الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

هل يشهد القرن الخامس عشر الهجري، عودة المسلمين إلى الاسلام ؟

Share

ها هو القرن الخامس عشر الهجرى يطالعنا ونحن على أبواب نهضه جديدة بعد قرون عديدة من التخلف والاستعباد سببهما الجهل والظلم والاستبداد انها لفرصة ثمينة نحاسب فيها أنفسنا ، ونتساءل : أين نحن ؟ والى أين المسير ؟ وفى أى اتجاه ؟ ما هو الاتجاه الذى نختاره لنهضتنا الجديدة فى القرن الخامس عشر الهجرى ؟ أهو الاتجاه نحو الغرب ؟ أى أن نقتبس المدنية بعجرها وبجرها ؟ أم هو الاتجاه نحو الشرق أى أن نقلد نطاما شيوعيا معينا ؟ أم انه عودة الى الاسلام الذى اتبعناه فارتقينا وحملنا مشعل العلم والايمان والعدالة والاخاء الى البشرية كافة وأهملناه فاندس بيننا الجهل والظلم والاستبداد وما يرافق ذلك من فقر وفساد واستعباد ؟

ولاجل تقرير المصير الذاتى وتعيين الاتجاه نقترح طرح الاسئلة الثلاثة التالية على أنفسنا ونحاول الاجابة عنها بكل ما يتيسر لدينا من خبرة وبايجاز كلى :

(أ) كيف حال المسلمين اليوم وما هو موقفهم من تعاليم الاسلام ؟

(ب) لماذا نحن نعتقد بأن الاسلام هو دين المستقبل للانسانية كافة ؟

(ج) كيف يعود المسلمون فى القرن الخامس عشر الهجرى الى الاسلام ؟

للاجابة على السؤال الاول : " كيف حال المسلمين اليوم " نقول :

لو ألقينا نظرة طائر على العالم الاسلامى من المحيط الهادى الى المحيط الاطلسى لوجدنا أن العالم الاسلامى يكاد يشكل حزاما يحيط بنصف الكرة الارضية الشرقى . المسلمون يعدون ما لا يقل عن ستمائة مليون ، نسمة ، ويعيشون فى بلاد مهمة وخطيرة استراتيجيا ، وغنيه جدا بالموارد الطبيعية ، من نفط ، ومعادن ، وأنهار ، وأراض واسعة . فالامكانات المادية للعالم الاسلامى لا حد لها ولكن الاحوال المعنوية من سياسية الى اجتماعية الى أخلاقية فيها ست الداء . وهذا يقودنا إلى البحث عن مصدر الداء ، لما دب الخلاف بين زعماء المسلمين بعد صدر الاسلام بسبب عوامل سياسية ومذهبية وعائلية ضعف شأن المسلمين وأصبحوا يقاتل بعضهم بعضا .

وقويت العصبيات القبلية ، ونشأ التعصب المذهبى مما أدى الى تفكك المسلمين وضعف الضمائر الاخلاقية عند البعض ، فاستبد الحاكمون . كل ذلك آل بالمسلمين الى الضعف والتخلف بعد أن كانوا قد بهروا العالم برسالتهم التوحيدية واقبالهم على العلم والتعلم ومعاملاتهم المؤسسه على العدل والرحمة . ان ضعف المسلمين هذا هيأ فرصة ذهبية للاستعمار الاوربى مع ابداء أن أوربا اقتبست من المسلمين الكثير من عناصر الفكر والقوة . بدأ الاستعمار يستولى تدريجيا على العالم الاسلامى حتى كاد أن يستولى على العالم الاسلامى كله وذلك بعد الحرب العالمية الاولى مباشرة ، والاستعمار بدوره عمل على اشاعة التفرقة والقطعية بين المسلمين وشجع الجمود والتخلف ولكنه لم ينجح فى اطفاء شعلة الاسلام ولله الحمد .

