الاستاذ الجليل عبد القدوس الانصاري اعلم ان لك فى تاريخ الأدب العربي باعا طويلا . . وهذا المقال القيم ، للاستاذ الخفاجي ، المنشور فى جريدة البلاغ اللبنانية ، يذكر فيه نبذة عن ابن المقفع الاديب العربي البليغ . . ولكن شيئا واحدا ارجو الجواب عليه . . هل صحيح ان (( كليلة ودمنة من وضع ابن المقفع )) . ولكنه نسبه الى ملوك فارس ليكون ادعي لانتشاره وتصديقه وقبوله كما يقال ؟ او انه كتاب مترجم حرفيا عن الفارسية ؟ ! . . ان في الجواب على سؤالي فائدة للجميع . . لنرى من اجابتكم ما يخالف او يوافق الخفاجي ؟ ! الرياض : عثمان الصالح
( مقال الاستاذ الخفاجي ) حياة ابن المقفع
سنة وثلاثون عاما قضاها عبدالله بن المقفع هى كل عمر هذا الفتى الشاب الذى اودع الفكر العربى ، اسمى روائعه واثمن كنوزه فاذا استثنينا منها ستة عشر عاما هى مرحلة طفولته وصباه كانت هذه الحكم الرفيعة . والآداب الخالدة والآثار الباهرة ، نتاج عشرين عاما ، هى كل حياة ابن المقفع الادبية والفكرية ، وهو نتاج لو نسب المعمر بلغ المائة ، او جاوزها لكان كثيرا عليه . ولكان دليل عبقرية فذة ومواهب فائقة .
ولقد شهد له معاصروه . بشدة الذكاء وحصافة الملكات وبسعة الثقافة قالوا : لم يكن لمعرب بين سحابة أذكى من الخليل ابن احسد ولا كان فى العجم اذكى من ابن المقفع
واجتمع الخليل وابن المقفع ، فمكثا مدة يتجاذبان اطراف الحديث فلما افترقا سئل الخليل عن صاحبه فقال : ان علمه اكثر من عقله ، وسئل ابن المقفع عن صاحبه فقال : ما شئت من علم وادب الا ان عقله أكثر من علمه . .
ووصفه الجاحظ فقال : كان مقدما فى بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعانى وابتداع السير . .
ثروة طائلة
ويعد ابن المقفع من افذاذ الادباء والمفكرين فى تاريخنا العقلي . .
فهو من الجانب الادبى قد وهب اللغة العربية ثروة طائلة فى الافكار ، والمعاني والاغراض بل وفى الاساليب ايضا ومنحها اعظم ما استطاع اديب عربى ان يمنحها اياه من تراء فى الاداء والتعبير وغنى فى
التخيل والتصوير ، وسعة فى المعانى والتجارب والتفكير بل قد كساها حللا رائعة بمؤلفاته وترجماته التى حفظت على العربية شبابها ورواءها .
ويذهب لفيف من النقاد من بينهم الدكتور طه حسين ، والمستشرق الفرنسى موسيه الى ان النثر الفنى مدين فى وجوده فى ادبنا العربى لابن المقفع فهو فى نظر هؤلاء أول ممثل للتطورات النثرية الجديدة ، وهو أول مؤلف للانشاء الادبي في اللغة العربية ومهما كان فى هذا الرأى من مغالاة فان ابن المقفع هو رائد الطبقة الاولى من الكتاب فى العصر العباسى .
وقد آخي في طريقته بين التفكير الفارسي والبلاغة العربية ، واستخلص من الادبين الفارسي والعربى اللذين كان يجيدهما طريقة عرفت به ، واخذت عنه وتظهر مزينة فى ترتيب افكاره وحسن تقسيمها .
وكان ابن المقفع يروض الحكم الصعبة بسلاسة اسلوبه وعذوبة الفاظه حتى لتبدو مشرقة الجبين ناصعة البيان ، لم تكن معانيه تستهلك الفاظه ، ولا الفاظه تستهلك معانيه ، كان يقدر اللفظ على المعنى تقديرا واعيا .
واسلوب ابن المقفع ، فى سلاسته وجزالته وجماله وسحره يمثل رأيه فى البلاغة التى كان يعرفها بانها (( هي التى اذا سمعها الجاهل ظن انه يحسن مثلها وكان يتجنب الغرابة والحوشية ، ويقول : اياك والتتبع لحوشى الكلام طمعا فى نيل خلاغه فان ذلك هو العى الاكبر ، وفى حرصه على الايجاز ما يبرر قوله : الايجاز هو البلاغة .
