الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

وابتسم لي

Share

عرفته كثف اللحية ، جامد القسمات والملامح ولكنه مع ذلك لم يكن عبوسا . . . إن أكثر ما يمكن أن يقال فيه هو إن كآبة رومنطيقية تخيم على وجهه الأسمر . . .

أنا أشعر بابتساماته ترتسم على شفتيه ، ولكنها لا تظهر فكأنها سفن بيضاء تغرق فى البحر والظلام قبل أن تصل المرافئ الخضراء ، لقد تجمدت ابتساماته وانتحرت مثلما تجمد وجهه وانتحر إشراقه ، كم من مرة أتيح له أن يحادثنى ولكنى أحس فى كل مرة بأن قلبه يرفضنى كما يرفض الجسم قلبا دخيلا عليه . . . أنا مازلت أذكر ذلك اليوم الذى رأيته فيه مع أمه عندما كانا عائدين من المستشفى . . . كان نحيل الجسم تظهر عليه علامات الارهاق الى جانب كآبته الخرساء هذه الكآبة التى أحببتها فيه وطالما تكلفتها . . . اغتنمت فرصة تسليمى على أمه لأحادثه ، لأسأله عن صحته . . . أجابنى بالصمت ، بابتسامة مريرة . . . نظر الى . . . أحسست بأننى عارية أمامه . . أحسست بأن نظراته الدافئة تنفذ الى أعمق أعماقى . . . انا أعرف عنه كل شئ حتى أوقاته : ذهابه الى الكلية رجوعه منها . . . كم تصديت له كم . . .

كم . . . ؟ إنه دائما يرشنى بنظرة خاطفة ويمر تاركا اصداء قدميه تتردد فى أغوار فؤادى المظلمة . . . طالعت قصائده ومقالاته ، وقصصه فى الصحف وأدركت مصدر كآبته ، وعزوفه عن مباهج الحياة ، إن الكتاب والشعراء يختلقون المشاكل لأنفسهم ليستلهموا منها مادة لكتاباتهم ، إنهم يشقون فى السعادة لأنهم يعقدون الحياة . . . ولكنه ليس مثلهم . . . لقد علمت بأنه أحب ولكن التى أحبها هجرته أو سافرت الى بلد مجهول ، لقد غدرت به وبقلبه الحساس . . . انا لا لن أتركه ينقم على البشر ، على حواء من أجل هذه ال . . . وأحسست أن هناك نقطة استفهام كبيرة ترتسم على قلبى . . . ماذا يهمني منه ؟ ما الذى يدفع بى اليه ؟ هل الشفقة والعطف ؟ هل حب الاطلاع ؟ أم شئ آخر ؟ . . . وكلما تساءلت ازدادت نقط الاستفهام عددا حتى شعرت بأنها تغمر فؤادى كله ، وتخضبه بحبرها الأسود " أنا " بكل ما فى هذه الكلمة من معان . . . أنا بأنوثتى ، أنا بجمالى . . انا لا . . . لن . . .

لست . . . لقد صدق الذى قال إن الرجل إذا فر من المرأة اتبعته ، وإذا اتبعها فرت منه . . . لا ، أنا لست عبدة للتقاليد ، إن هذه الحقيقة لا تنطبق على ، أنا عندما أحب رجلا أقول " أحبك " ، حتى وإن لم يصارحنى بحبه ، فلا أترقبه لكى يقول لى " أحبك " صادقة لأعيدها اليه مقلدة متكلفة . . . إذن قولى له " أحبك " اذهبى اليه ، صارحييه . . . أنت جبانة . . . إن الثورة على التقاليد ليست بسيطة الى هذه الدرجة لأنها تفلس النفس وتجردها من قيم مقدسة . . . أنا لا أستطيع ، أنا سأكتفى مثله ، ومثل جميع الكتاب بعذابى ، وسأستعمل عذابى ، نعم سأستعمله لأجعل منه شيئا إيجابيا ،

