الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

وأعود إليك

Share

أين أنت ؟ تغوص فى إعصارا مفجرا ؟ نسحقنى بين ذراعيك أو أنيابك تدفننى بين ذراعيك ، فى فراشك ، أو فى سجنك ؟

أين أنت ؟ ! والظلمة القادمة اليوم مهولة . والليل المبتلع الحافلة العجوز رهيب وأنا على أحد مقاعدها الممزوقة ، أنكمش فى ركنى فى حضنى أوراق تهتز مع اهتزازات الحافلة القديمة .

أين أنت ؟ بقسوتك وجفافك ، أو بعواصفك وفيضاناتك ؟ ! أعود اليك ، أحمل فشلى وحزنى ! أعود اليك ، عل حدة أنيابك أقوى من قسوة أتعابى علها تكسرها وترميها للجحيم !

كنت تصرخ ثائرا :

- لن تجدى شيئا ! كلهم فارغون ! كلهم طبول جوفاء ! لن تحصدى شيئا !

الظلمة تبلع الطريق فلا تبقى إلا مسافة ضوء الحافلة . والاشجار تهجم عليك من جانبى الطريق مجرد جذوع حمراء ، تمتد بسرعة مهولة تتتابع تقفز لتسقط عليك تكاد تسقط على رأسك المحموم . والحافلة تهرب فتقفز الأشجار الى الامام ، وتضع كل الراكبين فى سجن من جذوع غليظة هائلة متتالية ، لا تنتهى . . وأنا ، لهفى ، أعود اليك !

أين أنت ؟ فسجنك أرحم ، وسجنك لا يشعر نى بهذا البرد الذى يتسلقنى . . . وفى سجنك أنسى . . أنسى . . أنسى ؟ . .

أنت بدون عقل ! لم تسافرين ؟ . كل يفكر فى نفسه ، فى ملء جيوبه ، فى استغلال الآخرين ! لن يعينك أحد بلا مقابل . أنت حرة . ولكن ستندمين

اغمضى عينيك ! فقد تعبت ! ترجرجك العجوز الوسخة تخض رأسك                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   تهز بعنف أوراقك العائدة وترتعش جفونك فتسقط عيناك من جديد على الرؤوس السوداء حولك . بجانبك . تهتز وهى تمضى فى سجنها نحو ظلمة الطريق الحرب

الطريق هناك ، كان باب جنة رضوان الموعودة ! لم تبالى بالسيارات المجنونة الرائحة والغادية ، لم تسأمى صوت محركاتها المتداخل المدوى ، لم تسأمى صوت المدينة النشز الذى طالما لعنته ، لم تتعب عيناك من زحامها وتشنجاتها ، غفرت للمدينة كل ذنوبها ، فقد بدا لك كل شئ هامشيا تافها صغيرا أمام ما كان يملأ رأسك

سرت الطرقات الطويلة الخانقة الى أن وصلت . وقفت لحظة أمام البناء الضخم العالى ، وأوراقك المقدسة فى ملف تحت ذراعك ، وابتسامة ترقص على شفتيك . كان حلم أخضر وردى يحلق فى سمائك . اقترب منك ، مرفرفا فوقك ، يفتح لك باب السعادة والخلود .

وطئت أول الدرج ، ودقات قلبك تتسارع وتعلو وتطغى على أصوات الحافلات والسيارات والابواق ويعلو صوت حلمك القديم مع دقات قلبك يرسل نغما سحريا يفتح لك الابواب الموصدة . لا ! لم توصد الابواب ! لقد فتحوها لك من خفقة الجناح الاولى ، ورحبوا بك ، فادخلى آمنة واثقة !