ومنذ الحرب العالمية الاولى والمسلمون فى كل مكان يقاومون الاستعمار وهاهم اليوم على أبواب القرن الخامس عشر الهجرى وقد حققوا لمعظم أقطارها الاستقلال السياسى . ولكنهم ما يزالون مفكين منقسمين على أنفسهم يكونون مجموعة دول ودويلات ، قد تكون غنية ماديا ولكنها متخلفة اقتصاديا وتقنيا وثقافيا واجتماعيا . لقد استيقظ المسلمون بعد قرون من التخلف ليجدوا انفسهم مغمورين فى نيارات المذاهب الفلسفية والاجتماعية المتصارعة فيما بينها . فمن مذاهب اشتراكية ماركسية متعددة الى فلسفات رأسمالية علمانية وكلها مغلفة بشعارات جذابة ولها دعايات قوية ، ولما كانت الدول الاسلامية كلها متخلفة فى الحقل التقنى والعسكرى فانها مضطرة لان تلتجئ إلى أحد المعسكرين العملاقين الشرقى أو الغربى لاستجداء السلاح . وهذا مما يضعف الاستقلال السياسى بعض الشئ اذ أنه يتطلب من الدولة المشترية أن تدارى سياسة الدولة القوية والا فلا تزودها بالسلاح .

ويصدق القول نفسه على التصرف بالثروة الاسلامية الهائلة فانها قد توجه إلى البلاد المصنعة لشراء الكماليات وجلب الجدة التقنية وتأسيس المعامل أو ايداع الثروة فى المصارف والمصالح الغربية . فثروة النفط مثلا قد تبذر فى اقتناء الكماليات أو فى شراء الاسلحة التى لن تستخدم فى مقاومة العدو الخارجى بل لمجرد اعادة ثروة النفط الى الغرب وتشغيل معامل أسلحته وتصريف القديم منها فى البلاد الاسلامية لتحل محلها أسلحة جديدة يستخدمها لنفسه ولحلفائه . يمنون علينا بالسلاح ولكنهم لا يزودننا بما نستطيع التفوق به على خصومنا ! التخلف التقنى هو من الظاهرات الملموسة فى كل أنحاء العالم الاسلامى ، ان المدنية الصناعية غزتنا باختراعاتها وتقنياتها فأصبح المجتمع الاسلامى مجتمع استهلاك أكثر منه مجتمع انتاج . فالمسلمون اليوم يقتنون السيارات والقطارات والطيارات من الشرق أو الغرب وهم لا يحسنون صنعها . كما أنهم يقتنون الراديو والتلفاز والثلاجة وسائر الآلات والاجهزة الكهربائية وهم لا يقومون بصنعها وقد يخفقون حتى فى اصلاح العاطل منها . والاقتصاد الاسلامى بتراوح بين الفردية التى قد تفرط فى الربح أو الاحتكار وبين التأميم الذى قد يمنى بالبرقراطية الخانقة والتسبب وضعف المسؤولية . ثم ان الهوة بين العمال وادارة المعمل قد تتسع فتؤدى الى الاضرابات والاضرار بالمصلحة القومية .

وسائل الاعلام الغربية قد لعبت بأفكارنا ومعتقداتنا وأخلاقنا كما تشاء ، فنحن نتأثر مما نرى فى السنما أو التلفاز ، ومما نسمع من الاذاعات ، ومما نقرأ فى الصحف والمجلات ، ففى كل هذه الوسائل الغث والسمين . وليس من السهل على الانسان البسيط أن يميز بين الغث والسمين ، ولذلك فقد يقع فريسة للافلام الاباحية والاجرامية ، وللروايات والصحافة المثيرة ، فكل هذه تفعل فعلها فى حياتنا اليومية شعرنا بذلك أم لم نشعر .

ان معظم المسلمين أميون لا يحسنون القراءة والكتابة ، وهم يعيشون فى عصر ما قبل العلم ، ولا سيما فى الحقل الفكرى أو المعاشى وفى حقلى التقنيات والصحة العامة . والتربية الرسمية التى يحصل عليها الطفل المسلم هى فى الغالب من النوع اللفظى ، فهى لا تشجع الشاب المسلم على ممارسة الاعمال الفلاحية أو الصناعية بأساليب تقنية محسنة . فاستعمال اليد مقرونة بالعلم وبالفكر لم تصبح القاعدة فى تربيتنا بعد . ولذلك فتربيتنا اتكالية أكثر منها استقلالية ، وتعنى بالالفاظ أكثر من عنايتها بالافكار وبالافعال . ونظم التعليم عندنا وهى مستوردة من الغرب تعنى بالشكل وبالمظهر أكثر من

