الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

هوميروس الشاعر الخالد

Share

فى أواخر القرن التاسع قبل الميلاد طلعت شمس منيرة ، أنارت بلاد اليونان وبقى اشعاعها يضئ العصور التالية الى الآن ، وسيبقى هذا الاشعاع بتحدى الزمان والتاريخ ليحافظ على بقائه وعلى نوره . لقد أنار عقول المثقفين والمفكرين ، ولكن هذا المشع لا يبصر ، انه كالشمعة التى تحترق لتضيء ما حولها . قضى زمنا ليس بالقصير يجوب ارجاء بلاد اليونان ينشد الاناشيد ويسرد قصة الآلهة والابطال والحب والحقد والمكر والصراع بين الآلهة والبشر .

لقد عد من اعظم شعراء بلاد اليونان واشعرهم من يوم ان عرف العالم الشعر ، ذلك هو هوميروس شاعر اليونان الخالد .

رغم ان الباحثين كتبوا عن هوميروس من المؤلفات ما لم ينله أى شاعر آخر غيره فى الماضى أو الحاضر فلا تزال حياة هوميروس ونشأته اسطورة التضارب والافتراضات ، ولقد امتلأت صفحات كتبهم بالاحتمالات والتكهنات ، فزادت الغموض غموضا والحيرة حيرة ، ويكفى ان سبع مدن من بلاد اليونان نتخاصم مع بعضها البعض ولا تزال ، كل واحدة تدعى انه نشأ فيها وترعرع .

ملاحم هوميروس - الالياذة - المبنية على غيظ اخيل - والأوديسة - التى تسرد تيه " أوديسيوس " صاحب خدعة الحصان الخشبى الذى كان السبب فى سقوط " طروادة " و " القصائد الهزلية " : " كالغبي المغرور " - و " حرب الضفادع " - و " حرب الفئران " - كل هذه الاعمال أبت الا ان تصمت عن أمر صاحبها وان تركن الى الخضوع لمولاها . لقد أبى الشاعر الخالد أن يترك عملا بخلد نشأته ويؤرخها ، فأتت اعماله مخلصة لمواضيعها : فانية فيها ، وكأنه

أراد أن تتسم أبحاث ناقدية بالغموض ، فرام حيرتهم وذهولهم ، أراد أن بشقيهم كما يشقي هو بهذا الظلام الذي صاحبه فى تجوال كامل أيام حياته ، يغرد كالطير فتشرئب له الاعناق ، وتسجد له الهامات ، وتنتعش القلوب ، وتذوب فيه العقول ، ومع هذا فهو يبصر هذا الخلق الذى يسعد لمرآه ويسجد لاناشيده ، سخر ملاحمه للفن محتقرا ذاته ، يتوقع لها الفناء فى كل لحظة ، فالذى يبقى هو شعره ، اشعاعه ، أما " هوميروس " الانسان فمرتحل الى عالم الظلمات ، عالم " هادس " سيد عالم الموتى .

أسباب فقدان بصره تكاد تكون مجهولة ، هل خرج الى الدنيا كفيفا ؟ ، أم فقده فى طفولته ، أو شبابه ، أو فى كهولته ؟ .

متى ولد وأين شب وترعرع وأين توقف به القدر ...؟ انه الغموض كل الغموض ، يحاول المؤرخون القدامى والمعاصرون اجلاء الحقيقة ، فيختلفون مع بعضهم في أمر ويتفقون فى آخر ، والغموض يتمرد ولا يريد التزحزح عن مكانه حتى تتلاشى الشكوك والافتراضات والاحتمالات ولتظهر الحقيقة ولا شئ غير الحقيقة .

اختلف بعضهم من القدماء فى شأن الشاعر الكفيف ، فيهم من يقول : انه لم يكن هناك شاعر بهذا الاسم بالمرة ، اما " فهيكانوس " الذى كان يتزعم منصب أول مؤرخ في اليونان فانه قال : ان " هوميروس " عاش الحرب الطروادية الاغريقية ، التى دارت رحاها فى عاصمة طروادة " اليون " والتى وقعت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، لكن مؤرخ اليونان الجوال " هيرودوت " دحض آراء سلفه ، فقال : ان الشاعر الخالد عاش فى أواخر القرن التاسع قبل المبلاد ، لكن السفسطائى " ثيويومبوس " قال : ان شاعرنا عاشر الشاعر " ارخيلوس " الهجاء الذى عاش فى القرن السابع قبل الميلاد .

هذا وبقيت الادعاءات والافتراضات ووسائل الدحض على حالها حتى أتت الاكتشافات الجديدة التى ظهرت لتقول : ان " هيرودوت " هو الذى أصاب فى دحضه لأراء سلفه بححة ان لغة " هوميروس " هي لغة القرن التاسع ق. م. والتى تختلف عن لغة القرن الثانى عشر قبل الميلاد والتى كانت ألفاظها غير مألوفة وعتبقة وهي ليست لغة القرن السابع ق. م. لان هذه الاخيرة تمتاز على الآخيرتين بشعرها الذي يتماشى مع ايقاعات الالحان الموسيقية ولان القرن السابع قبل المبلاد كان بداية ازدهار الشعر الغنائى وقد ظهر ذلك فى عدة مسرحيات : " لاسخيلوس " و " سوفوكل " و " يوربيديس " .

اما ارسطو المعلم الاول فقد قال : سطت طائفة من قرصان ازمير اثنا الجلاء الاليونى على فتاة من جزيرة " يوس " وهي حبلى من أحد الالهة ، فسبوها واحتملوها الى بلدتهم فولدت " هوميروس " .

