قرأت قصة " الى من لا يحسن الثورة " بقلم الشاب محمد رضا الكافى المنشورة بمحلة الفكر فى عددها الثامن ) 1 ( فأوحت الى بهذه الافكار باعتبار أن القصة أثرت على كثيرا وشغفت بمطالعتها ذلك أن القصة عصارة تجربة يعيش أبعادها القاص بكل صراعاتها وحواراتها وهى لا تنفصل مناخيا عن شخصيته فأثره الخاص بقى ضمن مضمونها وحسها . .
والكاتب الذي يعبر عن المعاناة الاجتماعية والهدف الاجتماعى فى عصر الثورة لا يمكن أن يكون قادرا على تنفيذ أفكاره واحيائها كائنا متحركا ما لم يكن قد عاش فعلا وطيس المعاناة وقاسى من آثارها
الكاتب يصور نمطا طبقيا معينا وهو يستمد خيوط نسيجه من خلايا هذا النمط والقصة التى يصممها ويضعها ولادة جديدة هى واقعه وواقع غيره .
وقد تعيشها الاكثرية الساحقة من الناس . . فالميزة التى تميز القاص عن الآخرين تكمن فى تملكه للقدرة التعبيرية والوصفية المترجمة لحركة الفعل المؤثر داخل الوسط الاجتماعى وهذه القدرة تستمد روافدها من حقيقة المعايشة والانعكاس اللذين عاناهما الكاتب
إن مهمة القصة فى عصر الثورة العربية مهمة تطويرية تعنى أولا بتصعيد الوعى وانشاء عالم جديد يوفر الاحسن للجماهير
والثقافة التى تنقل واقع الحال فقط ثقافة تسجيلية لا تعبر عن شئ سوى الصدى وهذه الثقافة تبقى ناقصة جوهريا ولا يمكن أن تكون ثورية لان الثورة تعتمد على بعث روح جديدة ، خلق دم جديد ، ترجمة انعكاس جديد ، وضع حلول جديدة تكفل الانتقال الثورى ، والا فما قيمة أن يكتب فلان قصة يعالج مأساة أسرة فقيرة دون أن يضع أهدافا ؟
القصة ضمن تحركنا الثقافي فى تونس بصورة خاصة لم تدخل بعد وعي الجماهير وهي لغاية حاضرها تعاني معضلة الانكماش والانزواء وذلك يعود الى أسباب أهمها :
أولا - ما يتعلق يمضمون القصة الذى هو القيمة الاساسية التى يستهدفها الناس فما قيمة القصة ما لم تستوعب مضامين القصص الحقيقية ما لم تعاين المضمون بنظرة الفاحص المكتشف للداء والدواء فى آن واحد ؛ ان تناول النبض فقط دون تحليل العلة المتغلغة فى الأعماق هو ما يجعل من القصة عقارا مخدرا يختفى أثره ببقاء العلة وتضخمها
إن عجز الكاتب في تطويع تجربة العالم المتقدم لصالح الهدف الاجتماعى لواقعه ، وضياعه بين تناوب التيارات المختلفة هو ما يفقده الصمود فى تثبيت منهجه وفرض مضمونه وجدله الخاص
ثانيا ما يتعلق فى انحسار الجمهور نفسه عن فهم ومتابعة القصة التونسة وذلك ناتج عن مؤثرات خاصة منها :
أ - ثانوية القصة في المنهج التربوي التونسي وعدم تكريسها فى فعاليات ونشاطات هذا المنهج مما يجعلها متأخرة فى نظر الجيل
ب -جزر النقد في تونس عن تحليل شخصية القصة الوافية وتثبيت الموقف النقدى على أساس الفهم العلمي المتجرد
إن ما أوردته فى هذا المجال تناولت فيه باختصار الجانب الذي يمثل القصة فى واقع الثورة أى جانب الجماهير الذى يعبر عن الألم والأمل معا .
أما الجانب الآخر من القصة والذي يكتفى بذاته خارج اطار الحاجه الواقعية فذلك غنى عن التعريف . .
إن وعى البعد الحقيقى للغاية من القصة فى واقع الحال التونسي والعربى هو ما يمكن القصة من احتلال رفوف النجاح ولا يعنى هذا أن القصة غير ناجحة وانما محدودة النجاح وهي أيضا شابة وأنقى الدماء ما تجرى بأوعية الشباب . .