عنايتها باللب وبالجوهر . ولما كانت معظم النظم الغربية قد وضعت على أساس علمانى أى على أساس فصل الدين عن الدولة فتقليدنا السطحى لها قد يؤدى الى عدم اهتمامنا اهتماما كافيا بالتربية والاخلاقية . ولا غرابة اذن إذا تخرج شاب مسلم من الجامعة وهو غير ملم بما يمس حياته اليومية من محتويات القرآن الكريم لانه لم يدرس القرآن الا فى السنوات الاولى من تكوينه - وقد تصبح الثقافة المستوردة من الغرب مصدر خطر على حياة الامة حين تنشئ أفرادا منبتين من كيان أمتهم ، يكادون ينسون ذاتيتهم الاسلامية . ولا عجب اذا ما لقى التعريب أو الدعوة الى الاسلام مقاومة من قبل البعض بدعوى ان العروبة والاسلام انما يمثلان الرجعية !. وما علم هؤلاء بأن مسخ الذاتية القومية - الدينية والعودة الى الحياة البهيمية والالحاد هى الرجعية بعينها . وهى الجاهلية ! وكنتيجة لهذه الاوضاع وقد تكون من مسبباتها ان الفرد المسلم فى العديد من البلاد الاسلامية يكاد يكون كمية مهملة ، فحياته قد تهدر بدون حساب ، وحقوقه الانسانية قد تنسى ولا عقاب . فهو ليس أكثر من أداة مسخرة فى الجهاز الاقتصادى أو الاجتماعى الذى يعيش فيه عادة - لا رأى له ولا مشاركة فى تقرير المصير .

ان معظم البلاد الاسلامية تقودها حكومات لا تمارس الفعل الثورى ، والبعض من الحاكمين يحسبون أنهم يملكون البلاد والعباد . فانهم يتصرفون بثروات بلادهم كما يشاؤون ، وينفقونها حيث يشاؤون . ثم ان البعض من حكام البلاد الاسلامية استورد أنظمة الحكم من الغرب الرأسمالى أو الشرق الشيوعى ناسين أو جاهلين أن هذه النظم تحوى الصالح والضار ، وأن علينا اختيار الصالح ونبذ الضار ، والبعض من حكام البلاد الاسلامية مؤمنون يغارون على الدين الاسلامى ولكنهم قد يخطئون فى فهمهم لمرامى الدين الاسلامى أو قد يقصرون فى تطبيقها على الحياة .

وربما كانت المسؤولية الاولى عن أوضاع الحكم الراهنة تقع على عاتق العلماء وقادة الفكر . فيندر ان نرى العالم العامل الحكيم الشجاع الذى يتولى قيادة الامة ويوجه الشعوب والحكام الى الخير والصلاح . فالاكثرية من العلماء والمفكرين يقعون ضمن واحد من الاصناف الثلاثة التالية :

أ) عالم يبتعد عن الميدان ويجلس على التل فهو لا يريد أن يتحمل أية مسؤولية ويتهرب من مجابهة مشاكل الحياة ، انه يتوخى الهدوء والسلامة .

ب) عالم يخوض ميدان المعركة وهو متزمت معصب الذهن سطحى فى

آرائه وأحكامه ، انه يشجب كل جديد وكل غريب فى حقل الفكر أو الاجتماع الام الذى يجعل الشباب المثقف يتهرب منه ان لم نقل يقابله بالهزء والسخرية .

ج) عالم التيارات التى تتطلبها الظروف والسلطة الحاكمة خاصه سواء أكانت هذه التيارات صحيحة أو معتلة ، وهؤلاء قد يوصمون بالانتهازية وبالنفاق .

ففى الحقيقة ان العالم الاسلامى اليوم يفتقر الى العدد الكافى من العلماء الحكماء العاملين ، كما أنه يفتقر الى العدد الكافى من القادة الاختصاصيين فى حقول الحياة كلها . وليس أدل على ضعف العالم الاسلامى فى الحقول السياسية والعسكرية والتقنية والدعائية من موقف المسلمين ازاء العدوان الصهيونى على فلسطين . فالصهيونية استولت على بقعة هي من اقدس بقاع العالم الاسلامى وشردت سكانها من مسلمين ومسيحيين ولم تكتف بتشريدهم بل انها ظلت تلاحقهم وهم فى مخيماتهم فتقصفهم من الجو والبر والبحر ، وتزهق الارواح البريئة من أطفال ونساء وشيوخ ، ومع ذلك فالمسلمون لم يتحركوا بعد وليس لديهم سوى الكلام وابداء العواطف الجياشه والاحتجاجات الصارخة . ونستطيع أن نلخص الجواب على السؤال الاول كيف حال المسلمين اليوم فنقول : المسلمون اليوم يكثر فيهم الجهل والفقر والضعف العسكرى والتقنى ، وتتفشى بينهم الخلافات السياسية والبلبلة العقائدية حتى يؤول الامر الى التصادم فيما بينهم أحيانا . وقد يتسرب اليأس والتشاؤم الى التفوس التى لم تسق بماء الايمان من جراء هذه الاوضاع . ما أبعد كل هذه الاحوال عما يتطلبه الاسلام وعن تعاليم القرآن فالشقة واسعة الهوة عميقة بين المسلمين كما هم عليه اليوم وبين ما يريده لهم الاسلام لو عادوا اليه .

