مطر . مطر يهطل فى ارضنا والشهر نيسان
قلوب لاهثة عطشى . هل ينزل المطر ؟ هل تجود السماء ؟ اما آن للغيث ان يطرق !
عيون فى كل غداة ومساء ، تحدق الى الزرع تجس نبضه تستفسره عن حاله
هذا يغمس كفه فى التراب يسبر مدى الرطوبة ويقيس سمك الثرى وغور الحياة . . أو يقتطع حفنة ، فلذة ناشفة ظمآى ويفركها بين يديه متحسسا منطق التربة ، نداء شوقها وخفى شكواها . .
وهذا يتامل دقائق لون الزرع مستعرضا حالته موازنا بين الامس واليوم ثم يرفع راسه الى السماء فى نجوى صامته :
" تامل يا الله الارض شقوق وقشور . الارض لم تعد ذاك البساط الغض الوثير . الارض ، حيثما تلفتنا ، افواه فاغرة ملايين الاشداق تنشا الرى والطعام . لكانها اقواه المساكين فى بلادنا تحتج فى صمت وتضرع فى مرارة
الارض بثور وقروح تنتظر الايدى الحبيبة ان تمسح عليها فاذا هي - لمحة الطرف - تلتئم ، وتتماسك وتنضم ، وتضحى عافية وبركة
هذا اليبس سبع ضار . . مخالب تنشب فى الجذور والسيقان ، تنوشها تنهشها حية فعل الكواسر بافراخ الطيور
والحيوان ؟ الحيوان فى اوج الربيع ؟
كنا نستيقظ فى غلس الفجر على اصوات الفحول ترغى وترفع عقيرتها ، مرددة خوارها كانه الصلاة القوية الحارة الى الشمس والنور ، فنطمئن الى سير الوجود ونجد طعم الغبطة والامل .
واليوم ! لقد حيل بين الفحل والنزوان . . ولا الاناث تطيق وطء الفحول . كاد ينضب " الجنس " وقد عهدناه دافئا فوارا . .
ها قد غيم الجو من جديد . اتراه ينزل هذا المساء ؟ سئمنا الاعيب السحب نتصيدها فتشرد هازئة كانها الوحش النافر
شد ما تكررت الوعود . السماء انثى صلفة عنود ، تفتن فى منعها وتلوين اغرائها ففى كل يوم لبوس من الفتنة . برق خلب وتهاويل سراب
نديت نديت الريح حتى كاننا نحس بللها فى الحلوق والخاشم ، الغبث يوشك ان ينضح ايدينا المتطلعة اليه . . تتلمسه ، تتسمع الى برده ، وتتشهى نداه .
انه ينقر الأكف والجباه نقرأ ، وخزا خفيفا كدبيب الحميا . كميلاد الطرب او دغدغة السرور .
تبارك الله ! لقد صح الوعد
سحا . . سحا وتسكابا ايها المطر حتى تنز الارض شرابا طهورا . . حتى تنز مسام الارض نزيزا . . حتى تجود الآبار دفقا ، وتطفر الينابيع فورانا
نعم ! وتكتظ السنابل ، ولتفغم حلوقها وتشرق عبا من غيثك وفيضك ! نعم ، ويمتلىء الزيتون طفحا ، ويستحيل نسخه ذهبا سائلا وهاجا . .
مدرارا حتى المساء ، حتى الفجر ، اياما متواليات . . حتى غاية الرى وموت الظما
مثل هذا العرس لم يشهده شعبنا ، لم يتفق له ، للاسف ، من زمن بعيد
هذه القطرات المتراصة سيلا جما مطردا ! . . انها ، بعد ، بحيرات قضية خصيبة اصبحت طوع السدود ، رهن اشارتها وميقاتها الموعود
انها ، بعد ، دماء صخابة فى الشرايين ، ايمان بالحياة مجدد وثاب عزم قوة لا تستكين
انها معامل تدوى آلاتها - ولا كطنين النحل - يوفر لها الوقود جزلا فلا تشبع ، معامل تؤتى جناها فى المواعيد ، لا خلف ولا مطال ، وفاء بالعهد انجازا وابراما .
انها وجوه قوم تالقت فيها اشعة الحياة فهى تفور عزا وشمما ، همة وفتوة انها . . انها المستقبل ترسي قواعده ويتمثل صرحه شامخة ذراه . . مستقبل شعبنا قد ذلك غاياته وامكن مستحيله .