لا سلبيا . . سأكتب قصة . . يا لضعفى . . أنا لست ضعيفة .. أنا لن أتحمل أكثر مما تحملت . . . سأصارحه بكل ما يختلج فى نفسى من مشاعر ، سأثور على التقاليد وليقع ما يقع . . . اليوم يغادر الكلية على الساعة الخامسة . . . يمتطى قطار السادسة إلا الربع . . . سأكون معه على موعد . . . مرت الساعات التى عقبت قرارى الذى اتخذته فى درس الحسابيات بكل بطء كأنها أعوام . . . واستعددت للحظة الحاسمة بعد خروجى من المدرسة . . . دخلت العربة الثالثة . . . جلست بالقرب من المكان الذى اعتاد أن يجلس فيه . . . بقيت أترصده من خلال بلور النافذة ، هذا البلور الذى يعكس جانب العربة المقابل . . . البلور فى القطار وفي الحافلة وسيلة يستعملها الناس لمراقبة بعضهم لبعض ودوت التصفيرة الأولى فاهتز لها قلبى . . . سأنزل لأصعد القطار الذى ينطلق بعد ربع ساعة . . إنه تأخر . . . كنت أحدق فى باب العربة وأنا أتمنى لو لم يكن في القطار باب أو جوانب حتى أرى ما وراء الباب وما وراء الجوانب . . . ما أفظع الانتظار . . . وأخيرا أطل بوجهه ، وجهه الذى توهمت أنني أعرفه لأننى كلما رأيته اكتشفت فيه أشياء جديدة لم اكتشفها . . . جلس في مكانه المعتاد نظر الى ولكنه لم يعرفنى كم يخيل الى أنه لا يعرف أحدا . . . وهممت بالتسليم عليه ، ولكنى أحجمت ، لقد تحركت فى أنوثة حواء وغريزتها . . .

يجب أن يبدأ هو . . . هو الذى يجب عليه أن يقول لى " أحبك " ولست أنا ولكنه ربما لا يشعر بأي شئ نحوى . . . ما هذه الأوهام ؟ وثورتى . . . إن الثورة كلام جميل ينسقه الضعيف ليستر به عجزه وركونه فى أوقات الضعف . . . وانطلق القطار وأنا أنظر اليه من خلال بلور النافذة هذا الذي سماه فى قصته الأخيرة (( ردار العشاق والمغامرين )) . . . إن طيفه جميل ، جميل . . . أنا مازلت أذكر أن استاذة الفلسفة قالت لنا إن الأشياء تزداد جمالا إذا نظر اليها فى المرآة . . . إنه يبتسم ، يبتسم لى . . . وتذكرت أستاذ التاريخ

الذى حدثنا عن لوحة (( ليوناردو فانسى )) الرابعة (( لاجوكوند )) لقد قال إنها تبدو منشرحة الصدر لمن كان منشرحه ، وتبدو حزينة لمن كان حزينا ، فالناظر اليها يجد صورة نفسه منعكسة عليها . . . مرت هذه الخواطر بفكرى وأنا أتفرس في وجهه دون الوجوه ، إنه يبتسم لى . . . إنه يشير الى خفية بطرفه ، برأسه ، بشفتيه . . .  ما أجمل الكتاب عندما يشيرون هكذا وما ألطفهم عندما يدخلون الحياة العادية تاركين الخيال . . . بقيت بين الشك واليقين . . . ربما كانت صورته التى أراها مثل (( لاجوكوند ))  تعكس حالتى النفسية ، ربما كانت هذه اللحظة التى أحياها حلما ، والحلم لحظة يحقق فيها الانسان كل ما يصبو اليه فى الواقع . . . ولم أستطع أن أدير له وجهى لأستوضح الأمر خشية من الصدمة ومحافظة على هذه السعادة التى أشعر بها ، من قال إنه لا يبتسم حقيقة ؟ ربما . . . ! الثورة ، التقاليد ، العجز . . .

فراشات حمراء ، رمادية ، صفراء تحلق فى فضاء العربة وتملؤه . . . وتوقف القطار وبتوقفه توقف ترددى فالتفت . . . التفت محطمة كل القيود ، طاردة كل الأوهام ، مستنصرة على كل ضعف شعرت به الى حد الآن . . التفت فوجدته يبتسم ، إنه يبتسم ، ولكن لفتاة كانت تجلس قبالته .

اشترك في نشرتنا البريدية