هل من عودة الى الإسلام ؟

لقد آن للمسلمين أن يعودوا الى الاسلام وأن يقوموا بدرس القرآن دراسة حية من جديد ، ويوجهوا حياتهم وسلوكهم على ضوء حكمه وتعاليمه . ونحن نميل الى التفاؤل ونؤمل أن يصبح القرن الخامس عشر الهجرى قرن عودة إلى الاسلام ، ونبنى تفاؤلنا هذا على أن المسلمين خبروا المدنية الغريبة بشقيها الرأسمالى والشيوعى فوجدوا فى كلا الشقين استعبادا للانسان وامتهانا لكرامته ، ذلك مع فقدان الطمأنينة والاستقرار وراحة الضمير . ففى الدمقراطات الغريبة نشهد انحلال المجتمع وانخرام حبل الامن والاستقرار ، فمن اباحية بهيمية ، الى استغلال بشرى ، الى تمييز عنصرى ، الى اضطرابات

تصحبها اضطرابات ، وأعمال فوضوية ، الى حوادث خطف وارهاب ، الى اغتيالات . فالمدنية فى الدمقراطيات الغربية فيها الكثير من ترك الحبل على الغارب ، واتباع الهوى باسم الحرية وباسم الدمقراطية ، وفيها الكثير من افساد الدمقراطية عن طريق الاغراء المادى والتأثيرات المتحييزة واللا أخلاقية من أجل كسب الاصوات . وربما كان أفظع نموذج لهذه اللا أخلاقية فى الدمقراطية هو " اللوبى " اليهودى فى واشنطن حيث تضحى بالحقوق المشروعه لعرب فلسطين ! وأما الشق الماركسى للمدنية الغربية فقد تجلت فيه السلطوية والقسوة فى معاملة الانسان فقد هلك الملايين من البشر فى عهد استالين فى الاتحاد السوفيتى . والفرد فى النظم الشيوعية يكاد يكون أداة مسخرة بيد الدولة فاقد الحرية والارادة تقريبا . انه ليس آمنا على حياته الفكرية والسياسية ، ولا ضامنا حريته فى الحركة والتنقل ، كما انه ليس حرا فى نشاطه الاقتصادى ، كل ذلك باسم العدالة والمساواة .

ليس من ينكر بأن فى كل من النظم الغربية أو الشيوعية صفحات خيرة وايجابية . ولكن هذه النواحى الايجابية مضمونة فى الاسلام ، فالاسلام يتضمن ما فى الرأسمالية الغربية من خبر مع ترك شرورها ، والاسلام يتضمن كل من فى الماركسية من خير مع تجنب أخطارها . فالاسلام يدعو الى التشبث الفردى والى التعاون بدون استغلال ولا فساد . انه يدعو الى العدالة فى التوزيع مع ضمان مكافأة الانسان المجتهد ومع ممارسة الاحسان والرحمة . والاسلام يدعو الى الشورى وهى أسمى ميزات الدمقراطية ، وفى الوقت نفسه انه يقاوم الفرعنة (الاستبداد) ويشجب الغوغائية . ولما كان المسلم المعاصر يريد الخروج من ظلمات التخلف وسلك سبيل النجاة فليس من الصعب عليه أن يجد ضالته في دينه وقرآنه . ففى دينه وقرآنه يجد سبل الخلاص من الضعف والفقر والجهل والمرض والانحلال الاجتماعى والتمزيق السياسى من جهة ، كما أنه يحد سيل الرقي وتحقيق انسانيته واسترجاع عزته وكرامته . ولا عجب اذا ما رأينا انظار العالم وأفكاره تتجه من جديد الى الاسلام . والعديد من الباحثين الامريكيين يعد قائمة تحتوى على أعظم مائة شخصية فى تاريخ الذي تتجلى فيه عظمة الاسلام وسمو الاسلام . ولا عجب اذا ما رأينا أحد الباحثين الامريكيين يعد قائمة تحتوى على أعظم مائة شخصية فى تاريخ الانسان ويضع على رأسهم نبى الاسلام محمدا عليه الصلاة والسلام .

