الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

هى والشمس والمطر

Share

السماء صافية ، الشمس كرة حمراء ، الاسفلت تحت قدمى يحترق الجدران بجانبي تلتهب ، السائرون أمامى ، ورائى ، بجانبي يلهثون ، يمسحون العرق المتصبب على جباههم ، الشارع ألوان متنافرة مختلطة متحركة ، كل واحد يسير فى اتجاهه الخاص ، ينظر الى الشارع بمنظاره الخاص ، يكون العالم الذى يعيش فيه كما يريد ، يتفاعل معه كما يحب ، ويرفضه ، يعيد تكوينه من جديد ، المقاهى عشش فيها الذباب ، استراحت الكراسي فاستلقت بتراخ هنا وهناك ، الشارع يضيق ليتسع ، ظلي يقفز أمامى ، يطول ، يقصر ملتصقا بالارض ، قائما على الجدران ، خطواتى تدق على الاسفلت دقات رتبية العرق ينزمن جبيني ، ينزل اودية على عينى ، يحجب عنى الرؤيا ، ملابسي تلتصق بى ، مسافة طويلة تفصلني عنها ، عن الشاطئ ، عن الرطوبة ، عن الرمال ، عن البحر ، يجب على ان ابلغ نهاية الشارع لاخذ الرتل الذى بوصلنى الى هناك ، سجائرى احترقت ، اصبحت اصابعي صفراء شديدة الاصفرار ، مسافة طويلة وعرق غزير يفصلانني عنها ، كلما اختصرت المسافة بتعدت عنها ، المدينة فارغة ، الشواطئ تملأ حياة الناس ضحيحا وصخيا عرفتها عندما كانت تسكن معي في هذه المدينة الكبيرة ، ساحة كبيرة تفصلني عن المحطة ، لم أرها منذ مدة ، منذ ان انقطع المطر ، عرفتها عندما كانت الامطار تتهاطل على المدينة فتغسل كل شئ . قلت لها يوما :

- هل تحبين المطر ؟

-لا....

- لماذا ؟ أنا أحب المطر . المطر يجدد فينا الحياة باستمرار ، المطر يغسل أدمغتنا مما علق بها من أدران.

- لا أحب الامطار لانها تجعل المدينة قاتمة

- أحب المطر لانه يقربني منك .

هى تترقبني . اترقبها لنذهب تحت مظلة واحدة ، دعوتها لزيارتى أكثر من مرة وبعد ذلك عرفت طريق المنزل عندما انقطت عن ترقبها . فى يوم ممطر طرقت الباب . لم تحمل مظلتها فرأت ان تقضى بعض الوقت بجانبي الى ان ينقطع المطر ، نزعت معطفها المبتل وجلست على حافة السرير ، لا يوجا فى بيتى كراس ، بيت عار كل ما فيه سرير وطاولة صغيرة وضعت عليها بعض الاوراق والكتب ، جثم علينا الصمت ، عيوننا هى التى تتحدث ، حمرة وجهها اضفت عليها مسحة من الجمال ، خجلها قربنني اليها ، مسكتها من يدها ، لم تحاول جذبها ، نزعت عن رأسها فولارها فسقط شعرها الطويل على كتفيها عانقت بعض خصلاته الذهبية صدرها الناهد

- لو ربطت يديك بهذا الفولار فهل تستطيع حل رباطهما ؟

جربى....

مددت يدى فوثقتها بفولارها الملون .

- على أى شئ تراهنين ؟

- أنت ماذا تريد ؟ اطلب ما تشاء .

- قبلة ؟

بقيت مطرقة قليلا ثم شدت الوثاق جيدا ، فككت الوثاق فجذبتها الى وطبعت على فمها قبلة ، دماء سخنة جرت فى عروقى ، المطر ينهمر فتجرى الاودية على حافتى الطريق وتنقطع السابقة فتصبح الانهج والشوارع بلقعا خالية ، الا من بعض السيارات المسرعة ونحن جسم واحد على السرير الجاثم فى هذا الركن من البيت .

