الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

واحد وعشرون

Share

عندما يتفجر الفجر عبر الأشجار ، سيولاً من الضوء ، فيقفز الظلام قفزات إلى الوراء ، يشق السكون صوت حمار يقطن جوارناً . صوت ملئ تعتريه بحة رقيقة كلما شهق . عندها تنهض النساء من نومهن فتقصدن المطبخ لإحضار القهوة والحليب ولشواء الخبز في الفرن ، فيكتمل الفطور . عندها يكون الصباح قد انتشر فيرسم الاشياء بألوانها ، فتظهر أبواب في لون السماء ، وجدران مبرقعة وأوساخ في الزوايا ، راسية منذ أيام .

كان نهيق الحمار يمتد على واحدة وعشرين شهقة ، كالساعة إذ تجرى عقاربها ، تتابع شهقاته واحدة وعشرين مرة .

كان الحمار ملكاً لرجل مسن يسكن في الحى ، في بيت لا يشبه البيوت الأخرى فالأرض كسيت تراباً ولم تكس بالرخام الأبيض ، والأبواب غير موجودة ، وهناك فوهة صغيرة في السقف تتسلل منها الشمس في الصباح وتظهر النجوم على سطحها في المساء . وكنا ونحن صغار ندخل البيت الغريب ، فتتضوع رائحة الحيوان فنتشممها بشئ من الإشمئزاز رغم طرافة الحمار ، إذ كان أسود اللون ، ذا عينين سوداوين يعتريهما الذل والكآبة في نفس الوقت . وكنا نتعجب لتراكم الذباب بين جفونه وعلى جروحه المتعددة .

كان الحمار ساعة الحي ، حيث يبتدئ النهار فيه بواحدة وعشرين شهقة يطلقها الحمار كل صباح . كان يذكر في كل حين وفي كل منزل فلان أسود كالحمار وفلان بشع كالحمار ، إلا أن مع مرور الأيام أصبح نهيقه مقلقاً .كان يقلق

الأطفال وهم نائمون ويقلق المرضى والنساء الحاملات ، وحتى العصافير في أوكارها . كان الذباب يتكاثر فجأة في الحي ويقال : إنه آت من ذلك البيت أين يوجد الحمار ، وقتها كانت علاقتنا مع البلدية ليست صافية بل كانت تتحمل طلبات متزايدة ومكاتب طويلة متتابعة . فالحي كان منسياً ، والأوساح كثيرة والذباب يقطن مع السكان . عندما أخبر عم محمد بسكان الحي بأنه كان يعد شهقات الحمار كل صباح ، وأنها لا تفوت الواحدة والعشرين شهقة ،أثار تعجبهم ، وقال أحدهم : ربما هو العدد الذي يناسب الحمار ، كان ممن يدرس تأثير الأنجم على الكائنات . أما سي عمر المولع بسباق الخيل فقد أكد أنه سليجأ إلى هذا العدد كلما شارك في سباق الخيل . وقال جزار الحي ، وهو دري بالحيوانات : ربما كان الحمار يشكو من مرض في بلعومه ، وقالت خالتي خديجة : " هكذا خلق ، فلم التأويل ولم التخمين " أما شبان الحي ، فكانوا صامتين وكانوا يلجؤون إلى تفسيرات أخرى . فربما كان يصيح لأن الأسمنت أكل الخضرة ، ولأن المدينة أكلت البساتين ، أو لأنه يحس بالأشياء الميتافيزيقية عن عفوية تامة . أو لأنه يشبه الإنسان الذي ينتقد كل شئ أو لأنه . وتكثر التأويلات قرب الجدار والمقهى العتيق .

كثرت الخرافات والتساؤلات وكثرت الاجتماعات داخل المنازل وكان السكان يبحثون في كل يوم عن حل لإسكات الحمار ، الذي ما زال يبدأ صباحه وصباح الحي بواحدة وعشرين شهقة .

كان الأطفال يزورونه يومياً وكانت ربات المنازل كثيراً ما تتخلصن من الخضر الذابلة فترسلن بها إلى الحمار . فكنت ترى الأطفال يحملون السلال وهم قاصدون البيت الغريب ، في مطلع كل يوم .