أمه وحده
ان ابن المقفع من الجانب الادبي بعد امة امة وحده فى البلاغة ورصانة القول وسرف المعانى الى بيان غرض وسهولة لفط ورشاقة اسلوب . وله فضل كبير في تطور فن القصة فى الادب العربى . .
ويصفه الوزير جعفر بن يحيى البرمكى هو وطبقته من الكتاب فيقول : (( عبد الحميد الكاتب اصل ، وسهل ابن هرون فرع . وابن المقفع ثمر ، واحمد بن يوسف زهر )) .
اما ابن المقفع من الجانب الفكرى فعملاق جبار ، ترشدنا إلى ذلك كتاباته وحكمه واراؤه وتآليفه .
كان ابن المقفع واسع الاطلاع على الثقافيتين العربية والفارسية نقل خبر ما قرأ باللغة الفهلوية الى اللسان العربي وزاد عليه الكثير من آثار خبرته وحكمه وتجاربه فى الحياة .
نجده فى كتابيه : (( الادب الصغير . والادب الكبير )) اللذين جمع فيهما طائفة أفكاره وحكمه ومن أقوال الحكماء فى الاخلاق والآداب وتربية النفس وسياسة الملك كان يحاول ان يرسم خطوطا عريضة لمجتمع قوى تسوده المحبة والطمانينة والثقة والصداقة وفي الكتابين آثار من الثقافة والحكم الفارسية وصور من النظم السياسية فى الحكم واذا كان فيهما آثار من مذاهب فلاسفة اليونان فهى منقولة من الفرس الذين تأثروا - فيما تأثروا - بالمذاهب اليونانية . . ويرجح كثيرون ، ان كتابة (( الدرة اليتيمة )) هو نفس كتاب (( الأدب الكبير )) .
كيلة ودمنة
وكتاب (( كليلة ودمنة )) كان قد ترجم من الهندية الى الفهلوية فى عهد كسرى النو شروان واضاف الفرس عليه ابوابا مثل (( باب بعثه برزويه )) فترجمه ابن المقفع من الفهلوية ، الى العربية واضاف عليه فصولا جديدة مثل (( باب غرض الكتاب ، وباب الفحص عن أمر دمنة ، وباب الناسك والضيف . وباب البطة ومالك الحزين )) .
ويرجح بعض المستشرقين ومنهم (( هرنل )) وغيره ان وهو مقدمة الكتاب من اضافة على بن الشاه الفارسي المتوفى عام ٣٠٢ ع وفى هذا الكتاب اصول كنيرة لنظام الحكم وسياسة الرعية .
ويبدو ان روح الاصلاح الاجتماعى التى انطوت عليها جوانح ابن المقفع هى التى دفعته لى ترجمته وهو يعد من نفائس الآثار الفكرية ومن روائع كتب الأدب العربى وقد نرجم الى اللغات العالمية واحتل منزلة شاهقة . فى الفكر الانساني .
ومن الكتب المفقودة التى ترجمها ابن انققع (( خد اينامه )) اى سير ملوك الفرس وتاريخهم وكتاب (( التاج ))
انما كتب الفلسفة اليونانية ، التى ينسب اليه ترجمتها فمترجمها عن الفارسية هو ابنه محمد وليست من ترجمة ابن المقفع نفسه .
أين ولد ؟
هذا هو ابن المقفع الذى كان ميلاده ، بحورستان بفارس فى قرية تسمى (( جور )) من ابوين فارسيين عام ١٠٦ ه - ٧٢٤
ميلادية وكان ابوه قد سماه (( روربه )) وكان والده (( داذويه )) يتولى كتابة خراج فارس للحجاج بن يوسف . . ونقم عليه الحجاج فضربه حتى تقفت يده فلقب بالمقفع ، وعرف ابنه بابن المقفع . . ونشأ هذا الفتى الصغير مع ابيه فى البصرة يستظلان بولاء آل الاهتم المشهورين باللسن والخطابة والفصاحة ، وتلقى ثقافته الادبية في بيئة البصرة ، حيث العلماء والرواة والمدارس وسوق المربد ، وعمل فى كتابة الرسائل لولاة بنى أمية على بلاد فارس فكتب لداود بن هبيرة حتى قامت الدولة العباسية فى ١٣ ربيع الاول ١٣٢ ه - ٣٠ تشرين أول ٧٤٩ م وقتل داود ، ثم كتب لعيسى بن على عم الخليفة العباسى ايام ولايته على كرمان عامى ١٣٢ و ١٣٣ ه ، واسلم على يديه وكتب بعده لسليمان بن على ، ايام ولايته على البصرة من عام ١٣٣ - ١٣٩ ه ، ثم ولى البصرة بعد سفيان بن معاوية ، فنقم على ابن المففع ، لانتمائة لاعمام الخليفة الذين غضب عليهم المنصور ، واضطهد ابن المقفع وقتل عام ١٤٣ ه - ٧٦٠ م .