يا لسخرية المرارة تعصر فى فمى ! أين أنت أعود اليك ؟ ! كأس شراب شرس أنت ! صفعة فحل تنقذ من حلم ترياق مخدر يفرض النسيان

أين أنت أعود اليك ؟ بعد يوم طويل في مدينة جائعة ، عطشى ، جشعة . ومع ذلك ، وددت لو أبقى أكثر ، لو أجوب كل شوارعها ، كل دورها ، أبيع سلعتى البائرة

طرقت أصابعى باب المدير بلطف . وحين سمعت صوته يأذن لى ، جرتنى قدماى الى الداخل

كانت على وجهه بسمة رضا وترحاب . فقد عرفنى من زمان أشار بالجلوس . ورقصت فرحة خجولة بين ضلوعى . وأحسست برفة العصفور النزق فى صدرى يستعد لفرحة لا تنسى ، يهنأ بها الاحباب والاصحاب والجيران والابعاد فرحة لم يعرفها العمر رغم حلمى بها كل العمر

وقربني حلمى الجميل من المكتب - رغم ترددى - أقدم الملف والاوراق . وانطلق لسانى يسبق يدى المترددة يسأل برداءة عن ملف الساعات الاخيرة من الليل والاوقات المهربة من الزمن . هل يكون لمولود الليل نصيب من نور النهار ؟ .

يدي خائفة ممسكة بكنزها ، ولسانى المتلعثم المتردد بكشف اتعابه وأبواق السيارات وهديرها وصخبها يتسلل حتى أعماق المكتب وشئ من ضوء وضباب وسحاب يحيط بى

مضطربة أجلس ، ولسانى يتحرك بداية من أيام الصبا ، عرفت ولادتى على صفحات متفرقة يمسح بها زجاج النوافذ ، وتحملها الرياح فى الطرقات وأحيانا تدوسها الاقدام ، وتدفن فى قبور المزابل ، وخوف الموت يترصدنى فى كل مكان وفى كل وقت ، وخوف الموت يتبعنى حتى الفراش فيبدو حفرة ويبدو الغطاء كفنا

ثم تخفت الاصوات ، وتموت المدينة ، ويجمد الطائر الخافق المنتظر حين تنفتح شفتاه عن ابتسامة وينفتح فمه بالكلام ويهدأ كل شئ . وترقب الفرحة البكر الوحيدة ميلادها ، لتملأ الدنيا عيدا سعيدا . . سأعود ، أنثر الورد والياسمين والفل في كل مكان سأعود أوزع المشروبات والفرحة على كل الناس . وتتيقظ كل حواسى وخلاياى وهى تنتظر الجواب .

تتحرك شفتاه . تزيغ عيناه تصلنى كلمات غير مفهومة . أحاول استعادتها .

تسقط الكلمات . . تستقر فى صدرى ، تغوص رصاصا فيه يقتل الفرحة قبل الأوان

تسقط الكلمات تقطع جناحى طائرى الغر الصغير

تسقط كلمات الرصاص . أحاول استعادتها . فهمها .

أزمة جديدة . ضريبة أخرى على الورق . غلاء فاحش

تسقط الكلمات فى صدرى حادة النصل ، سوداء ، قاتلة . وشئ أحسه تحت ذراعى يثقل ويثقل . يكاد يسقط ، يكاد يصبح قنبلة هائلة قد تنفجر حين تلتقى بالارض قنبلة لم يرها لم يعرفها ، ومع هذا خافها ، ردها بابتسامة ساخرة وكلمات اعتذار

والمدينة خارج المكتب والبناء الضخم تأكل نفسها ، تصرخ ، تزمجر بألف صوت أتيه فى شوارعها . وحملى يموت حزنا فى ظلامه

آتيه فى شوارعها وحيدة والحلم الاخضر الوردى فى بركة دم سوداء

أتيه . حتى تلتقطنى حافلة وترمينى بين ركابها كتلة حزن وخيبة وفشل .

ليستقبلنى الليل والطريق الوحشى وأجدنى ، أعود اليك ، خيبة مرة ، لتسحقنى ، لتغوص فى ، لتسقينى مخدرك المر . فلعى أنسى ، انسى ، أنسى ولو لحين

اشترك في نشرتنا البريدية