وها نحن فيما يلى نشير الى بعض المزايا التى تخول الاسلام أن يكون دين المستقبل والانسانية جمعاء :

(1) الاسلام يعلمنا بأن هذا الكون يسير وفق نواميس وقوانين رياضية وطبيعية واجتماعية - أخلاقية . وأنه أى الكون لم يخلق عبثا بل ان الخلاق العظيم مبدع الكون هو الذى أودع هذه القوانين وهذه النواميس فى الكون . وهو الذى خلق الانسان وكرمه فجعله خليفة فى الارض ليكتشف أسرار الخليقة وليساهم فى اعمار الارض ، ولو قام الانسان بدوره فى الوجود لحل النظام والعمل فى الحياة محل الفوضى والكسل ولحلت الهداية محل الضلال ولحل الامل والطمأنينه فى النفس محل اليأس والقلق ، فالانسان المؤمن فى هذا الكون سعيد فى دنياه وآخرته .

(2) الاسلام دين التوحيد والتكامل : انه يدعو الى توحيد الخالق والاهتداء بهديه . ثم انه يدعو الى التوحيد والتوفيق بين عناصر الوجود . انه يربط ويوحد بين العلم والاخلاق ، الزوج والزوجة ، وبين الدين والدولة ، وبين العلم والايمان ، بين العلم والعمل : وبين الفكر والعاطفة والارادة ، وبين أبناء الامة الواحدة والوطن الواحد ، ثم انه يربط ويؤاخى بين الاقوام والشعوب . ولو اعتنق البشر كلهم الدين الاسلامى لاصبحت الانسانية كلها أمة واحدة .

(3) الاسلام دين الاستعداد والجهاد : لو اتبع المسلمون تعاليم القرآن لكانوا مستعدين لمجابهة العدوان الاسرائيلى ولقاموا بواجب الجهاد . والاستعداد والجهاد يتخذان دورا خارجيا حين يجابه المسلم عدوا معتديا يغزوه من الخارج ودورا داخليا حين يغالب المسلم نزواته فيكبح جماحها ، أو حين يقوم ببناء نفسه أو بناء أمته ووطنه ، وقد سمى الجهاد ضد العدو الخارجي بالجهاد الاصغر والجهاد فى الداخل بالجهاد الاكبر .

(4) الاسلام دين الاخوة والمساواة بين بنى البشر فلا تتزيق فى الاسلام بين الناس على أساس القبلية أو العنصر أو اللون أو الجنس . والناس كلهم سواسية وأكرمهم عند الله أنقاهم . " انما المؤمنون اخوة " .

(5) الاسلام دين العلم والحكمة : الاسلام يحض على طلب العلم وعلى البحث عن الحقيقة عن طريق المشاهدة والتجربة وعن طريق التحقيق والتفكير والتأمل وآيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية عديدة فى هذا الباب .

(6) الاسلام دين العدل الاجتماعى المقترن بالاحسان والرحمة : المسلم يعلم أن ثروته هى من الله وانها ينبغى أن تنفق فى سبيل الله لاسعاد حاله واسعاد

المحتاجين من أبناء أمته . " وفى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " والقرآن الكريم يشجب الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله . فالمطلوب من المسلم ممارسة الاحسان والانفاق الى جانب تحقيق العدل الاجتماعى ولو كان العالم الاسلامى مسلما حقا لما وجد فقير أو محتاج بين المسلمين اليوم .

(7) الاسلام دين الاعتدال فى التمتع بالخيرات والملذات : انه لا يدعو الى الحرمان مما خلقه الله من زينة ومتع فى الحياة . وليس فى الاسلام كبت بل هنالك مسؤولية ونظام فى التمتع بالحياة . فالاسلام يرتفع بالانسان عن البهيمية ويشجب الاسراف والانهماك . ثم انه يحل الطيبات ويحرم الخبائث كالزنا وشرب الخمر والقمار وأكل الخنزير والموقوذة والمتردية الخ ...