ذكره لم يمت
ومات ابن المقفع بعد ان خلف ثروة عظيمة للادب والفكر العربى ، وأمثلة رفيعة يحتذيها البلغاء والادباء فى كل عصر وجيل . . مات المفكر العظيم الذى جمع بين عقل الحكيم وتفكيره وطبع الأديب وذوقه ، والذى كانت حياته مثالا رفعا للانسانية وللسمو النفسى والخلقى . . مات هذا الشاب الفارسي الأصل العربى
اللسان . . ولكن ذكره لم يمت لان اثاره الادبية لا تزال حية ، باقية لن تموت .
( المنهل ) : اطلعت على المقال الذي بعثتم به مع رسالتكم . وأشكر لكم عاطفتكم الطيبة وتشجيعكم الحميد . . ويسعدني ان ابدى في نفس الوقت ان الخلف في أصل كليلة ودمنة قديم أشار اليه كتاب الفهرست لابن الندم ولكنه رجح ان يكون من صنعة الهند ، ويقول عنه انه نقل بالعربية الى اللغة الفارسية . ويرجح نجيب محمد البهيتى فى كتابه ( تاريخ الشعر العربي حتى أواخر القرن الثالث الهجرى ) ان ابن المقفع لما نقل الكتاب عن الهندية والسريانية الى العربية ترجمه هو مرة ثانية إلى الفارسية عن الترجمة العربية او نقله اليها عن ترجمته العربية غيره ، اما الترجمة السريانية للكتاب فلا تزال موجودة حتى اليوم . . يراجع ص ٢٢٣ من الكتاب المذكور . . الكتاب العربى ببيروت .
وترى ( الموسوعه الميسره ) ان كتاب ( كليلة ودمنة ) مجموعة من قصص الحيوان الهندية الاصل التى ترمي الى العظمة الخلقية نقلت الى اللغة البهلوية وترجمها عبدالله بن المقفع الى العربية وابتغي من ترجمتها ارشاد الخليفة المنصور الى ما يجب ان يتمسك به من خلق . وتضيف الموسوعة المذكورة الى ذلك قولها : ( الاصلان السنسكريتي والبهلوى مفقودان )
وكما اشارت مقالة الجريدة فان الموسوعة الميسرة ، ترى ان هناك اضافات الحقت بالكتب (( ومن المضيفين اليه مترجمه عبد الله ابن المقفع ) وكما تقول بان كليلة ودمنة ترجمت الى اكثر من عشرين لغة معظمها عن العربية .
أما كتاب ( الاعلام ) للزركلي فمن رايه ان عبد الله بن المقفع ( ترجم كتاب كليلة ودمنة عن الفارسية وهو اشهر كتبه ) .
وفي كتاب ( تاريخ الحكماء ) لعلى بن يوسف القفطي المتوفى سنة ٦٤٦ ه - ١٢٤٨ م ان ابن المقفع ( ترجم مع ذلك الكتاب الهندى المعروف لكتاب كليلة ودمنة ) . .
ومن تأمل هذه النصوص يبدو لك جليا ما يلي :
اولا - ان كتاب كليلة ودمنة لم يضعه ابن المقفع من عنده مطلعا .
ثانيا :انه ترجمه من الفهلوى الى اللغة العربية .
ثالثا اختلف في هذه اللغة التي ترجم ابن المقفع منها الى العربية كتاب كليلة ودمنة فقال الاكثرون انها الهندية وقال غيرهم انها الفارسية ، وارجح انها الهندية لأغلبية القائلين بذلك ، وللمسحة الهندية الرقيقة التى تجلل موضوعات الكتاب وطريقة عرضه للقصة .