ما يتفق عليه بعض العلماء هو : ان " هوميروس " نشأ فى احدى المدن الايونية على ساحل الاناضول بأسيا الصغرى فى مدينة تسمى " ايسونيا " و " هوميروس " هو " ميليجينيس " ابن النهر " مليليس " الذي قيل : انه من الجن والواقع فى ضاحية ازمير ، وقد وقع انتسابه الى النهر لانه ولد على ضفته ، وقد كانت والدته تدعى " كريتيس " ابنة " ميلانوفوس " وعندما كان " هوميروس " لا يزال صبيا يافعا ، تزوجت امه من عريف بازمير يدعى " فيميوس " بعد ان عملت لديه فى غزل الصوف الذى كان يتسلمه من تلاميذه كأجر للساعات التى يقضونها لديه فى التعليم ، ولقد كان ابن " كريتس "

من بين التلامدة ولقد فاق اقرانه فى الذكاء والفطنة والنبوغ ، ولاحظ العريف نبوغ الصبي فطلب يد امه حتى يبقى الطفل تحت رعايته ليخلق منه المتعلم العبقري .

شغف زوج الأم بالصبي ، فأحسن اليه وأدبه فأحسن تأديبه ، وربما كان العريف ينظم الشعر أو من حفاظه ، فحببه اليه ودربه على نظمه مظهرا له غثه من سمينه . واختطف " هادس " إله العالم السفلى العريف فبقى الصبي من بعده يزاول التعليم بالمدرسة وأصبح عريفها ، وسرعان ما انتشرت اخبار نبوغه ، وذاع صيته فى مدن اليونان فتوافد عليه الزوار من كل صوب وحدب طالبين المعرفه ، ويحبذون سماع الحكم والاناشيد واصبحت المدرسة بعد زمن ليس بالطويل كعبة يؤمها من له صلة بالمعرفة والعلم .

ما ان رأى "هوميروس " ان قصائده محل استحسان من طرف سامعيه حتى شرع فى نظم قصائد بروح جديدة وشاعرية فائقة ، سرعان ما احرزت على شهرة لا مثيل لها وأظهرت نبوغا جليا من شاعر لا كالشعراء ، فذاع صيته فى كامل مدن اليونان .

اشتاقت نفس " هوميروس " التجوال فى مدن اليونان وشجعه صديق له من جلاسه وهو ربان ، وشرع ينتقل فى كامل ارجاء بلاد اليونان ، مستمعا الى الشعراء حينا ، ومنشد ا بدوره من اشعاره حينا آخر فكان إله كل احتفال وسيد الشعراء بدون منازع ، وقد اكتسب خبرات جديدة ، فاتسعت آفاق خياله

وتمكن من كل قوالب الشعر فى ذلك العصر . حفظ اشعار شعراء آخرين كان لهم باع وأى باع فى عالم الشعر عاشوا قبله أو عاصرووه وعاشروه وسجلت ذاكرته القوية الاساطير الاغريقية عن الاله والانسان وما كانت من عجائب الاحداث التى كانت رائجة فى ذلك الحين .

في احدى الرحلات أحس " هوميروس " بآلام بعينيه ، وبعد فترة تضخمت الآلام ، لقد تمكن الرمد بعينيه فكان لا بد من ان يستقر على اليابسة لعلاج المرض الخبث الذى انقض عليه على حين غفلة . استضافه صديق الربان " منطور " فأحسن ضيافته وأكرمه وأعانه على تهيئة الجو المناسب الذى كان يستغه " هوميروس " من تدريس وبحث وتنقيب عن اخبار وآثار " أوديسيوس " صاحب خدعة الحصان الخشبى الذى اسقط عاصمة طروادة

" اليون " والذى نظم فيه ملحمته " الاوديسية " وفى الاثناء وبعد زمن ليس بالطويل اختطف الرمد نور عينيه ولكنه ما قدر على اختطاف نور عقل وبصيرته . لقد كان " هوميروس " يتعامل مع الحياة بالاخذ والعطاء ، يبصر فيستوعب ثم يبث ما أخذه من شعاع فى أناشيد الساحرة ، اما بعد ان فقد بصره فقد أصبح يعطى من نفسه من أعماقه التى تعيش الظلام ، أصبح " هوميروس " يعيش الاحتراق من أجل الاشعاع .

لم يعرف شاعرنا الخالد باسمه الحالى " هوميروس " الا بعد ان فقد بصره ، لان اسمه معناه - الكفيف - لكن عدة تأويلات أخرى ظهرت لهذه التسمية فقيل ان لفظة " هوميروس " مرادفة للفظة - الرهينة - وان هذه التسمية اطلقت عليه لانه وقع فى الاسروثمت من قال ان اللفظة هى تفسير للفظتى - المتكلم في المجلس - أى الخطيب ولكن اجمع جل الباحثين والناقدين على ان اللفظة تعنى - الكفيف - .

لقد اغتاظ " هوميروس " للتسمية التى اطلقها عليه أهل - كومة - - الكفيف - وخاصة عندما علموا انهم ارادوا بتسميتهم تلك النيل من كرامته وحتى يرحل عنهم لانهم لا يأبون مساعدته أو هم غير قادرين على ذلك . وحز فى نفس شاعرنا ان يقابل بمثل هذا الجفاء واللامبالاة ، فما كان منه الا ان ارتحل عنهم صابا لعناته عليهم بعدما خلد لهم فى سجلهم التاريخي هجاء لاذعا ، بقى لهم وصمة عار لا تمحى ولا تريد ان تمحى نتيجة تصرف غير حكيم فى حق شاعر لا كالشعراء هو سيد شعراء الارض قاطبة وشيخهم .

اشترك في نشرتنا البريدية