(8) الاسلام دين الحرية المسؤولية وممارسة " الشورى " فى الحياة ... "وشاورهم في الامر ..." والشورى في الحكم هى الدمقراطية بمعناها الصحيح . هذا وان الاسلام يشجب الغوغائية وحكم الرعاع كما انه يشجب " الفرعنة " والاستبداد .

(9) الاسلام دين التكافل والتآخى بين البشر ، انه يوحى بالاتحاد ونبذ التفرقة " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " . " انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم " ، ثم انه يوصى بممارسة " الامر بالمعروف والنهى عن المنكر " كما يدعو الى " التواصى بالحق والتواصى بالصبر " ، أى أنه بأمر بالتعاون والتكافل فى ممارسة الخير والحق ومكافحة الشر والباطل . ولو أصبح المسلمون مسلمين حقا لما احتاجوا الى مراقبة بوليسية .

(10) الاسلام دين السعى والعمل والانتاج ، انه يحض على العمل ويدعو الى كسب الرزق الحلال . " وان ليس للانسان الا ما سعى " " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " .

(11) الاسلام دين الفضيلة والخلق الكريم : المسلم مؤدب لطيف وعف شريف ، انه يعامل الناس بالرفق وبالحسنى ، فلا يكون فظا ولا غليظ القلب وانه يتبع قوله تعالى : ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن " وقوله تعالى مخاطبا نبيه : " وانك لعلى خلق عظيم " .

(12) الاسلام يربى المسلم ماديا ومعنويا ، ويدخل فى نفسه الطمأنينة والامل بتوجيهه نحو خالقه واعتماده عليه ، وذلك بتكليفه بتاديه الفرائض من صلاة وصوم وزكاة وحج الى " بيت الله الحرام " .

هذه نماذج من مزايا الاسلام الطيبة وهو آخر الاديان السماوية وأكملها . انه يتسم بالنظرة الشاملة الى الوجود الموحدة لعناصر الوجود ، ثم انه يرتفع بالانسان لادراك خالق الوجود . انه يضمن للانسان الموقع الكريم فى هذا الوجود . انه دين الانسانية كافة ويقود الانسانية الى السعادة والطمأنينه فى هذه الحياة الدنيا وفى الآخرة .

كيف يعود المسلمون الى الاسلام :

لقد خسر المسلمون أية خسارة وتأخروا أيما تأخر يوم توقفوا عن الاهتداء بهدى القرآن الكريم وجهلوا جليل أحكامه . واليوم وقد تيقظت معظم الشعوب الاسلامية فى عالم يسوده القنق وتنتشر فيه الفوضى فى القيم ويكثر فيه الارهاب هل سيعود المسلمون الى الاسلام ؟ لسنا فى موقف من يتنبأ حول المستقبل . ولكن لكل منا الحق أن يأمل . بشرط أن يقترن الامل بالعمل . نحن نأمل أن يرجع المسلمون الى الاسلام فى القرن الخامس عشر الهجرى . لا سيما إذا عملنا جميعا ويدا واحدة وتغلبنا على العقبات التى تعترضنا فى طريق العودة ، وذلك بتحقيق الشروط المطلوبة لتأسيس المجتمع الاسلامى الصحيح . أما العقبات التى قد تعترضنا فى الطريق فانها قد تكون داخلية وخارجية .

أما فى الداخل فانها تتمثل في بعض من تثقفوا بالثقافة الغربية ، فتشربوا بالالحاد أو بالعلمانية ، وقد يكون بعضهم فى مواقع القيادة والمسؤولية فى بلادهم . مشكلة هؤلاء هو أنهم يجهلون حقيقة الاسلام وهم يحكمون على الاسلام من واقع المسلمين فينسبون للاسلام التخلف والانغلاق والاسلام براء من كل تخلف وكل انغلاق . ان هذا النفر ان وجد يحتاج الى تثقيف وتعريف بحقائق الاسلام وبدور الاسلام فى نهضة الامة وارتقائها نحو الحياة الحرة الكريمة . وأما العقبات الخارجية فانها تتمثل فى الدعاية المغرضة وتشويه الحقائق والتفسير الخاطئ الذى يبثه أعداء الاسلام التقليديين وفى مقدمتهم الصهاينة والمتعصبون من المبشرين والاستعمار الغربى والنظم الشيوعية التى تكافح الاديان ، فكل هؤلاء الاعداء يصمون الاسلام بالجمود والرجعية والقسوة ، وأنه دين الحروب ودين السيف ، وأنه يحجر المرأة إلى ما هنالك من كليشات

معروفة ومردودة ، ان هذه العقبات الداخلية منها او الخارجية تذوب وتخرس متى توفرت العزيمة والوسيلة للبناء الاسلامى الصحيح . والعودة الى الاسلام فى نظرنا تتطلب الامور التالية :

(1) زعامة اسلامية حكيمة تتصف بالعلم والتقوى والتفتح على العالم وقوة الشخصية . زعامة لا تخشى فى الحق لومة لائم .

