبي عندنا وهل ما ثار من تقاش وحواربين الاستاذ الانصارى والاستاذ ابن خميس يتصل بهذه الوظيفة التى يقوم بها النقد الادبى .

اننى أحسب ان تعريف النقد الادبى لم يعد اليوم مجالا لاجتهادات خاصة ، فهذه أسفار وكتب قد ألفت بشتى اللغات فى شأن النقد الادبي وأصوله ومناهجه ومدارسه . توضح مكانته بين الفنون والعلوم ، ومن ملاحظة بعض المراجع النقدية يتضح أن حياتنا الادبية لم تصل بعد الى ان تسجل فيها ( ظاهرة النقد الادبى ) .

نعم ان الذى يستحق تسجيله هنا هو ان نوعا من النقد التأثرى وجد فى حياتنا الادبية كوميض عرفته الحركة الفكرية فى فترات متقطعة ، ولكن ذلك لا يبرر الجزم بتسجيله كظاهرة يشار اليها . والخلاصة اننى لا أريد هنا أن أتصدى لتقويم الحركة الفكرية عمامة وقضية ( أدبنا ) خاصة لان ذلك يحتاج كما قلت الى تخصيص النوع الادبى

أولا وايراد نماذج يعطى تحليلها وتقويمها حكما واقعيا ثانيا ، وذلك ما لم أهدف اليه بل هدفت الى تقويم عملية عرض القضية واستشفاف مدى النجح أو عدمه فى ذلك ، والاستاذ جمال كما رأينا لم يعطنا منهجا عمليا تعارف النقاد والباحثون على اصطناعه بل كان نظريا فى طريقة عرضه يدلى بأحكام عامة لا تمل أسسا علمية ، ان لم تكن هذه النتيجة هى الصفة خاصة بطريقة عرض الاستاذ فاننا نفترض وجود اجابات على اسئلة واردة مثل :

ماذا تعنى جملة ( أديب كبير المقام لما ؛ الفكر الخ ) فى لغة النقد الحديث ؟

و لم كان ازيدان كاتبا ومتحدثا يمتاز باسلوب فريد ؟

وتلك الاجابة المفترضة لم تتضح فى المحاضرة حتى تقنع بالحكم ، لست بهذه الملاحظة أشكك في مستوى أديب معين ولكنى المح على انه قد آن الاوان لاطراح مثل ذلك الاسلوب فى التقويم لانه لا يتفق مع المنهج العلمي في تناول أية قضية ، كما ان تسجيل الظاهرة الفكرية يجب ان يعتمد على دلائل مادية قوية مقنعة .

(جدة) - للبحث صلة -

اشترك في نشرتنا البريدية