وفي مساء ما ، اجتمع بعض السكان في منزل أحدهم ، وقد قرروا إسكات الحمار بأي وسيلة . قال عم محمد : لنأخذه إلى طبيب بيطرى ، فربما ناوله بعض الأدوية لتخفيف ما به ، فيكون صباحنا ساكناً ، لا يشوبه أى شئ وقال عن عمر في بساطة : رأيي تشترى له أتانا تؤنسه وتخفف عنه وحدته ! إن الحيوان مثل الإنسان فالوحدة لا يطيقها ! سكت الحاضرون برهة ، ، وكأن كلام العم عمر على بساطته حرك فيهم أشياء كثيرة . وقال أحدهم: ولكن أين نجد ثمن الأتان ، وأين نجد السيارة الكبيرة لنقلها حتى هنا ؟ . قال عم عمر متأكداً : ألا نستطيع التضميد من أجل راحتنا وراحة أطفالنا؟

أما عن النقل فالسيارة التى تنقل اللحم ، لصديقنا محمد تنقل الاتان إلى هنا .

كانت كؤوس الشاى قد أوشكت أن تفرغ ، والليل قد تمطى فأرجأوا الحديث إلى الغد .

طالت الأحاديث في اليوم الموالي ، وتكاثرت ، مدة أسبوع كامل ثم كان اليوم المنتظر فانطلق الجزار بسيارته مع بعض الأهالى صباحاً، وفي الظهر أتوا بالاتان ألى الحي ، وأدخلوها البيت الغريب ، وأعطوها ما تأكل وما نشرب .

بات سكان الحي ، ليلتها تلك يترقبون الصباح بفارغ صبر ، هل سيطلق الحمار واحدة وعشرين شهقة ، هل سيسكت فيحل السكون بالحي ؟ لكن عند الفجر سمعت الشهقات وكأن شيئا لم يكن . يومها كان اللقاء في المقهى يحمل ضجيجياً غير محتمل ، وعم محمد ينصت إليهم وقد غضبوا ، فنددوا بهذه الفعلة التي أفقدتهم كثيراً من الدينارات وكثيراً من راحتهم " وكان عم عمر يجيبهم دائماً: يجب أن نتترقب حتى يتعود على وجود الاتان قربه ! فى اليوم الثاني كان النهيق فى أول النهار وكان المقهى يعج بالناس .

أما فى اليوم الثالث ، فلم يسمع أى شئ ، كان الصباح فارغاً لا صوت ، تراخي السكان قليلاً ، ثم هبوا من نومهم كالعادة ، ثم نظروا إلى بعضهم بعضاً، فتفطنوا إلى أن ٠٠ الحمار لم ينهق لم ينهق ولو مرة فأين الواحدة والعشرون مرة ؟

خرج السكان فتناثروا عبر الأزقة يتهامسون ، وذهبوا إلى بيت عم عمر ، وهم يهنؤونه وقد أصبح إقتراحه من أجمل الأشياء لقد تعود الحمار إذن على الاتان وحصل التوازن بين الأثنين ؟ قال أحدهم : نذهب إليه ، أريد أن أتحقق أنه هنا !

كان اللقاء أمام البيت الغريب ، كان الباب مفتوحاً، ورائحة الحمير تتضوع ، دخل القوم واحداً واحداً فرأوا صاحب البيت جالساً ، كان حزيناً أجل حزيناً لموت الحمار ! كيف أمات الحمار ؟ نعم ! والاتان ؟ كانت واقفة في عينيها صور نجهلها وفي رأسها أشياء نجهلها أيضاً ! كان الحمار ممدداً على الأرض يابس الأعضاء ، مفتوح العينين ، خرج القوم مسرعين ، شعروا بالحي أخرس الجدران ، أما سماؤه فصافية لا تحمل سحباً .

هل مات الحمار من أجل الاتان . أم من أجل أشياء أخرى نجهلها ؟

اشترك في نشرتنا البريدية