(2) توفر رؤساء دول وحكام فى البلاد الاسلامية مؤمنين يعرفون الاسلام على حقيقته الناصعة يمارسون الاحكام والاخلاق الاسلامية بغيرة وحماس .

(3) توفر أجهزة نوعية اسلامية على نطاق واسع واعتبار المساجد مراكز اشعاع وتنوير لابناء الشعب كافة .

(4) توفير التربية الاسلامية الحركية الحية للمسلمين كافة من الطفولة حتى الشيخوخة ، واعداد أساتذة لتدريس علوم الدين على مختلف المستويات، ولا سيما المستوى الجامعى .

(5) نفوذ الروح الاسلامى فى كل المؤسسات والمنظمات السياسية والاعلامية والعمالية والاجتماعية والاقتصادية .

(6) التأكيد على أن تكون العائلة الاسلامية خلية اسلامية سليمة . وأن ننشئ الاجيال الصاعدة تنشئة اسلامية صحيحة .

(7) التأكيد على جعل البيئة فى الريف وفى المدن بيئة اسلامية مزدهرة خالية من الادران المادية والمعنوية .

(8) العناية بنشر التربية الاسلامية فى البلاد التى تقطنها أقليات اسلامية فى كل أنحاء العالم ، والتأكد من أن تكون التربية الاسلامية تربية حياة وأفعال لا تربية ألفاظ وأقوال فحسب . ومن المفيد أن نذكر هنا بأن قوة الصهيونية العالمية التى نجابهها اليوم ترجع الى حد كبير الى تأسيس مدارس " الاليانس الاسرائيلى " التى بدأت فى الانتشار فى المجتمعات اليهودية فى كل أنحاء العالم بداية من 1866 ميلادية .

(9) نوعية الجماهير المسلمة بأن الاسلام يشمل حياة الانسان من كل نواحيها . فهو لا يقتصر على العبادة فحسب بل يشمل أيضا العقيدة والاخلاق والعاملات . ولو شبهنا الحياة الاسلامية بشجرة فالعبادة تكون الغذاء والارواء الذى نوفره للشجرة .

(10) تأسيس قرى نموذجية ومشاريع اقتصادية واجتماعية تدار على القواعد الاسلامية ، بحيث تصبح هذه القرى وهذه المشاريع نماذج يحتذى بها فى كل أنحاء العالم الاسلامى .

(11) تأسس نظام سياسى يبنى على مبدأ الشورى يحترم كرامة الانسان الفرد ويضمن الحريات الاساسية وحقوق الانسان وفق تعاليم الشريعة الاسلامية .

(12) تأسيس نظام اقتصادى انسانى يشجع المبادرة الفردية فى جهة ويعمل على تحقيق العدل الاجتماعى من الجهة الاخرى .

(13) الحاجة الى التفتح على العالم واقتباس الخبرات الخيرة الجديدة حيثما وجدت أن فى الشرق أو فى الغرب .

(14) العمل على تأمين الاكتفاء الذاتى فى الانتاج وعدم التعود على البذخ والتبذير فى حياة الامة .

(15) السعى لتأسيس رابطة شعوب اسلامية تربط وتوحد الشعوب الاسلامية كافة متجاوزة الخلافات المذهبية . والعمل بجد على تأسيس رابطة حكومات اسلامية توحد بين اقطار العالم الاسلامى دينيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا .

وصفوة القول : ان الانسانية اليوم هى فى أمس الحاجة الى الاسلام والى العمل على ضوء تعاليم الاسلام ، فما نأمله ونرجوه هو أن يكون القرن الخامس عشر الهجرى عهد عودة المسلمين الى الاسلام ومتى تحقق ذلك على الوجه الصحيح فسيدخل الناس في دين الله أفواجا . وهو ما نتمناه للبشرية كافة .

وفى الختام نرد قوله تعالى :

" هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " .

( الجامعة التونسية )

اشترك في نشرتنا البريدية