انقطعت الامطار فافرقنا هى ذهبت الى الشاطئ مع عائلتها وبقيت وحيدا فى هذه المدينة الخالية اجتر تلك الايام وأخيرا عرفت قدماى هذا الشارع الذي يوصلني اليها ، قطعت مسافة طويلة تحت هذه الكرة الحمراء الملتهبة ساحة كبيرة تفصلنى عن المحطة . الضوء الاحمر ، قف . للشرطى الكلمة الاخيرة ، الضوء الاخضر ، تحركت الجموع نحو المحطة ، أقف امام شباك التذاكر . أترقب دورى . انتظر ذهاب هذا الجمع الغفير ، بعد أن آخذ التذكرة سأدخل هذا القفص الكبير اكره مثل هذه الاقفاص التى تجعلك تدور فى

حلقة مفرغة ، تنظر الى العالم من خلال قضبان حديدية خضراء ، أرى الناس والبنايات والعالم قد تججزأ الى مربعات متساوية تعافها الاعين ، لم أتعود ان ارى العالم فى قفص كبير ، فى قفص صغير ، فى زنزانة ، فى بيت من خلال قضبان حديدية خضراء او صفراء او سوداء ، قضبان تفصل الرؤوس عن الاجساد نجزىء المبانى الى مربعات او مثلثات او مستطيلات متساوية ، فى البيت افتح النافذة على مصراعيها لارى العالم وحدة متماسكة الاجزاء ، وحدة لا يشوبها الانفصال ولا تعتريها التجزئة ، اكره الدخول الى مثل هذه الاقفاص ولو كان ذلك بارادتى ، اذهب الى المقهى الصغير لا ترقب الرتل هناك ، جربت الدخول الى كل المقاهى ، عرفت كل شوارع المدينة وانهجها ، عرفت جميع زواياها ولكنى لم اجرب الدخول الى مثل هذه الاقفاص ولم أجرب البعش داخلها ، جلست وحيدا فى زاوية تظللها شجرة عجوز . تعددت تنقلات النادل من طاولتى الى المشرب وقد قالت لى حياة يوما :

- هل تحب ؟

- طبعا . احب امي كثيرا .

- من منا لا يحب أمه ؟ اقصد هل تحب فتاة ؟

- نعم أحب فتاة جميلة جدا .

- هل اعرفها ؟

- بكل تأكيد . انت الوحيدة التى تعرفينها ، هي لا تفارقني ابدا .

- أين تسكن ؟

- فى المدينة

- صفها

- بيضاء ، شعرها طويل ، متوسطة القامة ، مكتنزة ، الابتسامة لا تفارق ثغرها ، تحب اللونين : الاصفر والازرق .

أطرقت عندما عرفت ان هذه هى اوصافها فعرفت أني أحبها ، وهي الآن على الشاطئ تترقبني ، أنا لا أذهب الى الشواطئ ، لاني لا أجيد الساحة ، اعرف انى سأغرق حالما يلامس جسمى الماء ولكن الرطوبة تغريني والشمس المصلوبة على جسمها البض تدعونى الى الذهاب . يد تستقر على كتفي :

- هذه مصادفة سعيدة ! مصادفة ان تجلس فى هذا المقهى الذى تكرهه

سأذهب الى الشاطئ .

- ماذا ؟ هل غيرت رأيك ؟

- نعم سأذهب لحياة .

جلس أمامى ، الكراسي بدأت تتحرك فى كل الاتجاهات ، اصبح رأسي كبيرا ، كبيرا ، لم استطع حمله ، سقط على صدرى ، رجلاى انفصلتا عن جسمى ، دبيب لذيذ يعروني ، يغزونى فاعرف ان الشمس قد غابت في حمرة وهاجه وراء البنايات العالية وأفيق على صوت صديقى الضائع بين اضواء المصابيح الملونة ، بين قهقهات الشاربين ، بين فرقعة القوارير

- هل ستجد حياتك في البار ؟ سوف لن تجدها هنا ، لنرجع الى المدينة .

مزقت التذكرة ، اتكأت عليه وتوجهنا نحو البنايات العالية فلفنا الضحيح وغبنا شيئا فشيئا فى حركة لا تعرف الهدوء .

تونس فى مارس 1974

اشترك في نشرتنا البريدية