الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

هو ٠٠

Share

"إلى صديقي الذي يعشق زهر الحنون وزنابق الشاطئ . . إلى قلبه الذي بكى عندما أخبروه بأنه ليس من هنا . ."

كان يعيش في مدينة صغيرة تنبت أرضها الحنون ، وخبز الغراب ، والزنبق ، رجل جاء ذات صيف من الشمال ، وكان غريبًا يلف ذراعه بقطعة قماش غارقة في الدماء ، له عينان حزينتان كحبتين من العنب الرمادي .

وقد أتى في زمن كانت المدينة فيه تستقبل في الليل والنهار أفواجًا من القادمين من الشمال والشرق مشيًا على الأقدام ، وكانت عيون القادمين مرهقة باهتة تبدو كأنها جدّفت مئات السنين في بحار من الضباب والدماء وكانت النساء يحملن على صدورهن أطفالاً ميتين !!

في ذلك الزمن عاش من لا اسم له لا يشبه أحدًا على الإطلاق وكان البعض يقول : " أليس من المثير أن يكون في هذا العالم من ليس له شبيه ؟ "

مع هذا كان يحدث أن تنفلت من أحدهم عبارة تشير إلى أن هو يشبه شيئا ما .

ذات مرة كان أحد الصغار يتصفح كتابًا عن الإغريق وحدّق في صورة الآلهة العظام ، وصاح هذا " هو " !!

مرة أخرى كان أحد المخاتير الموقرين يقلب برتقالة أوشكت على العفونة حين تساءل : " ألا ترون أنها تشبه " هو " ؟ "

وفيما بعد ذلك بسنوات تطلعت صبية إلى غيمة رمادية تركض صوب الشمال وهتفت في أسى :

- أليست هذه روح " هو " ؟ كيف كان " هو " ؟

البعض كان يقول هكذا : " كان غنيًا . . " وكان البعض يرد : " بل مُعدمًا .. مُعدمًا !! " ويقولون أيضًا : " كان سعيدًا !! " فيرد البعض : " بل شقيًا ، شقيًا " إذن كيف كان ؟ من أين جاء ؟ - أين ولدت يا " هو " ؟ يشير بكفيه ويحركهما ببطء في نصف دائرة مُغمغمًا : " هناك !! " ودائمًا كان يقصد الشمال والشرق !! - متى ولدت يا " هو " ؟ - منذ ثماني سنوات . - فقط ثماني سنوات ؟ يهز رأسه وهو يتطلع إلى الأرض ويردد : - فقط ثماني سنوات . - لكنك تبدو كبيرًا !! يهز رأسه وهو يحك الأرض بقدمه كالحصان : - ولدت مرتين .. ومت مرة واحدة . لذا ولدت كبيرًا .

وكان لــــ " هو " رباط عنق أسود لا يفارق ملابسه بتاتاً ، وعندما يُسأل : - لماذا ترتدي الرباط الحزين ؟ يعض شفتيه بقسوة حتى تنزف منها الدماء ، ويتمتم : - في حداد في حداد .. - على من ؟ يبسط كفيه ويحركهما ببطء في نصف دائرة مشيرًا للشمال والشرق ويهز

رأسه في صمت ويأمرك أن تتابع نظراته التي تتسلق جبال الخليل .

عاش " هو " في كل مكان في المدينة ، عاش في معسكرات الشمال والشرق ، وأقام في كل مستشفى ، ونام في المقابر ، ولم يحدث أن افتقده أحد ، كان موجودًا - بطريقة لا تُصدق - في كل مكان ، وبكيفية خارقة كان يراه من يفكر باللجوء إليه في اللحظة ذاتها .

سألوه مرة : أتذهب دائمًا إلى الأرض المحتلة ؟ وكان يقول : كيف يذهب الإنسان إلى المكان الذي هو فيه !

وكانت لـــ " هو " صديقة يتباهى أن عمرها كعمره تمامًا يقول أحضرتها معي صغيرة ، صغيرة ، من حديقتنا هناك .

كانت شجرة برتقال لها ساق ملساء ، وأذرع رقيقة وكانت أوراقها لامعة ، وكان " هو " يداعب الأوراق ويتحسس الساق الملساء ويهمهم بكلمات لا يفهمها أحد ، ويلف إصبعه حول بروز صغير نبت أسفل الساق بلون بني باهت، ويزهو بقوله : إنها وحمة الأم في الشمال ، على ساق ابنته هنا !!

يُقال أيضًا إن الأوراق كانت تُسِرّ له بهمسات طويلة في ليالي الشتاء ، وكان يقول : " كل شيء يُثمر والثمار بعد أن تنضج جيدًا تتعفّن، وإن من صدور الناس تتدلى عناقيد أحزانهم ، وهي لو تعفّنت لفقدت الأجساد كل شيء . .!!

ولم تكن شجرته تثمر !! - أهي عاقرٌ يا " هو " ؟ بحرك رأسه في أسى ، ثم ينتفض مرة واحدة : - يومًا ما ستطرح برتقالتي ( ويشير إلى التراب حول جذعها في زهو ثم بكفيه إلى الشمال والشرق ويهمس ( . . من هناك.

- إذن كيف لا تطرح ؟ يقول بشدة :

- الطين ، يجب أن يكون الطين من هناك أيضًا

كان " هو " رجلاً غريبًا ، يأكل ما يجد ، يعمل كما يريدون ، يبكي من أجل الموتى يحفظ الأشعار ينام على الحدود ، يصاحب الصيادين في الليالي الحالكة السواد ، وكان يروي للصغار حواديت لا تنتهي عن يافا والمجدل ، والسوافير ، وكل القرى والمدائن قصصًا حزينة غارقة بدموع الأشواق . ويتحدث عن أشياء غامضة كان يقول :

كانت جميلة عندما تُقبّل الصغير! ! فيسألون : - عمّن تتحدث ؟ يجيبهم  في دهشة : - " هي ألا تدرون ؟ أليست لكل منكم " هي " ؟ وعندما تهطل الأمطار يتمتم وهو يرفع أنفه للسماء كأنما يقتفى آثارًا بعيدة لرائحة يعرفها .

- أتذكرون هذه الرائحة ؟ - رائحة ماذا ؟ - التراب والأمطار . يقول للصغار : - أنتم لا تعرفون هذه الأشياء وإذا أينعت الثمار انتهى كل شيء ، ولم يعد بإمكانكم معرفة شيء ، وعندما ترون برتقالة صفراء ناضجة على شجرتي ، هذه نبوءة : " ستشح الأمطار ويموت الحنون بعدها وستلد النساء رجالاً حزانى بلا وجوه . "

وكان البعض يرتجف من كلماته فيسألونه : - ماذا تفعل حتى لا يحدث مثل هذا ؟ يرد وهو يمضي : - يجب أن لا تتركوا الثمار تنضج أكثر مما ينبغي حتى لا يموت " الحنون " ويصبغ السواد زنابق الشاطئ.

فى بداية أحد شهور الشتاء حاصر الأعداء المدينة ، وأخذ " هو " يقول لمن يلقاه:

- أخيرًا جاء " النمل الأصفر " . رأوه يعدو في الشوارع صارخًا في عنف وبكاء : - جاؤوا . . جاؤوا .. اقتلوهم هذه المرة.

وانتشر " النمل الأصفر " فى شوارع المدينة ، وراح يلتهم الناس والحوانيت الأشجار وكان " النمل " خائفًا أشدّ خوفًا من الناس والأشجار ! واختفى "هو"!!

ومات الناس بلا سلاح . وكانت النساء يزحفن ليسحبن الأزواج ، وكانت الفتيات يحجبن صدورهن براحاتهن فزعات .

وفي الليل كان صوت " هو " يركض مع الرياح ، يهز المدينة ملتويًا في الأزقة والحواري مخترقًا الجدران:

- " برتقالتي أينعت!! " وكانت الرياح تقلد صوته  في دمدمة رهيبة : أينعت أينعت. وعندما امتلأ سجن المدينة بالرجال صارت صرخاته تشق جدران السجن: - " يعذبون إخوتي.. يعذبونهم ..هم . " وكان الرجال في السجن ممن يتعذبون ويصمدون ويموتون يؤكدون أنَّ " هو " ليس موجودًا في السجن!!

كان صوته فقط ينبع من الجدران والسقف والأرض!! وقال أحد المعذَّبين وهو يحتضر على أرض زنزانته: - أتدرون ؟ قبضوا على صوت " هو " ليعذبوه ويخنقوه..

كان يعيش في مدينة صغيرة تنبت أرضها الحنون وخبز الغراب والزنبق رجل غريب لا اسم له أتى ذات صيف من الشمال وكانت له عينان كحبتين من العنب الرمادى . . وقد أتى في زمن كانت المدينة فيه تستقبل في الليل والنهار

أفواج اللاجئين !! وكانت له شجرة برتقال عمرها تسع سنوات وبضعة شهور كعمره تمامًا!!

غير أن جيوشًا من " النمل الأصفر " زحفت في يوم من الأيام  إلى مدينته الصغيرة ، وإلى برتقالته ، وعندما أراد أن يحمي برتقالته من أنياب النمل الأصفر ، قتلوه!!

ويقسم الكثيرون أنهم رأوا على قمة شجرته برتقالة ناضجة أكثر مما ينبغي وأن أرض حديقته تنبت كل ربيع زهرة " حنون " واحدة.. وأن كل الغيوم الرمادية تبكى بدموع " هو " .

اشترك في نشرتنا البريدية